كتاب : الأخلاق والسياسة عند ميكافللي

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

ميسون جادالله اليعقوب

إصدار بإشراف :
الدكتور عماد فوزي شُعيبي
رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية


المحتوى
• مقدمة
أولاً: المدخل
أ‌- الإرثان اليوناني والروماني.
ب‌- مدخل تعريفي إلى نيقولا ميكافللي.
• الفصل الأول : المفاهيم السياسية عند ميكافللي
أولاً: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدول إيطاليا.
ثانياً: مفهوم الضرورة.
ثالثاً: الحيلة والقوة.
رابعاً: الفساد والطبيعة البشرية.
خامساً: النزاع القطبي بين الفضائل الأخلاقية والفضائل السياسية .
• الفصل الثاني : التقانة والمنهج السياسي عند ميكافللي
أولاً: التقانة كمنظومة غير مغلقة.
ثانياً: مراحل الدولة وتطورات التقانة السياسية.
أ‌- مرحلة التأسيس والتوطيد
ب‌- الخروج من الدولة المحض غائية إلى الدولة الحديثة.
ثالثاًَ: الدور الديني والتربوي والدعائي للحكم السياسي.
• الفصل الثالث : مكانة ميكافللي
أولاً: أثر ميكافللي في الفكر السياسي الحديث والمعاصر.
ثانياً: النقد الموجه لميكافللي والرد عليه.

• الخاتمة.

المقـدمـة

إن إشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة كانت ولا تزال إحدى أهم المحاور في صراع الفكر الإنساني. وهذه العلاقة الإشكالية التي تعيش حالة دائمة من التناسب الطردي مع الحراك الاجتماعي والسياسي هي ما دفع العديد من المفكرين للاهتمام بدراسة طبيعة العلاقة يبن هذين الركنين. وبحثنا هذا جهد متواضع سعينا فيه للوقوف على مدى الارتباط و التنازع بين ركني الأخلاق والسياسة لدى واحد من أهم المفكرين السياسيين في القرن السادس عشر هو ميكافللي.
ولذلك كان لابد من طرح العديد من التساؤلات حتى نتمكن من إيضاح المبررات التي دفعت ميكافللي إلى إقصاء الأصل الميتامورالي عن السياسة وجعلها من اختصاص العقل البشري وحده.
وكان لابد لنا بداية من إيضاح أهم المفاهيم السياسية التي شكلت نواة الميكافللية. وانطلقنا بعدها للبحث عن الفوارق بين عالمي السياسة والأخلاق من وجهة نظر ميكافللي, ومبررات ذلك, فضلاً عن الكيفية التي عالج بها هذه المسألة, انطلاقاً إلى تحديد الصفات التي يجب على الرجل السياسي أن يتمتع بها حتى يستطيع قيادة دولته, بالإضافة إلى تحديد الوسائل التي سعى ميكافللي إلى تركيز اهتمامه عليها, وما مدى مشروعيتها من الناحية الأخلاقية, وهل أهمل ميكافللي حقاً ما يسعى إليه من أهداف حين كان تركيزه منصباً على الوسائل, وما مبرراته لذلك؟
وإذا كان ميكافللي قد بحث عن أفضل الوسائل للاستيلاء على السلطة, والحفاظ عليها, وتأمين استمراريتها فما هي القواعد التي يقدمها للحكام بصورة عامة ؟ وهل تشكل الدولة لديه كائناً دائماً أزلياً أم أنها شيء مؤقت دنيوي يعتريها التلف والدمار؟ وإذا كان الأمر كذلك, فما هي العيوب الطارئة على مؤسسات الدولة حسب رأي ميكافللي؟ وكيف عمد ميكافللي إلى وضع الأسس الضرورية لتلافي هذه العيوب؟
وكيف عالج مشكلة فساد أجهزة الدولة ومؤسساتها؟ من خلال علاقتها بفساد الفضائل السياسية للحكام السياسيين التي من شأنها أن تسهم في الحد من إصلاح أجهزة الدولة.
وكذلك كان لابد لنا من البحث عن الدور الذي يؤديه كل من الدين والدعاية والتربية في العمل السياسي. وكيف سعى ميكافللي إلى توظيف كلٍ منهم بما يخدم العمل السياسي.
وأخيراً: كان لابد لنا من استعراض النقد الموجه إلى ميكافللي, وأسبابه والرد عليه قدر الإمكان.
وقد قُدمت دراسات كثيرة ناقشت أهم الأفكار التي عرضها ميكافللي في مؤلفاته ومنها:
1- دراسة لحازم صاغية بعنوان ميكافلليطرح فيها فكر ميكافللي السياسي ومنظوره للطبيعة البشرية وعمل على إيضاح الفارق القائم بين الأمير والمطارحات وأهدافه في كلٍ منها متطرقاً لإشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة لديه.
2- دراسة لعماد شعيبي بعنوان من دولة الإكراه إلى دولة الديمقراطية امتازت برؤية جديدة لميكافللية عصرية تمحورت حول إشكالية الدولة ومراحلها الأساسية, والتي تحمل في ثناياها عناصر تقدمها. مؤكداً استقلال قطاع الأخلاق عن قطاع السياسة انطلاقاً من نظرة موضوعية لطبيعة العلاقات السياسية والدولية.
3- دراسة لطفي جمعة, فاروق سعد, علي الجوهري الذين قاموا بترجمة كتاب الأمير، وكذلك خيري حماد الذي ترجم كتاب المطارحات.
4- دراسة بعنوان الميكافللية وداعي المصلحة العليا لميشيل سينلار والتي ترجمها أسامة الحاج يعرض فيها فكرة داعي المصلحة العليا وهل كانت مفهوماً ميكافللياً أم لا. ويعرض لبعض المفاهيم الميكافللية.
5- دراسة فرديك الثاني ملك بروسيا بعنوان الرد على ميكافللي يتناول فيها الرد على القضايا التي تطرحها فصول الأمير.
6- دراسات متعددة في اللغة الإنكليزية قامت بتوجيه النقد للفكر الميكافللي أو الدفاع عنه كدراسة جاك مارتين بعنوان نهاية الميكافللية يتحدث فيها عن انهيار الميكافللية وموتها، ويميز بين نوعين من الميكافللية, ودراسة لـ روث كرانت بعنـوان الاستقامة والنفاق يتحـدث فيها عن الـدور الإيجابي الذي يلعبه النفاق في العمل السيـاسي بالنسبة لميكافللي, ودراسـة كلي روس تحت عنوان ميكافللي والمـأزق الأخلاقي لفن الحكم يتحدث فيها عن طبيعة الدولة عند ميكافللي وفيها يدافع عن سياسة ميكافللي.
وقد انقسم بحثنا إلى ثلاثة فصول إضافة إلى المدخل الذي تناول أهم ما قدمه الإرثان اليوناني والروماني في مجال الفكر السياسي, والتعريف بميكافللي
والفصل الأول تحت عنوان : المفاهيم السياسية عند ميكافللي ويتضمن المباحث الآتية:
أولاً– الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدول إيطاليا.
ثانياً– مفهوم الضرورة المرتبط بصورة لصيقة بالواقع المتغير والمتبدل وقد استعرضنا فيه عن نوعية الوسائل الضرورية الواجب استخدامها في مواجهة المتغيرات السياسية الطارئة في حالات الدولة المختلفة, سواء أكانت المحتلة بواسطة الأسلحة الخاصة أوالمكتسبة بمساعد الحظ والقدر, أو عن طريق وسائل غير المشروعة ,أم برضا المواطنين, وأخيراً الدول ذات الطابع الديني.
ثالثاً – مفهوم الحيلة والقوة :وفيه طرحنا علاقة كلٍ منهما بالآخر, وتناولنا الفروق القائمة بينهما, ووسائل كل منهما, والمستويات والظروف التي تستخدم فيها كل من الحيلة والقوة وموقعهما من الناحية الأخلاقية.
رابعاً– مفهوم الفساد والطبيعة البشـرية : تطرقنـا فيه إلى نوعين من الفسـاد : الفسـاد
التنظيمي والفسـاد المتعلق بالفضـائل السـياسية للحكام والمشـرفين على إدارة
الدولة وعلاقة كل منهما بالآخر, وأسباب الفسـاد بشقيـه وكيفية درء حدوثهِ.
خامساً– مسألة النزاع بين الفضائل السيـاسية والفضـائل الأخلاقيـة حيث ناقشـنا تحت هذا العنوان ذلك مجموعة من الفضائل التي طـرحها ميكافللي من النـاحية السياسيـة مثل فضيلة الكرم, والخوف والكراهية, والنفاق أو التظاهر, والقـوة والكيفية التي تستخدم فيهـا هذه الفضائل من خلال إبراز الفروقـات الواضحة بين اسـتخدام الفضائل الأخلاقيـة والفضـائل السـياسية في إطار الحقل السـياسي, وإبراز الإيجابيات والسلبيات الناجمة عنها والضرورات الدافعة لذلك.
أما الفصل الثاني : فجاء تحت عنوان التقانة والمنهج السياسي عند ميكافللي وقد تضمن المباحث الآتبة :
أولاً : التقانة كمنظومة غير مغلقة : طرحنا العلاقة القائمة بين التقانات المستخدمة في العمل السياسي والغايات المرجوة من الناحية السياسية , وأسباب تركيز ميكافللي على العناية بالتقانات السياسية دون إهمال الأهداف المتوخاة.
ثانياً : مراحل الدولة وتطورات التقانة السياسية : وقد استعرضنا مرحلتي التأسيس والتوطيد وتطرقنا إلى الشروط الأساسية التي يستخدمها السياسي في كل مرحلة والعقبات التي تواجه هذه المراحل. وعرضنا أيضاً موضوع سياسة الدولة الخارجية والداخلية, وهل يتقدم أحدهما على الآخر عند ميكافللي أم هما على السوية نفسها من الأهمية؟ وما هي استثناءات تقدم إحدى السياستين على الأخرى لديه ؟!
كما استعرضنا دعوة ميكافللي إلى إصلاح الدولة وتحديثها. مع ربط هذه الدعوة بموضوع تعيين المناصب والاهتمام بالكفاءات, وعرضنا الكيفية التي تتم فيها هذه العملية سواء أكان ذلك في الدولة الفاسدة أم الدولة الصالحة, وأبرزنا الفوارق بين الحالتين.
ثالثاً: الدور الديني والتربوي والدعائي للحكم السياسي: وتحدثنا عن الدور الإيجابي والسلبي الذي يؤديه الدين في السياسة, وموقف ميكافللي من الكنيسة والدين وانعكاسات ذلك على الدور التربوي والدعائي في إطار الحقل السياسي.
أخيراً الفصل الثالث : تحت عنوان مكانة ميكافللي وهو يتضمن العناوين التالية :
أولاً : أثر ميكافللي في الفكر السياسي الحديث والمعاصر : تطرقنا لأثر ميكافللي عند بعض الفلاسفة أمثال هوبز، روسو، لوك، هيغل، ماركس وبعض المفكرين السياسيين الآخرين.
ثانياً : النقد الموجه لميكافللي والرد عليه :عرضنا فيه النقد الموجه لميكافللي الذي انصب حول عدة نقاط تبدأ من النقد الأخلاقي لـه وإعلاءه من شأن القوة وجعله فكرة الحرب وسيلة للحكم.

