تستند المواطنة بمفهومها الحديث إلى أساس فلسفي قديم ارتبط بمفهوم دولة المدينة Polic أو City State التي تكونت في اليونان القديمة قبل الميلاد بعدة قرون، باعتبارها الوحدة الأساسية في التكوين الأساسي.
قامت الديمقراطية المباشرة (الأثينية) على المشاركة السياسية المباشرة للمواطنين في الحياة السياسية، وركزت على مفهوم المواطنة باعتبارها الحق والواجب من النواحي السياسية مقارنة بالمفهوم الحديث للمواطنة الذي يقوم على الحق والواجب من الناحية القانونية. ومع هذا فقد اقتصرت صفة المواطن في اليونان القديمة على الذكور من الأثينيين من سنة 20 عاماً دون الإناث.
رأى المفكر اليوناني أرسطو أن المواطن هو الذي يقوم بممارسة السلطة السياسية ويقوم بمشاركة سياسية مباشرة، حيث اشترط للمواطنة الذكورة، الجنسية، والقدرة على إعالة تابعيه. ورأى أرسطو أنه يجب أن يحرر المواطن من أعباء الحياة اليومية والمهام الإنتاجية اليدوية، على أن تتوافر فيه القدرة على الطاعة والقيادة واتخاذ القرار في آن واحد.
وقد تطور المفهوم الحديث للمواطنة قبل نحو ثلاثة قرون مع تشكل الدولة القومية والتي تحتكر لنفسها السيادة المطلقة داخل حدودها، فمن أجل منع استبداد الدولة وسلطتها نشأت فكرة المواطن الذي يمتلك الحقوق الغير قابلة للسلب أو الاعتداء عليها من قبل الدولة؛ حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين، وحقوق سياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لذا تعرف الدولة القومية باسم دولة القانون والمؤسسات المستندة إلى الإرادة الشعبية فهذه العناصر الثلاث (السيادة، القانون، والمؤسسات الديمقراطية) هي ما يعطي لمفهوم المواطنة معناه.
التعريفات المختلفة لمفهوم المواطنة:
تعددت التعريفات لمفهوم المواطنة Citizenship، حيث يستمد المفهوم معناه في اللغة من مفهوم الوطن ـ محل الإقامة والحماية، بينما نظر قاموس علم الاجتماع إلى المواطنة باعتبارها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة)، يقوم من خلالها الطرف الأول (المواطن) بتقديم الولاء، بينما يتولى الطرف الثاني الحماية وهذه العلاقة تتحدد عن طريق أنظمة الحكم القائمة. وعلى ذلك يمكن تعريف المواطنة من منظور نفسي باعتبارها الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي تعد مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطاء المصيرية، ومن ثم تشير المواطنة إلى العلاقة مع الأرض والبلد.
ورد مفهوم المواطنة في دائرة المعارف البريطانية باعتباره تلك العلاقة بين الفرد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة.
جاء مفهوم المواطنة في معجم المصطلحات السياسية للإشارة إلى الوضع أو المركز القانوني الذي يحق للشخص بمقتضاه أن يتمتع بامتيازات وواجبات المواطنة الكاملة بالدولة، حيث يمكن أن يكتسب وضع المواطن من خلال عدة طرق: عند الولادة (واقعة أو مكان الميلاد)، صلة الدم (نتيجة الانحدار من أصل أو نسب معين). أو عن طريق منح الجنسية (التحول الرسمي للانتماء أو التجنس). ويمنح وضع المواطنة للشخص الحماية التي تكفلها له قوانين الدولة وتشريعاتها فضلاً عن بعض الحقوق والامتيازات كحق المشاركة في الحكم والتمتع برعاية البعثات الدبلوماسية والقنصلية لدولته في الخارج، وفي المقابل يؤدي المواطن واجبات معينة كدفع الضرائب والخدمة في صفوف الجيش.
مضمون المواطنة:
مما لا شك فيه أن الحقوق والواجبات هما وجهان لعملة واحدة تشكل في مجموعها المواطنة، وأن ممارسة المواطن لحقوقه تعد مسؤوليته لصيانة حقوقه وحمايتها ـ حقوقه الشخصية وحقوق الآخرين. فالمواطنة هي الشراكة والمساواة في الحقوق والواجبات، وتلبية حاجيات الإنسان المادية والمعنوية. وفي وطن جامع حر تحت مظلة دستورية ضابطة وضامنة لتلك الشراكة والمساواة من خلال آليات دستورية وقانونية فاعلة.
ومن ثم تنظر الفاعلة إلى شتى الاختلافات العرقية والعقائدية والثقافية في مكونات المجتمع نظرة إيجابية وتسعى لاستيعابها دون إقصاء أو تهميش، ليتم التفاعل والتمازج بينها بما يؤدي إلى تولد ثقافة وطنية تدعم من روح الشراكة والترابط في المجتمع.
حظيت قضية المواطنة باهتمام العديد من المفكرين والعلماء في شتى المجالات الاجتماعية، حيث يرى بعضهم أن المواطنة ليست مجرد قيمة وإنما ممارسة في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فكل مواطن له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات وأن هذه المواطنة ليست عشوائية وإنما تتم وفق الدستور والقوانين.
ويرى البعض الآخر أن المفهوم الحديث للمواطنة يفترض وجود مجتمع مدني وسياسي وحزمة من الحقوق والالتزامات، ونسق أخلاقي يحض على المشاركة والتضامن وأنه لا يوجد نهاية في الأفق يمكن تحقيقها في مجال تطوير المواطنة ومجالاتها لأن البحث فيها عملية مستمرة ومتواصلة.
يتفق معظم المفكرين في أن المواطنة هي أحد الركائز الأساسية بل والقاعدة التي تنطلق منها الديمقراطية و أنه عبر الديمقراطية والمواطنة يكتمل الوجه السيادي للأمة، فعلى سبيل المثال يرى عالم الاجتماع آلين تورين أن معنى كون المرء مواطناً هو أن يشعر بمسؤولية عن الأداء الجيد للمؤسسات التي تخدم حقوق الإنسان وتسمح بتمثيل الآراء والمصالح، وأنه لا توجد ديمقراطية بلا مواطنة.
والواقع أنه رغم تعدد الرؤى للمواطنة تارة باعتبارها المساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد، وتارة باعتبارها خلق المواطن الصالح، وتارة أخرى كمرادف للديمقراطية، إلا أن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن المواطنة هي نسق قيمي أو جملة من القيم المعيارية تمثل حق الإنسان في الحياة الآمنة والعدالة والمساواة في الحقوق الاجتماعية لكل فرد في المجتمع بغض النظر عن جنسه أو دينه أو مذهبه، وكذا حقه في التعبير عن رأيه و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