اولاً: المدخل
أ‌- الإرثان اليوناني والروماني.
ب‌- مدخل تعريفي إلى نيقولا ميكافللي.
أولا: المدخل
آ- الإرثان اليوناني والروماني:
كان التسليم بقوانين الدولة في اليونان القديمة عاماً ومطلقاً, بصفتها جوهرية, وجامدة لا يمكن مناقشتها. ثم جاء السفسطائيون, ليكونوا أول من يثير نقاط الجدل حول علاقة الأخلاق بالسياسة في الفكر اليوناني القديم. وقد تجلى إسهامهم في المحاورة الشهيرة التي قدمها أفلاطون في كتابه الجمهورية بين ثراسيماخوس وسقراط, التي شكلت الصيغة الكلاسيكية للتناقض بين عالمي السياسة والأخلاق.
فقد قدم ثراسيماخوس تعريفاً جديداً للعدالة يختلف عما كان سائداً في الفكر اليوناني, لذا أعتُبر رأيه معارضاً لما هو متعارف عليه من أن: العدالة ليست العمل إلاّ بمقتضى الأقوى (1).
لقد رأى السفسطائيون أنه من السخف أن يعيش الإنسان عبداً لغيره, تطبيقاً لقوانين يمتلك حق وضعها من يمتلك القوة، وليس من يقدم العدالة. يقول محمد العربي في ذلك:
إن السفسطائيين عدُّوا أن القوانين الوضعية السائدة قد سنَّت لتحقيق أهداف واضعيها, ومن ثم يجب على الفرد العاقل أن يحاول تجنب العمل وفق القوانين الوضعية (2),فقد عبرت نظرية ثراسيماخوس عما هو كائن بالفعل آنذاك إذ كانت دولة اليونان تعزز التفرقة السائدة بين اليوناني والعبد وأباحت استرقاق غير اليونانيين.
وقد وصف ثراسيماخوس في حواره مع سقراط التناقض بين السياسة والأخلاق في دولة الإغريق القديمة المالكة للعبيد, وبيّن في حواره عقم ما يسميه العامة العدالة وغموضه في ظل العلاقات الاجتماعية السائدة (3).
وهنا واجه سقراط السفسطائيين، ونبّه إلى خطورة مثل هذا الرأي على استقرار الدولة لأنه قد يؤدي إلى فردية متطرفة, لاسيما إذا ما طبق في مجال الأخلاق، التي ستصبح في نظره متغيرة بتغير الزمان والمكان.
وهكذا أصبح التناقض واضحاً بين عالمي السياسة والأخلاق على يد السفسطائيين الذين يؤكدون على أن العدالة في الفكر السياسي اليوناني هي عدالة تابعة للسلطة العامة, والقوة هي الضامن الوحيد في مواجهة الفناء. وإذا صح ذلك, فسوف ينجم عنه اختلاف في القوانين الوضعية باختلاف واضعيها, واختلاف الدساتير المنبثقة عنها بالضرورة.
وفي مقابل هذه النسبية المتغيرة, جاء سقراط وتلميذه أفلاطون بفلسفة مثالية تقدم الوجه الآخر المعارض لفلسفة السفسطائيين؛ إذ يؤكد كل منهما على أن القيم الأخلاقية موجودة وجوداً ثابتاً لا يتغير, ومنها تنطلق كافة القوانين والأنظمة. هكذا يربط سقراط بين الأخلاق والسياسة ويوحد بينهما, مقدّساً القانون بصفته باعتباره هدفاً أسمى, ومحارباً الأخلاق النسبية المتغيرة.
وقد ميز سقراط بين القوانين غير المكتوبة الإلهية, وبين القوانين المكتوبة البشرية؛ وعاداً القوانين الإلهية, بأنها كلية وشاملة ومن صنع الآلهة، حيث نقشت في قلوب الناس. أما القوانين البشرية فهي صورة أو أنموذج من القوانين الإلهية غير المكتوبة, وهكذا يعيد سقراط للقوانين قدسيتها, تلك القدسية التي نال منها السفسطائيون(1).
لذلك,فإن سقراط يرى أن مصالح الأفراد لا بد من أن تتفق مع الصالح العام للمجموع, لأن الخير الفردي لا يمكن أن ينفصل عن الخير العام. ولذلك فإن قيمة الأخلاق والقوانين هي من أعلى القيم. وبذلك يهدم سقراط مبدأ المنفعة الشخصية والسيادة للأقوى(2)
ثم جاء أفلاطون ليكمل ما بدأه سقراط, فأكد بدوره على ارتباط الأخلاق والسياسة, وعلى ارتباط الإنسان الأخلاقي بالإنسان السياسي, معتبراً أن الدولة هي التي تمثل الخير الأعلى.
وهذا الخير متمثل بالعدالة سواء أكانت المدنية أم الفردية، ولذا يكفي الإنسان معرفته بالقيم الأخلاقية, لكي يسلك سلوكاً فاضلاً في نظام سياسي معين(3).
وهنا نلاحظ أن أفلاطون جمع بين الأخلاق الفردية والسياسة في كلمة العدالة التي إذا ما تحققت عند الفرد كونت منه فرداً صالحاً, وإذا ما تحققت في الدولة شكلت دولة فاضلة. وبذلك تظهر فكرة العدالة على أنها فضيلة خاصة وعامة، تهدف إلى تحقيق الخير الأعلى للدولة وللأعضاء على السواء.
لكن التساؤل المطروح هو: ماذا تعني كلمة عدالة عند أفلاطون؟ هل يقصد بها معنى قانونياً محدداً ؟
إن أفلاطون حين استخدم كلمة عدالة لم يقصد بها معنى قانونياً محدداً, بل أراد المحافظة على الأوضاع السائدة كما هي؛ كل على حسب انتمائه الطبقي, ووضعه الاجتماعي الذي منحته إياه الطبيعة, دون أن تطغى فئة على فئة أخرى. وهكذا تصبح العدالة فضيلة أكثر منها قانوناً.
ذلك أن المعنى الذي قصده أفلاطون كان معنى أخلاقياً لا سياسياً؛ أي إنها التزام بنظام الجماعة الذي يتوجب فيه على الأفراد المحافظة على استقرار الأوضاع القائمة كما هي باعتباره أمراً طبيعياً. وهـذا الوضع الطبيعي يعني بالضرورة صالح الدولة واستقرارها.
وبهذا يرى أفلاطون أن على كل فرد أن يكون لـه عمل على حسب قدرته الطبيعية. فالعدالة تتمثل في انصراف كل إنسان لشأنه, وعدم تدخله فيما لا يعنيه، فالوضع الطبيعي والمنطقي هو أن ينقسم أفراد المجتمع إلى طوائف، وطبقات، وكل طائفة تقوم بعملها(1).
إذن لا تعني العدالة عند أفلاطون سوى تحقيق تجانس الدولة في إطار الحفاظ على النظام الطبقي السائد.
ثم جاء أرسطو متبنياً آراء أستاذه أفلاطون, وكان لـه دوره في الدفاع عن العدالة المرتبطة باستقرار الأوضاع السائدة. وقد توافقت الغاية المثلى للسياسة عند أرسطو مع الغاية والمثل الأعلى لأفلاطون من حيث إيجاد هدف أخلاقي للدولة, وهـذا الهدف الأخلاقي مرتبط باستقرار الأوضاع السائدة.
وقد عدّ أرسطو الدولة فوق العائلة وفوق الأفراد؛ حين أكد على أهمية سيادة الدولة الدستورية التي تستمد مزاياها من المزايا الأخلاقية ويعبر جورج سباين عن ذلك بقوله:
إن الحكومة الدستورية عند أرسطو, هي التي تعمل على ربط الأخلاق بالسياسة, ويتفق أفلاطون مع أرسطو في تفضيله الدولة التي يسودها القانون(1).
غير أن أرسطو يرى أن الدولة الصالحة يجب أن تحكم وفق القانون. ولكن هذا لا يعني أن كل دولة تحكم وفق القانون هي دولة صالحة بالضرورة.
ففي الحديث عن الدولة الدستورية لديه, نجد أن الحكومات تضع دساتيراً وقوانيناً توافق طبيعتها, فصلاحية القانون أو عدم صلاحيته تعود إلى طبيعة الحكومات إن كانت صالحة أم سيئة؟ يقول أرسطو:
ما دامت الدولة نوعا من الاجتماع؛ أي اجتماع أناس خاضعة لدستور ما فإذا ما تغير هذا الدستور وتعدلت صورته ينتج ضرورة أن الدولة لا تبقى على ما هي(2)
وعلى الرغم من ذلك، فإن أرسطو يؤكد على أهمية سيادة الدولة القانونية.
هنا تبدو علاقة الأخلاق بالسياسة علاقة متغيرة ونسبية بحسب تغيير الحكومات السائدة، وهذه تقوم بوضع القوانين التي ربما تكون صالحة أو سيئة, تبعاً لسوء أو صلاح الحكومات. كما تبدو مسألة الربط بين الأخلاق والسياسة مسألة جديرة بالاهتمام والملاحظة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ رأى أرسطو أيضاً أن الدولة تضم سادة وعبيداً, وتعتبر العبيد من المتاع الذي يملكه السادة, فأرسطو يبيح نظام الرق، ومبرره في ذلك أن الطبيعة لم تساوِ بين البشر(3).
ونخلص إلى القول : بأنه رغم ارتباط الفكر السياسي اليوناني الوثيق بالأخلاق, نلاحظ أن هذا الارتباط جاء لصالح الدولة لا الشعب, وخاصة الأرقاء منهم بسبب تكريس أفلاطون وتلميذه أرسطو لنظام العبودية, مما يؤدي إلى تعزيز التفاوت الطبقي وإلغاء المساواة والحرية، فالعدالة اليونانية هي عدالة تابعة للسلطة السياسية.
وبذلك نصل إلى نقطة الخلاف التي أثارها ثراسيماخوس في أثناء حواره مع سقراط باعتبار العدالة قيمة أخلاقية تختلف عن عدالة النظام السياسي, وهنا يظهر بوضوح التناقض بين عالم السياسة وعالم الأخلاق.
وإذا ما انتقلنا إلى ما قدمه المفكرون الرومان في مجال الفكر السياسي, فإننا نلاحظ مدى تأثر الفكر السياسي الروماني بالفكر السياسي اليوناني، لأن مفكري السياسة الرومان, لم يرتقوا إلى مكانة فلاسفة اليونان السياسية.
لقد أعطى الرومان أولوية كبرى إلى العمل السياسي المرتبط بالنجاح والإنجاز المادي, والذي أسهم في تحقيق عظمة روما، يقول صاحب النظم السياسية :
أقامت روما نفسها وصية بالقوة على الإنسانية, واستخدمت الوسائل المستحسنة والمستهجنة لإدراك غايتها, وبذلك نجح الرومان على عكس اليونان- بالرغم من أصالة حضارتهم وعلو شأنهم - في مجال الفكر السياسي (1).
و مع ذلك, فقد ظهر العديد من المفكرين السياسيين في روما, على رأسهم بوليبيوس, وشيشرون. وكان بوليبيوس كاتباً سياسياً, ورجل حرب, ومؤرخاً يؤكد على أن أحداث التاريخ هي المعلم الأول للسياسة. فقد بهرته عظمة الإمبراطورية الرومانية, وعظمة دستورها الذي حقق لها النجاح الساحق, معتبراً أنه من أفضل الدساتير، وأوفاها بالغرض المطلوب، قد أكدّ على أن نجاح الدولة مرتبط بنظامها.
وجاء على لسان بوليبيوس قوله : كانت الأشكال الثلاثة للحكم ممزوجة فيه بإنصاف، حيث كان كل شخص, حتى من بين الرومانيين, لم يكن يستطيع القول هل الدستور أرستقراطي أم ديمقراطي أم ملكي(2)
واستعان بوليبيوس بالتاريخ, وهاجم جمهورية أفلاطون المثالية مؤكداً أن الواقع التاريخي هو المحرك الأساسي, جاعلاً من السياسة ضرباً من التجريب القائم على قاعدة النجاح والظفر.(3)
فيكون النجاح هو قاعدة السياسة الرئيسية, بينما يختفي علم الأخلاق منها, وبذلك يقصي بوليبيوس اتصال الأخلاق بالسياسة.
وتأثر شيشرون تأثراً كبيراً ببوليبيوس حين شاركه إعجابه بدستور روما, وأشاد بالنظام الذي اتبعته روما لتصل إلى ذروة المجد.
وأكد شيشرون أن مساهمة روما في الحقل السياسي كان منصباً على القانون وعلى الناحية التنفيذية. ولقد تكيف القانون الروماني مع المتغيرات والتوسعات التي حدثت في روما تدريجياً حتى أصبحت إمبراطورية مترامية الأطراف (1).
لقد آمن شيشرون بالقانون وبدوره الأساسي, غير أنه اعتبر القانون الصحيح هو القانون الذي ينطبق ويتوافق مع العقل. وبما أن مصدره العقل الإنساني, فهو لا يمكن أن يحمل أي تناقض. وهو قانون يفرض نفسه بصورة دائمة (2).
إن ما قدمه كل من بوليبيوس, وشيشرون, وغيرهما, ساهم في إغناء الفكر السياسي بشكل عام, والروماني بشكل خاص. لأن الفكر السياسي الروماني أسهم بوضع اللبنات الأساسية للفكر السياسي المبني على أسس تجريبية, والذي لن تكون له قاعدة سوى النجاح والظفر, عندما جعل اهتمام الفكر السياسي منصباً على الناحية التنفيذية المرتبطة بالواقع, والمتكيفة مع التغييرات الطارئة.
وبقي علم السياسة مرتبطاً بالأخلاق عبر عصور الأديان المسيحية منها والإسلامية, وقد برز من فلاسفة المسيحية: توما الاكويني الذي ضمنت فلسفته السياسية أن السلطة السياسية هي صورة للقانون الخالد الصادر عن الله.
أما أبرز فلاسفة العرب فكان ابن خلدون الذي وجد أن أحد العوامل الأساسية لقيام الدولة هي العصبية القبلية. فالبدو هم الأصل في كل أمة، وهم أقرب للخير، والشجاعة، والإقدام، والبسالة، من أهل الحضر .
وغاية العصبية القبلية هي المُلك، ومن علامات المُلك التنافس في الخلال الحميدة التي تناسب السياسة والمُلك. والإنسان من حيث هو إنسان أقرب للخير، ولذلك استحق المُلك والسياسة ، لأن الخير هو المناسب للسياسة وغايتها القصوى .
وبما أن أصل المجد ومنبته في العصبية القبلية وفرع يتممه هو الخلال الحميدة. فمن اكتسب خلال الخير المناسبة كالصبر، والوفاء بالعهد، وتعظيم الشريعة وحسن الظن، وإجلال أهل الدين وإنصاف المستضعفين، وإحقاق العدل، وحفظ العهد، والبعد عن المكر والخديعة …. الخ التي تشكل خلق السياسة عند ابن خلدون استحق المُلك .
ولكن العرب لا يحصل لهم المُلك إلا بوجود عقيدة دينية ، ذلك إن خلق التوحش، والخشونة، والمنافسة، والكبر، جعلت منهم أصعب الأمم انقياداً واتباعاً.
فالمُلك يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية القبلية، ولكن توحيدهم وتأليف قلوبهم لا يكون إلا بمعونة من الله، فكان الدين الوازع لهم من أنفسهم ليسهل انقيادهم ويذهب خلق الكبر والمنافسة.
فالدعوة الدينية إذن تزيد بدورها من قوة العصبية، ولكن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم كأساس المُلك، فالعمران البشري لابد لـه من سياسة ينتظم بها أمره، وهي على شكلين :
الأول : ما يسير على سياسة عقلية.
والثاني : ما يكون محكوماً بسياسة دينية وهي أفضل من الأولى.
فالدولة عند ابن خلدون جزء لا يتجزأ من النظام الإلهي، والهدف الجوهري لوجودها حفظ أمن المجتمع ليتمكن الناس من العيش والإنتاج. والسياسة والمُلك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتطبيق أحكامه وشرائعه وإحقاق العدل الذي جعل الله له قيّماً المُلك.
أما علامات عوائق المُلك: فهي حصول الترف، وانغماس القبيل في النغم، والمذلة، والانقياد، التي يكون بها ذهاب العصبية. فاتجاه الدولة نحو التحضر والميل إلى الترف، والانكباب على الشهوات، وازدياد الشجع والطمع، والظلم، كل هذا مؤذن بخراب العمران. فالحضارة هي نهاية العمران البشري وخروجه إلى الفساد، لأن الترف والوداعة مفسدة للخلق وبها ذهاب البداوة التي يكون بها المُلك( ) .
وأخيراً فإننا نلحظ الربط الواضح بين الأخلاق والسياسة عند ابن خلدون حيث انه ربط وجود الدولة بشرط أساسي وهو العصبية القبلية كأساس لقيامها لأن أهلها أقرب إلى الخلال الكريمة، والمُلك هو غاية لها. وبه يكون الخير وهو تحقيق للنظام الإلهي في العالم الذي يكفل للناس سلامة العوائد والخلق، والعدل الذي يقوم به العمران البشري .
هكذا أسهم الفلاسفة السياسيون في وضع البنى الأساسية لعلم السياسة. وإذا كان هذا العلم في العصور القديمة يبدأ مع أرسطو، فإن دراسة هذا العلم في العصور الحديثة تبدأ مع ميكافللي( )
من هنا كان لابد لنا من التعريف بميكافللي كأحد المفكرين السياسيين المهمين في العصور الحدي


المزيد


إمبراطورية العولمة الجديدة(الجزء السادس)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

تحـولات الإنتـاج

حدود النظام الإمبريالي

 

على امتداد الجزء الأكبر من القرن العشرين ، بقي انتقاد النظام الإمبريالي أحد أكثر ميادين النظرية الماركسية ، من المؤكد أن العديد من تلك الأطروحات باتت اليوم بالية ، وأن الوضع الذي أشارت إليه قد تغير كليا ، غير أن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع أن نتعلم شيئا منها .

فمن شأن هذه الانتقادات الموجهة إلى النظام الإمبريالي ، أن تساعدنا على فهم آلية العبور من الإمبريالية إلى الإمبراطورية لأنها من نواح معينة كانت تتنبأ بهذا العبور .

لعل أحد الآراء المركزية لتراث الفكر الماركسي حول الإمبريالية هو أن هناك علاقة جوهرية بين الرأسمالية والتوسع ، وأن التوسع الرأسمالي محكوم حتميا باتخاذ الشكل السياسي للإمبريالية .

إن رأس المال بحسب ماركس لا يعمل باستمرار ، إلا من خلال نوع من إعادة رسم الحدود لكل من الداخل والخارج ، لا يؤدي رأس المال وظيفته داخل حدود إقليم محدد وكتلة بشرية معينة ، بل ينزع دائما إلى الفيض فوق تخومه وصولا إلى احتضان فضاءات جديدة  .

يحلل ماركس حاجة رأس المال الثابتة إلى التوسع ، عبر التركيز أولا على عملية التحقق ، وبالتالي على العلاقة الكمية غير المتكافئة بين العامل كمنتج للسلع والعامل كمستهلك لها* ، ومسألة التحقق عي أحد العوامل التي تدفع رأس المال إلى ما وراء حدوده وتؤسس للنزوع نحو السوق العالمية ، ولكي نفهم المشكلة ، علينا أن ننطلق من الاستغلال ، يقول ماركس في كتاب الأسس بداية يقوم رأس المال بإجبار العمال على العمل الفائض إضافة إلى العمل الضروري ، فهو لا يحقق ذاته ، ولا يخلق قيمة زائدة إلا بهذه الطريقة  ، لا بد لأجرة العامل المقابلة للعمل الضروري من أن تكون أقل من القيمة الإجمالية المنتجة من قبل العامل ، غير أن على هذه القيمة الزائدة أن تجد لنفسها سوقا مناسبة ليتم تحققها ، وبما أن كل عامل ملزم بإنتاج قيمة أكبر مما يستهلكه ، فإن طلب العامل كمستهلك لا يمكنه قط أن يشكل طلبا موازيا ومتناسبا مع القيمة الزائدة ، وبالتالي فإن عملية الإنتاج والتبادل الرأسماليين تتحدد في أي نظام مغلق بسلسلة من الحواجز يقوم رأس المال إذن بوضع زمن العمل الضروري عقبة على طريق تبادل قدرة العمل الحي ، زمن العمل الفائض عقبة على طريق زمن العمل الضروري ، والقيمة الزائدة عقبة على طريق زمن العمل الفائض ، وجملة هذه العقبات تتدفق م عقبة وحيدة تحددها العلاقة

 

*  يؤدي الرأي التالي إلى إثارة شبح نظريات العجز الاستهلاكي ، التي تقول بأن عدم القدرة على استهلاك جميع السلع المنتجة هو الخلل القاتل الذي تعاني منه الرأسمالية وسوف يقود إلى الانهيار .

ثمة عدد كبير من الاقتصاديين الماركسيين وغير الماركسيين الذين دحضوا بصورة مقنعة ، كل فكرة تؤكد النزعة الرأسمالية القائمة على المبالغة في زيادة الإنتاج أو المبالغة في تقليص الاستهلاك كارثية .

لا بد هنا من الإشارة إلى أن الضرورة الاقتصادية المستندة إلى الحسابات الكمية هي الشكل أحيانا ، ولكنها ليست المحتوى المتضمن في آراء ماركس أو لوكسمبورغ .

فأية ضرورة هي تاريخية واجتماعية في الحقيقة ، وما اعتبره ماركس ولوكسمبورغ حاجزا اقتصاديا يساعد على توضيح كيفية دفع رأس المال ، تاريخيا ، نحو التوسع أو إغرائه بمثل هذا التوسع ، أي دفعه إلى خارج ذاته ونحو إدخال أسواق جديدة في دائرته .

 

غير المتكافئة بين العامل كمنتج والعمل كمستهلك .

لا شك أن الطبقة الرأسمالية سوف تستهلك جزءا من هذه القيمة الفائضة ، غير أنها لن تقدر على استهلاكها كلها ، لأنها لو فعلت فسوف لن تبقى أية قيمة زائدة من أجل إعادة التوظيف والاستثمار .

لا بد للعمال من أن ينتجوا قيمة أكبر مما يستهلكونها ليتم تحقيق أي قدر من الربح ، ومن جهة أخرى يتعين على الطبقة الرأسمالية ألا تكون قادرة على استهلاك تلك القيمة الزائدة كلها ، لأنه عندها لن يتحقق أي تراكم .

يشير ماركس أيضا إلى أن هذا العائق يتعزز باستمرار مع صيرورة العمل أثر إنتاجية ، فمع تزايد الإنتاجية والتصاعد اللاحق لتركيبة رأس المال ، يشكل رأس المال المتحول ( أي الأجر المدفوع للعمال ) جزءا متناقضا باطراد مع القيمة الإجمالية للبضائع .

وهذا يعني أن قدرة العمال على الاستهلاك تتناقص باستمرار مقارنة مع حجم السلع المنتجة ، كلما زادت الإنتاجية تطورا ، زاد مستوى تصادمها مع القاعدة الضيقة التي تستند إليها علاقات الاستهلاك ، وبالتالي فإن تحقق رأس المال تتم إعاقته جراء مشكلة القاعدة المطبقة للقدرة على الاستهلاك .

في سبيل تحقيق القيمة الزائدة المتولدة من عملية الإنتاج ، وتجنب تدهور القيمة الناجم عن فرط الإنتاج ، يتعين على رأس المال كما يقول ماركس ، أن يوسع دائرته .

يمكن التوصل إلى توسيع دائرة التداول عن طريق تكثيف الأسواق الموجودة في الدائرة الرأسمالية بحاجات ومتطلبات جديدة  ، غير أن كمية الأجرة المتوافرة للعمال للأنفاق وحاجة الرأسماليين إلى المراكمة ، تضعان عقبة كأداء أمام عملية

التوسع هذه .

يمكن كبديل إيجاد مستهلكين إضافيين ، عبر تجنيد كتل سكانية جديدة وإلحاقها بدائرة العلاقة الرأسمالية ، غير أن مثل هذه الإجراء يبقى عاجزا عن تحقيق الاستقرار في العلاقة المختلة ، وغير المتكافئة أساسا بين العرض والطلب .

على النقيض من ذلك سيظل البرلوليتاريون الجدد أنفسهم على الدوام سوقا غير مناسبة للقيمة التي ينتجونها ، وبالتالي فإنهم لن يقوموا سوى بإعادة إنتاج المشكلة على نطاق أوسع .

لعل الحل الفعال الوحيد هو أن يبادر رأس المال إلى النظر إلى خارجه واكتشاف أسواق غير رأسمالية ليتبادل معها السلع  ،  ويحقق قيمته .

قامت روز لوكسمبورغ بتطوير تحليل ماركس لمشكلة التحقيق ، غير أنها عمدت إلى تعديل اتجاه ذلك التحليل ، حيث تقول إن مستهلكين خارجيين بوصفهم خارج النطاق الرأسمالي يكونون أساسيين حقا حتى يتمكن رأس المال من تحقيق قيمته الزائدة على تبعية رأس المال لخارجه ، واعتماده على هذا الخارج ، فالنظام الرأسمالي هو النمط الاقتصادي الأول غير القادر على الوجود بذاته .

يتوسع رأس المال ليس فقط لتلبية متطلبات التحقق والاهتداء إلى أسواق جديدة ، بل ولإشباع حاجات اللحظة التالية من دورة التراكم ، أي من عملية الرسملة ، فبعد تحقق القيمة الزائدة على شكل نقد ، لا بد لتلك القيمة الزائدة المحققة من أن تتم إعادة توظيفها في الإنتاج ، أي إرجاعها إلى رأسمال ، وعملية رسملة القيمة الزائدة تتطلب أن يعمد الرأسمالي إلى تأمين وفرة من الرساميل الثابتة الإضافية ( المواد الخام ، الآلات …. )  ، والرساميل المتحولة ( قوة العمل ) مما يجعل الأمر متطلبا لقدر أكبر من توسيع السوق للوصول إلى مزيد من التحقق .

يؤدي البحث عن رساميل ثابتة إضافية ( مواد خاصة ) إلى دفع رأس المال نحو نوع من النظام الإمبريالي الموصوف بالنهب واللصوصية  .

وفي أثناء حيازتها للمزيد من وسائل الإنتاج الإضافية ، يبقى رأس المال معتمدا على وذا علاقة بالبيئة ما قبل الرأسمالية ، ولكنه لا يحتضن تلك البيئة ، فالخارج يبقى خارجا ، يمكن استخراج الذهب والماس من كثير من الدول ، مع الإبقاء على تلك المجتمعات وذلك الإنتاج في ظل علاقات رأسمالية .

أما حيازة رأس مال متحول إضافي ، إشراك قوة عمل جديدة ، وخلق فئات بروليتارية ، فتنطوي بالمقابل على نزعة إمبريالية رأسمالية .

من شأن تمديد يوم عمل العمال الموجودين في العالم الرأسمالي أن يؤدي إلى استيلاد قوة عمل إضافية ، أما بالنسبة لباقي هذه القوة العاملة الجديدة ، فيتعين على رأس المال أن يستمر في إضافة وإشراك بروليتاريين جدد نم الجماعات والبلدان غير الرأسمالية .

فعملية البلترة التدريجية للبيئة اللارأسمالية ، هي عملية إعادة فتح مستمرة لعمليات التراكم الأولي ، وبالتالي لرسملة البيئة اللارأسمالية .

يقول ماركس وإنجلز إن البرجوازية تجبر جميع الأمم تحت التهديد بالانقراض ، على تبني نمط الإنتاج البرجوازي ، باختصار تقوم بخلق العالم على صورتها الخاصة .

علينا هنا أن نلاحظ أن رأس المال الأوروبي لا يقوم فعلا بإعادة صياغة الأقاليم اللارأسمالية على صورته هو ، كما لو أن الكل متجانسا ، إن كل قطاع من قطاعات البيئة اللارأسمالية يتم تحويله بطريقة مختلفة ، ثم يجري إدماج جميع القطاعات عضويا بالجسد المتعاظم لرأس المال ، بعبارة أخرى يتم احتضان الخارج وتمثله لا بموجب نموذج التشابه ، بل بوصفها أعضاء متباينة تعمل معا في جسد متماسك واحد .

يمكننا عند هذا المنعطف ، أن نضع أيدينا على التناقض الأساسي للتوسع الرأسمالي : إن تعويل رأس المال على خارجه على البيئة اللارأسمالية التي تلبي حاجة تحقيق القيمة الزائدة ، يتناقض مع احتضان البيئة اللارأسمالية ، وتمثلها بما يلبي الحاجة إلى رسملة تلك القيمة المحققة ، تاريخيا ، كانت هاتان العمليتان متعاقبتين .

كانت بقعة الأرض مع ما عليها من كتلة سكانية تصبح قابلة للوصول كخارج لصالح التبادل والتحقيق ، ومن ثم يتم لاحقا إدخالها في ملكوت الإنتاج الرأسمالي الكامل .

غير أن النقطة المهمة تكمن في أن أي قطاع لا يلبث أن يتوقف عن أن يكون الخارج الضروري لتحقيق قيمة رأس المال الزائدة ، لحظة تمدينه ، بهذا المعنى نجد أن الرسملة تضع عقبة في طريق التحقق ، والعكس بالعكس ، أو أن احتضان الخارج يتناقض مع التعويل عليه ، بعبارة أخرى لا بد لرأس المال من أن يسعى دائما إلى اقتحام حدود جديدة .

من المنطقي أن نفترض أن زمنا سيأتي ، تصل فيه لحظتا دورة التراكم والتحقق والرسملة إلى التصادم المباشر، وصولا إلى قيام كل منهما بنسف الآخر ، ففي القرن التاسع عشر كان ميدان التوسع الرأسمالي يبدو ممتدا بلا حدود ، وفي زمن ماركس لم يكن الإنتاج الرأسمالي يشكل سوى جزء صغير جدا من الإنتاج العالمي ، وع ذلك فإن لوكسمبورغ تقول بأن التضارب المنطقي محكوم بان يصبح آخر المطاف تناقضا حقيقيا ، نظرا لأن الكرة الأرضية محدودة تقول لوكسمبورغ كلما كانت الإمبريالية أشد قسوة ، وأقل رحمة في عملية وضع حد لوجود الحضارات ما قبل الرأسمالية ، كانت أسرع في نسف القاعدة التي يستند إليها التراكم الرأسمالي .

وعلى الرغم من أن الإمبريالية هي المنهج التاريخي لإطالة أمد النظام الرأسمالي ، فإنها تشكل في الوقت ذاته الوسيلة المضمونة لإيصال هذا النظام إلى نهاية سريعة .

صيغ كتاب لينين عن الإمبريالية في المقام الأول تركيبا لتحليلات مؤلفين آخرين ، غير أن نص لينين يدلي هو الآخر بدلوه الخاص .

كثيرا ما يقدم لينين على تقديم آراءه عن طريق الجدل ، فتحليله للإمبريالية متمفصل مع تحدي أطروحات كل من هيلفردينغ وكاوتسكي ، لعل الأهم هو أن لينين تبنى أطروحات هيلفردينغ الأساسية التي تقول بأن توسع رأس المال عبر الإنشاء الإمبريالي للسوق العالمية، يفضي إلى بروز عقبات متعاظمة باطراد على طريق موازنة معدلات الربح بين فروع الإنتاج وقطاعاته المختلفة ، في حين يكون التطور الرأسمالي السلمي معتمدا على حد أدنى من النزوع نحو شروط اقتصادية متكافئة : نحو أسعار متساوية للسلع المتماثلة ، أرباح متكافئة للرساميل المتساوية ، أجور متساوية واستغلال متكافئ .

لقد أقر هيلفردينغ أن الإمبريالية التي تقيم دول التطور الرأسمالي وأوطانه بطريقة متزايدة الصرامة ، وتضع السلطة بأيدي الاحتكارات القومية الوطنية تعرقل تشكل أي معدل متساو للربح ، وتفضي بالتالي إلى نسف إمكانية حدوث أي توسط رأسمالي ناجح لعملية التنمية الدولية .

تبنى لينين باختصار فرضية هيلفردينغ التي تقول بأن رأس المال كان قد دخل مرحلة جديدة من مراحل التطور الدولي متسمة بالاحتكار ، وبأن ذلك ما لبث أن تمخض عن زيادة في التناقضات من ناحية ، وأزمة تسوية من ناحية أخرى .

كان لينين يعتبر موقف كاوتسكي الذي انطلق هو الآخر من عمل هيلفردينغ أكثر طوباوية وتدميرا ، فقد رأى كاوتسكي عمليا أن النظام الرأسمالي قادر على تحقيق توحيد سياسي واقتصادي حقيق للسوق العالمية ، أما صراعات الإمبريالية فيمكن أن تعقبها فترة سلمية جديدة من الرأسمالية فترة فوق إمبريالية ( إمبريالية مفرطة ) ، يستطيع أقطاب رأس المال التوحد في تروست عالمي واحد ، يعكف على استبدال التنافس بين رساميل مالية ذات مرتكزات قومية ، برأس مال مالي موحد دوليا .

كان لينين متفقا مع كاوتسكي في أطروحته الأساسية القائمة على القول بأن التوجه في التطور الرأسمالي يتجه نحو التعاون الدولي ، وربما نحو إقامة تروست موحد ، لكنه أعترض على توظيف هذه الرؤيا السلمية للمستقبل لدحض آليات الواقع الحالي ، وبالتالي فإن لينين أصر على شجب رغبته الرجعية المفرطة وطمس تناقضات الوضع الراهن ، فبدلا من انتظار مجئ إمبريالية مفرطة سلمية في المستقبل ، لابد للثوريين من أن يبادروا إلى التحرك الآن لتشغيل جملة التناقضات التي يطرحها التنظيم الإمبريالي الحالي لرأس المال .

وهكذا فإننا نرى أن لينين رغم تبنيه العام لأطروحات هذين المؤلفين ، كان رافضا لمواقفهما السياسية ، فمع أنه اتفق مع تحليل هليفردينغ للنزوع نحو سوق عالمية خاضعة لسيطرة الاحتكارات ، رفض أن يكون مثل هذا النظام قد بات فاعلا بما يمكنه من التوسط ، وتسوية مسألة معدل الربح ، لقد كان رفضه للأمر سياسيا أكثر منه نظريا ، فقد كان لينين يرى أن التطور الرأسمالي في طور الاحتكار ، مرشح لأن يبقى مبتلى بسلسلة من التناقضات التي يتعين على الشيوعيين أن يحرصوا على استغلالها وتوظيفها .

من المؤكد أن المحاولة التي بذلها لينين هنا للتوفيق بين الأطروحات التحليلية والمواقف السياسية ، كانت بالغة الصعوبة ، وع ذلك فإن محاكمته كانت ناجحة جدا من وجهة النظر الذاتية ، وكما قال إيليا بابل إن فكر لينين كان يواكب الانعطاف العجيب للخط المستقيم الموصول لتحليل واقع الطبقة العاملة إلى ضرورة تنظيمها السياسي .

قام لينين بالتقاط عنصر تحديد الإمبريالية الذي لم يحن وقته بعد مهتديا في ممارسات الطبقة العاملة الذاتية ، ليس فقط إلى العقبات المحتملة التي تعترض الحل الخطي لأزمات التحقق الرأسمالي ، بل وإلى الإمكانية القائمة المتمثلة بأن تستطيع هذه الممارسات – النضالات – التمردات – الثورات أن تدمر الإمبريالية نفسها أيضا ، وبهذا المعنى قام لينين بنقل نقد الإمبريالية من النظرية إلى الممارسة .

لعل أحد أبرز مناحي تحليل لينين ، هي ناحية انتقاده للإمبريالية كمفهوم سياسي ، حرص لينين على جمع إشكالية السيادة الحديثة مع إشكالية التطور الرأسمالي تحت عدسة انتقاد واحد ، وتمكن عبر نسج خيوط الانتقاد المختلفة معا ، من أن يتجاوز الحداثة بنظرته ، بعبارة أخرى استطاع لينين عبر قيامه ب

المزيد


امبراطورية العولمة الجديدة (الجزء الخامس)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

مايكل هاردت وانطونيو نيغري

 

السيادة الإمبراطورية

 

ثمة تراث عريق لنقد حديث جرى تكريسه لشجب ثنائيات الحداثة ، إلا أن وجهة نظر ذلك التقليد النقدي متموضعة في الموقع النموذجي للحداثة نفسها عند عتبة الأزمة ، غير أن ما تغير لدى العبور إلى العالم الإمبراطوري هو أن هذا الموقع الحدودي لم يعد موجودا ، وبالتالي فإن الإستراتيجية النقدية الحديثة تميل إلى الإقلاع عن أن تكون فعالة .

انظروا إلى جملة الأجوبة الواردة في تاريخ الفلسفة الأوروبية الحديثة من كانط إلى فوكو عن سؤال ما التنوير ؟ يقدم كانط الوصف الحداثي الكلاسيكي لرسالة التنوير حين يقول كن جريئا في اكتساب المعرفة … وهلل أمام الجمهور على استخدام العقل ووضعه في قلب العملية الاجتماعية ، ولا تكون صيغة فوكو شديدة الاختلاف ، ففوكو لم يكن يتعامل مع استبداد فردريك الثاني الذي كان كانط يريد توجيهه نحو مواقف سياسية أكثر عقلانية ، بل بالأحرى مع النظام السياسي للجمهورية الفرنسية الخامسة ، حيث كان مجال عام واسع للتبادل السياسي يعتبر من المسلمات ، ومع ذلك فإن رده يصر مرة أخرى على ضرورة جسر الحاشية التي تربط ما يمكن تقليديا اعتباره داخل الذاتية بخارج المجال العام ، وإن كان التقسيم في الصياغة الفوكية معكوسا بما يفضي إلى فصل داخل النظام عن خارج الذاتية .

ثم يأتي فوكو ويضيف مستوى آخر من المساءلة سعيا إلى تجاوز هذه الحدود والتصور الحديث للمجال العام ، قائلا ” ما نحن بصدده هو التالي : ما السبيل إلى فك الارتباط بين نمو القدرات أو القابليات وتكثيف علاقات القوة والسلطة ؟ ومثل هذه المهمة الجديدة تتطلب أساليب جديدة : علينا أن نتجاوز خيار الخارج    الداخل ” ، غير أن رد فوكو يبقى تقليديا إلى حد كبير ” يجب أن نكون على التخوم ” ، لا يلبث نقد فوكو الفلسفي للتنوير أن يعود آخر المطاف إلى وجهة النظر التنويرية نفسها ، ففي هذا المد والجزر بين داخل من ناحية ، وخارج من ناحية أخرى ، لا يقوم نقد الحداثة آخر الأمر بتجاوز شروطها وحدودها ، بل يبقى بالأحرى متوازنا على حدودها .

وفكرة موقع الحد أو التخم هذه بالذات التي تشكل منطلق نقد السلطة – وهو موقع داخل وخارج في وقت واحد – تنفخ الروح أيضا في التراث النقدي للنظرية السياسية الحديثة ، فالنظام الجمهوري الحديث طالما كان متميزا بنوع من الجمع بين أسس واقعية من ناحية ، ومبادرات طوباوية من ناحية ثانية ، والمشروعات الجمهورية تبقى على الدوام ثابتة الجذور في العملية التاريخية السائدة ، إلا أنها تسعى إلى تمكين ملكوت السياسة من خلق خارج معين ، فضاء جديد للتحرر .

لعل أبرز ممثلي هذا التراث النقدي للنظرية السياسية الحديثة هم مكيافيلي وسبينوزا وماركس ، ففكرهم يبقى على الدوام متجذرا في عمق الصيرورات الحقيقية لتأسيس السيادة الحديثة ، ساعيا إلى تمكين تناقضاتها من التفجر ، وفتح المجال أمام مجتمع بديل يتم بناء الخارج من الداخل .

بالنسبة لمكيافيلي ، تخرج القوة المؤسسة المرشحة لإقامة سياسة ديمقراطية من رحم تفجر النظام القروسطي ، ومن ضرورة تنظيم تحولات الحداثة الفوضوية ، ليس المبدأ الديمقراطي الجديد إلا مبادرة طوباوية تتجاوب مباشرة مع العملية التاريخية الواقعية ، كما مع متطلبات الأزمة التاريخية ، ففي مواجهة القوى الملكية والأرستقراطية ، يبادر سبينوزا إلى تعريف الديمقراطية على أنها الصيغة المطلقة للحكم ، لأن المجتمع كله الجمهور ، يحكم في ظل الديمقراطية التي هي في الحقيقة صيغة الحكم الوحيدة التي توفر إمكانية تحقق المطلق ، أما بالنسبة لماركس فإن كل مبادرة تحريرية من معارك النضال في سبيل رفع الأجور إلى الثورات السياسية ، تطرح مسألة استقلال القيمة الاستعمالية وتحررها من عالم القيمة التبادلية ، من مستلزمات التنمية الرأسمالية للمشروع ، ففي تشكيلة مكيافيلي التأسيسية لجمهورية جديدة ، كما في تحرير الجمهور الديمقراطي لدى سبينوزا ، ومبادرة ماركس الثورية إلى إلغاء الدولة ، تستمر حياة الداخل بطريقة غامضة ، ولكنها حاسمة إلى حد كبير في الخارج الذي يتم عرضه كحلم طوباوي .

 في جملة من الخطابات الحداثية المختلفة ، يجري تقديم الميدانيين اللذين يعتبران داخلا وخارجا مع العلاقة بينهما بصورة متباينة ، غير أن التشكيل المكاني للداخل والخارج بالذات ، يبدو ميزة عامة ، وقاعدية للفكر الحديث ، ففي عملية العبور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة ، ومن الإمبريالية إلى الإمبراطورية ثمة تمايز أقل باطراد بين الداخل والخارج .

يكون هذا التحول واضحا لدى النظر إليه من منطلق فكرة السيادة ، لقد ظلت السيادة الحديثة مفهومة على أساس الأرض ، وعلاقة تلك الأرض مع خارجها، كان الأوائل من منظري الحداثة الاجتماعيين من هوبز إلى روسو يفهمون النظام المدني الأهلي بوصفه فضاء محدودا داخليا متعارضا أو متقابلا مع النظام الخارجي للطبيعة .

فالفضاء المحدود للن

المزيد


امبراطورية العولمة الجديدة (الجزء الرابع)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

مايكل هاردت وانطونيو نيغري

ديالكتيك السيادة الكولونيالية

 

كانت منذ البداية لأزمة الحداثة علاقة وثيقة وحميمة بالإخضاع العنصري للنظام الكولونيالي ، ففي حين تعكف الدولة القومية مع بناها الإيديولوجية المرافقة من داخلها على العمال دون كلل لخلق وإنتاج نقاوة الشعب ، ثمة خارج الدولة القومية آلة تنتج آخرين ، تخلق اختلافات عرقية ، وتقيم حدودا تعين موضوع السيادة الحديث وتدعمه ، غير أن هذه الحدود ليست منيعة ، بل بالأحرى تساعد على تنظيم تدفقات ذات اتجاهين بين أوروبا وخارجها .

فالمشرقي والإفريقي والأمريكي ليسوا جميعا إلا عناصر مكونة ضرورية لتشكيل الأساس السلبي للهوية الأوروبية والسيادة الحديثة بالذات .

ليس الصراع العنصري المتأصل في عمق الحداثة الأوروبية إلا عرضا آخر من أعراض الأزمة الدائمة التي تميز السيادة الحديثة ، حيث تكون المستعمرة في تعارض ديالكتيكي مع الحداثة الأوروبية ، بوصفها نسختها الثانية الضرورية وخصمها الذي يتعذر قمعه ، أما السيادة الكولونيالية الاستعمارية فليست إلا محاولة أخرى غير كافية لحل أزمة الحداثة .

تشكل الكولونيالية وعملية الإخضاع العنصري حلا مؤقتا لأزمة الحداثة الأوروبية ، ليس على الصعيدين السياسي والاقتصادي  فحسب ، بل على مستويات الهوية والثقافة ، فالكولونيالية تبادر إلى بناء رموز آخرية ، وتؤمن تدفقها فيما يتكشف كبنية ديالكتيكية معقدة ، فعملية البناء السلبية لآخرين لا أوروبيين هي التي تقوم آخر المطاف بتأسيس الهوية الأوروبية وإدامتها .

تعمل الهوية الكولونيالية قبل كل شئ ، عن طريق منطق ثنوي ( مانوي ) قائم على الإقصاء أو الاستبعاد ، يجري إقصاء المستعمرين بفتح الميم عن الفضاءات الأوروبية ليس فقط على الأصعدة المادية والإقليمية ، وليس فقط من حيث الحقوق والامتيازات ، بل وحتى على مستوى الفكر والقيم .

يجري بناء الذات المستعمرة بفتح الميم في خيال المركز بوصفها آخر وبالتالي فإن المستعمر يجري إبعاده قدر الإمكان عن الأسس المحددة للقيم الأوروبية المتحضرة ، يشكل الاختلاف العنصري نوعا من أنواع الثقب الأسود القادر على تجسيد جميع أشكال القدرة على ممارسة الشر والبربرية والشبق الجنسي السائب …..إلخ  ، وبالتالي فإن الذات المستعمرة بفتح الميم تبدو أولا غامضة وملفوفة بألغاز كونها تعبيرا عن آخر مغاير ، وهذا الأسلوب الكولونيالي في بناء الهويات يستند بقوة إلى ثبات الحد الفاصل بين المتروبول والمستعمرة  .

                                                    

أعراض التحول والعبور 

 

تشكل ظواهر زوال الكولونيالية وتراجع نفوذ الأمة – الدولة مؤشرات دالة على حدوث انتقال عام من نموذج السيادة الحديثة إلى نموذج السيادة الإمبراطورية ، فمختلف نظريات ما بعد الحداثة ، وما بعد الكولونيالية التي ظهرت منذ عقد الثمانينات تعطينا صورة أولى عن هذا العبور ، غير أن المنظور الذي تقدمه لا يلبث أن يثبت أنه محدود تماما .

وكما ينبغي لعبارة ما بعد أن تشي ، فإن نظريات ما بعد الحداثية ، وما بعد الكولونيالية لا تتعب قط من نقد أشكال الحكم السابقة وما تتركه للحاضر من إرث والسعي إلى التحرر منها .

 لا بد للمرء حتى يتمكن من تقدير القوى النقدية لأطروحات ما بعد الحداثة حق قدرها ، من أن يركز انتباهه أولا على الأشكال الحديثة للسيادة ، حيث يبقى عالم السيادة الحديث عالما مانويا تقسمه  سلسلة من التعارضات الثنائية التي تحدد الذات والآخر ، الأبيض والأسود ، الداخل والخارج ، الحاكم والمحكوم .

أما فكر ما بعد الحداثة فيأتي تحديدا ليتحدى هذا المنطق الثنائي للحداثة ، وليوفر على هذا الصعيد مصادر ذات أهمية بالنسبة إلى أولئك الذين يكافحون لتحدي الأطروحات الحديثة القائمة على الأنظمة الأبوية الكولونيالية والعنصرية . 

إن نظريات ما بعد الحداثة على اختفاتها تشن جميعها هجوما على التنوير ، غير أن علينا أن ننتبه إلى ضرورة إمعان النظر فيما هو مقصود تحديدا  من عبارة تنوير أو حداثة من وجهة نظر ما بعد الحداثية ، إن الحداثة يجب فهمها لا كظاهرة متماثلة متجانسة ، بل بالأحرى بوصفها ظاهرة متشكلة على الأقل من تقليدين متمايزين متضاربين ، أولهما هو الذي أطلقته ثورة النزعة الإنسانية للنهضة من دونس سكوت إلى اسبينوزا ، مع اكتشاف مكانة الكمون والاحتفال بالخصوصية والاختلاف ، أما التقليد الثاني المتمثل بخريف(  تيرميدور)  ثورة النهضة ، فيسعى إلى التحكم بالقوى الطوباوية الحالمة لدى التقليد الأول عبر إقامة وتوسيط سلسلة من الثنائيات ليصل آخر المطاف إلى مفهوم السيادة الحديثة بوصفه حلا مؤقتا .

حين يسوق فرسان ما بعد الحداثة اعتراضهم على الحداثة بوصفها تنويرا يمجد شمول العقل لمجرد الحفاظ على التفوق الأوروبي للرجل الأبيض ، يجب أن يكون واضحا أنهم إنما يهاجمون التقليد الثاني في مخططنا ، متجاهلين الأول .

من الأسلم بعبارة أخرى أن يتم طرح نظرية ما بعد الحداثة تحديا لا للتنوير ولا للحداثة مجتمعين ، بل لتقليد السيادة الحديثة تخصيصا ، وبمزيد من الدقة يمكن القول إن مختلف هذه المعارضات النظرية لا تلبث أن تتجمع بقدر كبير من التناغم في تحد ينتصب أمام الديالكتيك بوصفه المنطق المركزي لآيات التحكم والإقصاء والتسلط الحديثة ، فيما يخص تنظيم كثرة الاختلافات في معارضات ثنائية من جهة ، والتصنيف اللاحق لجملة هذه الاختلافات في نظام أحادي من جهة ثانية ، وإذا كانت السلطة الحديثة هي نفسها ديالكتيكية ، فلا بد لمشروع ما بعد الحداثة ، بزعم ذلك المنطق من أن يكون مشروعا غير ديالكتيكي .

لعل أحد أهم الأمثلة من منظورنا هو تحدي ما بعد الحداثة في ميدان العلاقات الدولية ، فنموذج البحث الحديث يركز على مفهوم السيادة بوصفه مرادفا عموما لسلطة الدول القومية ، على الاستخدام المشروع للعنف وعلى الوحدة الإقليمية ، ومن منظور ما بعد الحداثة فإن هذا النمط من العلاقات الدولية الحديث يميل إلى دعم السلطة المسيطرة وسيادة الدول القومية ، وبالتالي فإن كتابا في هذا المجال يقيمون ارتباطا واضحا بين نقد ثنائيات التنوير المزدوجة المطورة في سياق ما بعد الحداثة على الصعيدين الفلسفي والأدبي ، وتحدي الحدود الثابتة لسيادة الدولة الحديثة .

يحاول منظرو العلاقات الدولية ما بعد الحداثية تحدي سيادة الدول عن طريق تفكيك حدود السلطات الحاكمة ، تسليط الأضواء على التحركات والتدفقات الدولية غير المنتظمة ، وغير الخاضعة للتحكم بما يمكنها من تمزيق الوحدات والتعارضات المستقرة .

على الرغم من أن كثيرين من منظري ما بعد الحداثة صريحون في رفضهم لمنطق السيادة الحديثة ، فإنهم عموما شديدوا الارتباك إزاء طبيعة تحررنا منها ، لأنهم لا يستطيعون أن يتعرفوا بوضوح على أشكال السلطة التي باتت اليوم قادرة على أن تحل محلها .

وهم حين يقومون نظرياتهم إنما يكونون ما زالوا عاكفين على خوض النضال ضد التنوير أو ضد الأشكال الحديثة للسيادة ، واختزالاتها الثنائية للاختلاف والتعددية إلى بديل وحيد بين الذات والآخر، غير أن تأكيد أشكال الهجنة والتحرك الطليق لألوان التباين عبر الحدود ، لا يكونان عاملي تحرير إلا في سياق توظفة السلطة لوضع التراتب حصريا عبر هويات جوهرية ، انقسامات ثنائية وتعارضات مستقرة ثابتة ، تبقى بنى السلطة وأشكال منطقها في العالم المعاصر منيعة كليا على الأسلحة التحريرية لسياسة الاختلاف ما بعد الحداثية .

تكون الإمبراطورية هي الأخرى ميالة في الحقيقة ، لإزالة تلك الأشكال الحديثة من السيادة ، ولتمكين أوجه الاختلاف من عبور الحدود بحرية .

لعل ما نجده منطويا على القدر الأكبر من الأهمية في مختلف تيارات ما بعد الحداثة هو الظاهرة التاريخية التي تمثلها : إنها العرض الدال على حدوث نوع من الانفجار في تقليد أو تراث السيادة الحديثة ، ثمة بالطبع تراث عريق من الفكر المعادي للحداثة الذي يعارض السيادة الحديثة ، بمن فيه كبار مفكري مدرسة فرانكفورت جنبا إلى جنب مع الخط الجمهوري الذي تعقبناه وصولا إلى النزعة الإنسانية النهضوية

غير أن ما هو جديد يكمن في أن منظري ما بعد الحداثة يشيرون إلى نهاية السيادة الحديثة ، ويظهرون قدرة جديدة على التفكير خارج الثنائيات والهويات الحديثة ، على التفكير من منطلقات الكثرة والتعددية .

ثمة تيار معين من دراسات ما بعد الكولونيالية يقترح أيضا سياسة اختلاف عالمية ، وقد يكون جديرا بأن يوضع في خانة تنظير ما بعد الحداثة ، فبمقدار ما كانت السيادة الحديثة مميزة بنزوع أوروبا إلى فرض سيطرة عالمية ، وما هو أهم بمقدار ما كانت الإدارة الكولونيالية والممارسات الإمبريالية مكونات مركزية في تأسيس السيادة الحديثة ، يبدو عالم ما بعد الحداثة منتميا أساسا إلى زمن ما بعد المركزية الأوروبية

على الرغم من أن دراسات ما بعد الكولونيالية تحيط بمجموعة من الأطروحات والخطابات المختلفة ، فإننا نريد هنا أن نركز على كتابات هومي بهابها لأنها تمثل أوضح الأمثلة الدالة على الاستمرارية بين الأطروحات ما بعد الحداثية ، ونظيرتها ما بعد الكولونيالية .

لعل أحد الأهداف الأولى الثابتة لهجوم بهابها هو موضوع الانقسامات الثنائية ، فالمشروع ما بعد الكولونيالي كله ، كما يقدمه يتحدد في الحقيقة برفضه للتقسيمات الثنائية التي تشكل مرتكز نظرة ما بعد الكولونيالية إلى العالم ، ليس العالم مشطورا إلى شطرين ، بل كان على الدوام بالأحرى  وما زال يتحدد بأوجه الاختلاف ، فرفض بهابها لرؤية العالم من منظور الانقسامات الثنائية يقوده إلى المبادرة أيضا إلى نبذ نظريات الشمول والنظريات القائلة بهوية الذوات الاجتماعية وتجانسها وجوهريتها ، وهذه الأشكال المختلفة للرفض تكون وثيقة الترابط فيما بينها ، فالتصور الثنائي للعالم يضمر جوهرية الهويات وتجانسها على صعيد نصفيه ، كما يضمر تصنيف مجمل التجربة في خانة كلية اجتماعية متماسكة ، ليس الشبح الذي يسكن تحليل بهابها إلا الديالكتيك الهيغلي ، أي الديالكتيك الذي يصنف داخل كلية مترابطة جملة الهويات الاجتماعية الجوهرية التي يواجه بعضها بعض من داخل النسق نفسه ، وبهذا المعنى يمكن القول إن نظرية ما بعد الكولونيالية جنبا إلى جبن مع نظريات ما بعد الحداثة لا تحدد إلا بكونها لا ديالكتيكية

يبقى نقد بهابها للديالكتيك أي هجومه على الانقسامات الثنائية والهويات الجوهرية والشمول زعما سوسيولوجيا يخص الطبيعة الحقيقة للمجتمعات من ناحية ، ومشروعا سياسيا يرمي إلى إحداث تغيير اجتماعي من ناحية ثانية .

 ليس الزعم السوسيولوجي إلا أحد شروط إمكانية الثاني أي المشروع السياسي ، لم يسبق للهويات الاجتماعية والأمم قط أن كانت جماعات متصورة متماسكة حقا ، فقيام المستعمر بتقليد خطاب المستعمر ، يؤدي إلى إعادة صياغة فكرة الهوية وتغريبها عن الجوهر ، تكون الثقافات على الدوام وبشكل مسبق تشكيلات جزئية ومختلطة ، وهذه الحقيقة الاجتماعية هي القاعدة التي توفر إمكانية توجيه مشروع سياسي مدمر نحو تهديم البنية الثنائية للسلطة والهوية : تمارس السلطة ، أو قوى الاضطهاد الاجتماعي عملها عبر فرض بنى ثنائية ، وأشكال شمولية من المنطق على الكيانات الذاتية الاجتماعية ، كابتة تباينها ، غير أن هذه البنى القمعية ليست شاملة قط ، وتبقى أوجه الاختلاف والتباين قابلة دائما للتعبير عنها ، وبالتالي فإن المشروع السياسي لما بعد الكولونيالية يقوم على تأكيد تعددية أوجه الاختلاف والتباين تمهيدا لتخريب سلطة البنى الثنائية الحاكمة ونسفها .

 ليست المدينة الفاضلة التي يوجه بهابها الأنظار نحوها بعد تشظي البنى الثنائية ، وجودا منعزلا ومتشظيا ، بل شكل جديد من أشكال الاجتماع ، حيث يعتقد بهابها أن بذور المجتمع البديل لا تنتعش إلا بفضل الاهتمام الحميم بمحلية الثقافة ، وبمقاومتها التركيب الثنائي للتراتبات الهرمية .

يجب علينا أن نحرص على إدراك شكل السلطة المسيطرة في إطار ما بعد الكولونيالية ، يفترض أن السلطة لا تفعل فعلها ، إلا من خلال بنية ديالكتيكية ، أي أن شكل السيطرة الوحيد الذي يعترف به بهابها هو شكل السيادة الحديثة ، ومن هذا المنظور يكون التراتب الهرمي قائما بالضرورة على انقسامات ثنائية ، بما يجعل واقع الهجنة المجرد قادرا على تدمير الهرم ، وهذه الهجنة ليست سوى الاختلاف والتباين عبر ممارسة أدوارها عبر الحدود ، تلك هي النقطة التي يتم فيها أقوى لقاء بين دعاة ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة ، نقطة الهجوم الموحد على ديالكتيك السيادة الحديثة وطرح التحرير والتحرر بوصفهما سياسة الاختلاف .

مثلهم مثل منظري ما بعد الحداثة  يشد منظري ما بعد الكولونيالية ، أنظارنا بمقدار ما يشكلون أعراضا للتحول التاريخي الذي نتعرض له ، أي لعملية العبور إلى الإمبراطورية ( العولمة الجديدة ) ، قد لا تكون الأطروحات نفسها ممكنة إلا حين يصبح نجم أنظمة السيادة الحديثة موشكا على الأفول ، غير أنهم يقدون صورة شديدة الارتباك والتشوش عن عملية العبور هذه ، لأنها تبقى متجمدة عند مهاجمة شكل قديم للسلطة ، واقتراح إستراتيجية تحرير لا تكون فعالة إلا على تلك الأرضية القديمة ، فالمنظور ما بعد الكولونيالي يظل مهتما في المقام الأول بالسيادة الكولونيالية  .

من شأن هذا أن يجعل نظرية ما بعد الكولونيالية أداة وافرة الإنتاجية لإعادة قراءة التاريخ، غير أنه ليس كافيا كليا التنظير للسلطة العالمية المعاصرة ، لا ينجح إدوارد سعيد الذي هو بالتأكيد أحد ألمع من ينضوون تحت عنوان نظرية ما بعد الكولونيالية ، في إدانة وشجب بنى السلطة العالمية الراهنة إلا بمقدار ما تساهم في تأييد جملة المخلفات الثقافية والإيديولوجية للحكم الكولونيالي الأوروبي ، يقول سعيد – إن تكتيكات الإمبراطوريات الكبرى ، أي الإمبريالية الأوروبية التي جرى تفكيكها بعد الحرب العالمية الأولى تتكرر الآن على يد الولايات المتحدة - ، والمفتقد هنا هو نوع من الاعتراف بجدة بنية السلطة ومنطقها اللذين ينظمان العالم المعاصر ، ليست الإمبراطورية العولمة الجديدة صدى ضعيفا وباهتا لإمبرياليات حديثة ، بل هي شكل جديد جذريا من أشكال الحكم .

ثمة عرض آخر من أعراض عملية العبور التاريخية الجارية في العقود الأخيرة من القرن العشرين ، ألا وهو صعود ما بات يعرف باسم النزعة الأصولية ، غير أن الأصولية تبقى مقولة ضعيفة وملتبسة ، تجمع جملة نم الظواهر المتباينة تباينا شديدا في سلة واحدة ، لكن يمكن القول إن الأصوليات على اختلافها وتنوعها مترابطة جراء كونها مفهومة على المستويين الداخلي والخارجي ، على أنها حركات معادية للحداثة ، حركات تمرد لهويات وقيم أولية ، يتم تصورها على أنها نوع من التدفق التاريخي إلى الخلف ، نوع من إلغاء التحديث ، غير أن من الأجدى فهم الأصوليات المختلفة لا باعتبارها إعادة خلق عالم ما قبل الحداثة ، بل هي تعبير بالأحرى ، عن رفض شديد للمعبر التاريخي المعاصر ، وبهذا المعنى فإن الأصوليات ليست هي الأخرى ، مثلها مثل نظريات ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة ، إلا عرضا من أعراض التحول أو المرور إلى الإمبراطورية ( العولمة الجديدة ) .

إن الأصوليات الإسلامية تكون شديدة التلاحم والتوحد في معارضتها للحداثة والتحديث ، فبمقدار ما يكون التحديث السياسي والثقافي عملية علمنة ، تبادر الأصوليات الإسلامية إلى معارضته عبر وضع نصوص مقدسة في صلب الدساتير السياسية وإحلال قيادات دينية في مواقع السلطة السياسية .

على النقيض من مجتمع الحداثة الديناميكي والعلماني ، تبدو الأصولية داعية إلى مجتمع ديني جامد ، وبالتالي فإن الأصوليات الإسلامية بوصفها تجسيدا لمعاداة الحداثة تبدو عاكفة بدأب على قلب مسار عملية التحديث الاجتماعي رأسا على عقب ، على تحقيق الانفصال عن تيارات الحداثة العالمية المتدفقة ، وعلى إعادة تركيب عالم ينتمي إلى زمن ما قبل الحداثة .

تقدم الأصوليات المسيحية في الولايات المتحدة أيضا نفسها بوصفها حركات مناوئة للتحديث الاجتماعي ، دائبة على إعادة خلق ما يتصور على انه تشكيلة اجتماعية ماضية مستندة إلى نصوص مقدسة ، من المؤكد أن على هذه الحركات أن تحتل مكانها في مسلسل التقاليد الأمريكية الطويل من المشاريع الرامية إلى إيجاد أورشليم جديدة في أمريكا ، إلى إيجاد مجتمع مسيحي بعيد عن فساد أورو

المزيد


امبراطورية العولمة الجديدة(الجزء الثالث)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

مايكل هاردت وانطونيو نيغري

سيادة الدولة القومية

 

نشأ مفهوم الأمة في أوروبا على أرضية الدولة الاستبدادية الوراثية التي كانت تعتبر ملكا للعاهل ، كانت الدولة الوراثية المستبدة الشكل السياسي المطلوب لحكم العلاقات الاجتماعية الإقطاعية ، فقد كانت الملكية الإقطاعية جزء من جسد الملك تماما كما كان الجسد الملكي  صاحب السيادة جزء من جسد الله .ففي القرن السادس عشر وفي زحمة الإصلاح الديني والمعارك الطاحنة العنيفة الدائرة بين قوى الحداثة ، كان نظام الحكم الملكي الوراثي ما يزال يجري تقديمه بوصفه ضمانة السلام والحياة الاجتماعية ، وفي القرن السابع عشر هلل رد الفعل الاستبدادي للدولة الملكية الوراثية ، غير أن الاحتفال هذا لم يكن بوسعه إلا أن يبقى متناقضا وغامضا ، لأن الأسس الإقطاعية لمثل هذه الدولة كانت سائرة في طريق التلاشي ، فقد جاءت عمليات التراكم الأولي لرأس المال لتفرض شروطا جديدة على جميع هياكل السلطة ، فالنموذج الوراثي الاستبدادي لم يبق على قيد الحياة في هذه الفترة إلا بفضل دعم ومساومة محددة بين قوى سياسية ، وقد كان مضمونه يهترئ من الداخل بسبب ظهور قوى إنتاجية جديدة ، ومع ذلك بقي النموذج مستمرا ، وما هو أهم أنه تطور من خلال إدخال بعض المميزات الأساسية .

باتت الهوية الروحية للأمة بدلا من الجسد الإلهي للملك ، وبالتالي فإن المفهوم الحديث للأمة ورث الجسد الوراثي للدولة الملكية وأعاد اختراعها في ثوب جديد ، وهذا المجموع الكلي للسلطة شكلته جزئيا عمليات إنتاجية رأسمالية جديدة من جهة ، وشبكات قديمة عائدة للإدارة الاستبدادية من جهة ثانية ، ثم ما لبثت الهوية القومية أن أضفت صفة الاستقرار على هذه العلاقة الهيكيلية المضطربة .

من الواضح أن عناصر كثيرة تغيرت ، على الرغم من أن هذه العملية حافظت على الكيان المادي للعلاقة مع الحاكم ، لعل أكثر الأمور أهمية هو أن نظام الرعية الإقطاعي أخلى مكانه لنظام المواطن ، لدى تحول الأفق الوراثي إلى أفق قومي ( أي حينما تم التحول السياسي في الحداثة الأولى من مملكة السماء إلى مملكة الأرض .

وعند هذه النقطة نستطيع أن نرى القرب والاختلاف بين مفهومي الدولة الوراثية والدولة القومية ، حيث تحرص الأخيرة بإخلاص ، على إعادة إنتاج الهوية الجامعة للأرض والسكان لدى الأولى ، غير أن الدولة القومية تقترح أساليب جديدة للتغلب على هشاشة السيادة الحديثة ، تقوم هذه المفاهيم بتشيئ السيادة ، أي عبر إضفاء الصفة الطبيعية عليها ، تشكل الأمة هنا نوعا من المعبر الإيديولوجي المختصر الذي يحاول تحرير مفهومي السيادة والحداثة من الخصومة والأزمة التي تحدادنهما ، فالسيادة القومية تبادر إلى تعطيل جذور الحداثة الصدامية ، ( يشكل مفهوم الأمة حلا وسطا بين سيادة متسامية وحداثة تسعى إلى سلب التسامي عن هذه السيادة ) .

وكذلك فإن تحول مفهوم السيادة الحديثة إلى مفهوم سيادة قومية ، تطلب وجود جملة من الشروط المادية ، أهمها توفر توازن جديد بين عمليات التراكم الرأسمالي ، وهيكليات السلطة . جاء الانتصار السياسي للبرجوازية كما تبين الثورتان الإنجليزية والفرنسية بوضوح ، متحايثا مع استكمال مفهوم السيادة الحديثة من خلال مفهوم السيادة القومية .

حين جرى تبني مفهوم الأمة في القرنين التاسع عشر والعشرين ، في سياقات إيديولوجية شديدة الاختلاف وصولا إلى أشكال من التعبئة الشعبية في أقاليم وبلدان داخل أوروبا وخارجها ، لم يكن قد سبق لها أن عاشت لا تجربة الثورة الليبرالية ولا المستوى ذاته من التراكم الأولي ، كان المفهوم لا يزال يجري تقديمه باستمرار بوصفه مفهوم تحديث رأسمالي ، بعبارة أخرى جرى تقديم الأمة بوصفها الأداة الفاعلة الواحدة والوحيدة القادرة على جلب الحداثة والتنمية .

أما عملية بناء الأمة التي استعادت مفهوم السيادة وألبسته ثوبا جديدا ، فسرعان ما أصبحت في أي سياق تاريخي كابوسا إيديولوجيا ، وأزمة الحداثة التي هي الحضور المتزامن المتناقض للجمهور وسلطة تريد اختزاله إلى حكم فرد واحد لا تجد لها أخيرا آية تهدئة أو أي حل نم خلال مفهوم الدولة ، أكثر مما فعلت عن طريق مفهوم السيادة أو الدولة ، لا يمكن للأمة إلا أن تحجب الأزمة إيديولوجيا ، أن تزيحها من مكانها ، وأن تذعن لسلطتها .

تضع كتابات جان بودان عند بداية طريق الفكر الأوروبي الذي يقود إلى مفهوم السيادة القومية ، فقد ظهر الكتاب في قلب أزمة النهضة ، حيث يتناول الحروب الأهلية والدينية في أوروبا ، وعلى الرغم من تصديه للأزمات السياسية والاجتماعية والصراعات والحروب ، إلا أن عناصر التفجر هذه لم تدفعه إلى طرح أي بديل شاعري ، ولا إلى نظرية طوباوية حالمة ، ذلك هو السبب الذي أدى إلى جعل مؤلفه ليس فقط مساهمة جنينية في التعريف الحديث للسيادة ، بل واستباقا فعالا لتطور السيادة اللاحق في الإطار القومي .

قال بودان باستحالة إنتاج السيادة عن طريق اتحاد الأمير والجمهور ، فضلا عن تعذر حل مشكلتها طوال بقاء المرء متمسكا بأحد إطاري الحق التعاقدي أو الطبيعي ، فأصل السلطة السياسية وتحديد السيادة يقومان على انتصار أحد الطرفين على الآخر ، وهو انتصار يجعل من أحدهما سيدا ومن الآخر رعية .

بعد نبذ إطار الحق  الطبيعي والآراء المتسامية التي تستثيرها على الدوام ، بادر بودان إلى تزويدنا بصيغة عن الحاكم صاحب السيادة ، أو عن الدولة بالأحرى تقوم واقعيا وبالتالي تاريخيا ببناء قاعدتها وهيكليتها الخاصة .

لقد خرجت الدولة الحديثة من رحم هذا التحول ، ولا يمكن أن تتابع تطورها إلا هناك ، هذا هو المفصل النظري الذي يجري عبره ربط نظرية السيادة الحديثة أو استكمالها بتجربة السيادة الإقليمية .

ما لبثت عقيدة بودان عبر اعتماد القانون الروماني والاستفادة من قدراته على تطوير منابع الحق وترتيب أشكال الملكية أن أصبحت نظرية لكيان سياسي موحد جرى تطويره كإدارة بدت قادرة على التغلب على مصاعب أزمة الحداثة فإزاحة مركز المعاينة النظرية عن مسألة الشرعية إلى قضية حياة الدولة وسيادتها ككيان موحد شكلت تقدما مهما .

حين تحدث بودان عن حق السيادة السياسي كان ينبه مسبقا إلى التحكم القومي المفرط للسيادة مما مكنه من فتح قناة أصلية ومباشرة مؤهلة لأن تمتد إلى الأمام عبر القرون اللاحقة .

وبعد بودان في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، تطورت في أوروبا في وقت واحد مدرستان فكريتان خصتا موضوع السيادة بدور مركزي وقامتا عمليا بتوقع مفهوم السيادة القومية بتقليد الحق الطبيعي من جهة ، والتقليد الواقعي أو التاريخي لنظرية الدولة من جهة أخرى .

بادرت المدرستان إلى تعديل التصور المتسامي للسيادة بالمنهجية الواقعية القائمة على التقاط شروط الصراع المادي ، كلتاهما جمعت إنشاء الدولة السيادية مع تأسيس الجماعة الاجتماعية السياسية التي سيطلق عليها لاحقا أسم الأمة .

وكما في بودان ،فإن هاتين المدرستين دأبتا باستمرار على التصدي لأزمة التصور النظري للسيادة التي ظلت بدورها تثار من قبل قوى الحداثة المتصارعة ، وجراء عملية البناء القضائية والإدارية لهيكل الدولة .

في مدرسة الحق الطبيعي من غروتيوس إلى آلتوسيوس ، ومن توماسيوس إلى بوفندروف ، تم إنزال رموز السيادة إلى الأرض ، حيث جرى توزيع السيادة عن طريق إطلاق منظومة من العقود ذوات الأطراف المتعددة القادرة على التوغل في كل مفاصل الهيكل الإداري للسلطة .

لم تكن هذه العملية موجهة نحو قمة الدولة وعنوان السيادة فقط ، بل إن معالجة مشكلة إضفاء الشرعية بدأت من منطلق الآلة الإدارية عبر أشكال تمفصل ممارسة السلطة .

ما لبثت دائرة السيادة والطاعة أن انغلقت على نفسها مضاعفة ذاتها وممتدة عبر الواقع الاجتماعي ، ما عادت السيادة تدرس من منظور التناقضات الكامنة في أزمة الحداثة بمقدار ما أصبحت تعاين بوصفها عملية إدارية تمفصل هذه التناقضات ، وتستهدف تحقيق نوع من الوحدة في ديالكتيك السلطة ، وهكذا فإن قطاعا مهما من مدرسة الحق الطبيعي ، طور فكرة توزيع السيادة المتسامية ومفصلتها عبر الأشكال الحقيقية للإدارة .

أما التركيبة التي كانت مضمرة في مدرسة الحق الطبيعي ، فما لبثت أن باتت مكشوفة ومعلنة في سياق النزعة التاريخية ، ومن المؤكد أن من شأن إرجاع الأطروحة التي لم يتم تطويرها إلا في وقت متأخر على أيدي أتباع المدارس الرجعية في الحقبة التي أعقبت الثورة الفرنسية إلى النزعة التاريخية التي سادت في عصر التنوير – إنها الأطروحة التي توحد نظرية السيادة مع نظرية الأمة وتزرعهما في تربة تاريخية مشتركة ، وهذا خطأ واضح ، ومع ذلك فإن هناك منذ تلك الفترة المبكرة جذور لذلك التطور اللاحق ، ففي حين أن قطاعا مهما من مدرسة الحق الطبيعي قام بتطوير فكرة مفصلة السيادة المتسامية عبر الأشكال الواقعية للإدارة ، حاول مفكروا النهضة التاريخيون إدراك ذاتية العملية التاريخية تمهيدا إلى الاهتداء إلى أساس فعلي لعنوان السيادة وممارستها في مؤلف فيكو ، كانت تحديدات التصور الحقوقي للسيادة جميعا مستندة إلى قوة التطور التاريخي ، أما الرومز المتسامية للسيادة فكانت مترجمة إلى مؤشرات لعملية إلهية ، كانت بشرية وسماوية في قوت واحد .

لقد كان إنشاء السيادة هذا أمرا بالغ القوة في التاريخ ، فعلى هذه الأرضية التاريخية التي تجبر كل بنيان إيديولوجي على مجابهة الوقع ، لم تتعرض أزمة الحداثة الأصلية المتجذرة للإغلاق قط -  ولم يكن ثمة ما يدعوها للانغلاق ، لأن الأزمة نفسها أنتجت رموزا جديدة دأبت بإلحاح على حفز التطور التاريخي والسياسي ، والجميع ما زالوا خاضعين لسلطان الحكم المتسامي ، ياله من قلب صريح للإشكالية ، وياله من إغراق كامل للسيادة في بحر من الغموض والألغاز في الوقت نفسه باتت عناصر الأزمة وهي أزمة متواصلة وغير محلولة ، تعتبر الآن عناصر تقدم فعالة .

غير أن ما ظل تلميحات وإشارات في فيكو ، ما لبث أن برز على شكل إعلان صريح وجذري في التنوير الألماني المتأخر ، ففي مدرسة هانوفر أولا ، وفي كتابات هيردر بعد ذلك ، تم توجيه نظرية السيادة الحديثة حصريا نحول تحليل ما جرى تصوره استمرارية اجتماعية وثقافية ، الاستمرارية التاريخية الحقيقة للأرض والسكان والأمة .

أما رأي فيكو القائل بوجود التاريخ المثالي في تاريخ جميع الأمم فقد أصبح أكثر ثورية عند هيردر ، حيث بات كل كمال إنساني قوميا من ناحية معينة ، وهكذا فإن الهوية يتم تصورها لا بوصفها الحل المناسب للخلافات الاجتماعية والتاريخية ، بل على أنها النتاج المترتب على وحدة أصلية .

تشكل الأمة صيغة كاملة للسيادة سابقة للتطور التاريخي ، أو وهذا أفضل ، ليس ثمة تطور تاريخي ليس متشكلا سلفا بصورة مسبقة في الأصل ، وبعبارة أخرى ، تقوم الأمة بدعم مفهوم السيادة بزعمها أنها سابقة عليه ، إنها القاطرة المادية التي تخترق التاريخ ، ولا تلبث الأمة أن تصبح أخيرا شرط إمكانية كل الفعل الإنساني والحياة الاجتماعية نفسها .

بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ، تجلى مفهوم السيادة القومية أخيرا في الفكر الأوروبي بشكله المستكمل ، وفي أساس هذا الرمز النهائي للمفهوم كانت ثمة صدمة ، الثورة الفرنسية ، وجلى تلك الصدمة ، الاستيلاء الرجعي على مفهوم الأمة .

من الممكن رؤية العناصر الأساسية لعملية إعادة التشكيل السريعة هذه لمفهوم الأمة التي جعلت منه سلاحا سياسيا حقيقيا بصورة موجزة في كتابات سييس ، ففي كراسه الشهير ما الطبقة الثالثة ؟ شبه مفهوم الأمة بمفهوم الطبقة الثالثة أي البرجوازية ، حاول سييس أن يرجع مفهوم السيادة إلى جذوره الإنسانية ، ويعيد اكتشاف إمكانياته الثورية ، والأهم من ذلك فيما يخص أغراضنا هو أن انشغال سييس المكثف بالنشاط الثوري أتاح له فرصة تفسير مفهوم الأمة بوصفه مفهوما سياسيا بناء ، آلية تأسيسية ، غير أنه لا يلبث أن يتضح تدريجيا خصوصا في كتاباته اللاحقة ، كما في مؤلفات أتباعه ، وفي مؤلفات منتقديه قبل كل شئ ، أن الأمة رغم خروجها من رحم السياسة ، لم تكن آخر المطاف إلا نبية روحية ، وبالتالي فإن مفهوم الأمة جرى إبعاده عن الثورة لإلحاقه بجميع الردات التيرميدورية ، حيث باتت الأمة صراحة المفهوم الذي لخص الحل البرجوازي الهيمني لمشكلة السيادة .

في تلك النقاط التي شهدت تقديم مفهوم الأمة بوصفها مفهوما شعبيا وثوريا ، كما حصل بالفعل في أثناء الثورة الفرنسية ، قد يفترض المرء أن مفهوم الأمة بات قد أفلت من أسر مفهوم السيادة الحديث ، ومن جهاز إخضاعه وتحكمه وبات مكرسا بدلا من ذلك لصالح فكرة ديمقراطية عن الجماعة .

لقد كان الارتباط بين مفهوم الأمة والشعب تجديدا قويا حقا ، وقد شكل بالفعل مركز الحساسية اليعقوبية جنبا إلى جنب مع حساسية جماعات ثورية أخرى .

فيما يبدو ثوريا وتحرريا في فكرة السيادة القومية الشعبية هذه لا يعدو كونه على أية حال دورة أخرى للبرغي ، مزيدا من التوسع لآلية الإخضاع والتحكم التي ظل مفهوم السيادة الحديث مثقلا بها منذ البداية ، بداية نسبت سلطة السيادة الهشة كحل لأزمة الحداثة إلى الأمة طلبا للدعم ، ثم ما لبثت أن نسبت أيضا إلى الشعب ، حتى تبين أن الأمة هي الأخرى لم تكن إلا حلا هشا مهزوزا ، بعبارة أخرى تماما كما يقوم مفهوم الأمة ذاته بإكمال مفهومها عبر عملية نكوص منطقية ملفقة وزائفة .

فكل خطوة إلى الوراء تساعد في تعزيز سلطة السيادة عن طريق إضفاء صفة الغموض على أساسها ، أي من خلال التسليم بطبيعة المفهوم ، لا بد لهوية الأمة ، بل وحتى هوية الشعب أكثر من ذلك من أن تبدو طبيعية .

أما نحن فعلينا على النقيض من ذلك أن نجرد هذه المفاهيم من الصفة الطبيعية ونسأل عن ماهية الأمة وكيفية عملها ، وكذلك عن ماهية الشعب ، فعلى الرغم من أن الشعب يتم طرحه بوصفه الأساس الأصلي للأمة ، ليس التصور الحديث للشعب ، إلا أحد نتاجات الدولة القومية .

يجب أن نلاحظ أن مفهوم الشعب شديد الاختلاف عن مفهوم الجمهور ، فمنذ أزمان مبكرة تعود إلى القرن السابع عشر ، كان هوبز شديد الحرص على التنبه إلى هذا الاختلاف ، وإلى الأهمية التي ينطوي عليها بالنسبة إلى عملية بناء نظام سيادي ، لعل أحد أشكال الخلل الذي يعاني منه الحكم المدني ، الملكي خصوصا ، هو أن الناس لا يميزون بصورة كافية بين الشعب والجمهور .

فالشعب يكون واحدا إلى حد معين ، ذا إرادة واحدة ، ويمكن جعله مسئولا عن فعل واحد ، لا شئ من هذا يمكن قوله عن الجمهور .

الشعب يحكم في جميع الحكومات ، وبما أن الشعب يبقى آمرا حتى في النظم الملكية ، وبما أن إرادة الشعب هي إرادة رجل واحد ،فإن الملك هو الشعب .

أما الجمهور فكثرة وتعدد ، مستوى زاخر بالخصوصيات والصفات الفردية ، طائفة مفتوحة من العلاقات لا يك

المزيد


امبراطورية العولمة الجديدة (الجزء الثاني)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

                                                           مايكل هاردت وانطونيو نيغري

تحـولات السيـادة

أوروبتان وحداثتان

 

ليست السيادة الحديثة إلا مفهوما أوروبيا ، بمعنى أنها تطورت بالدرجة الأولى في أوروبا بالتنسيق مع تطور الحداثة نفسها ، لقد شكل المفهوم حجر الزاوية في بناء المركزية الأوروبية ، غير أن السيادة الحديثة رغم انبثاقها من أوروبا ، ما لبثت أو ولدت عبر علاقة أوروبا بخارجها ، وخاصة من خلال مشروعها الكولونيالي ،وهكذا فإن السيادة الحديثة ظهرت بوصفها مفهوم رد الفعل الأوروبي والسيطرة الأوروبية على الصعيدين الداخلي والخارجي ، أنهما وجهان متكاملان لتطور كل منهما ، وجه الحكم داخل أوروبا ووجه حكم أوروبا للعام . لقد كانت بداية الحداثة ثورية ، وما لبثت أن أطاحت بالنظام القديم .

كثيرا ما توصف جذور الحداثة الأوروبية بأنها خارجة من عملية علمنة أنكرت سلطة السماء المتسامية على الشؤون الدنيوية ، ومن المؤكد أن تلك العملية كانت مهمة ، غير أنها لم تكن في الحقيقة بنظرنا سوى أحد أعراض حدث الحداثة الأولى ، سوى تأكيد قوة هذا العالم ، سوى اكتشاف مستوى الكمون .

يؤدي تأكيد دونس سكوت هذا إلى نسف التصور القروسطي للوجود بوصفه موضوع إسناد تناظري ، وبالتالي ثنائي يضع إحدى قدميه في هذا  العالم والأخرى في دنيا متسامية ، تحولت المعرفة في جذور الحداثة من المستوى المتسامي إلى مستوى الكمون ، فأصبحت تلك المعرفة الإنسانية فعلا وممارسة لتحويل الطبيعة .

إن ما هو ثوري في كل هذه السلسلة الطويلة من التطورات الفلسفية الممتدة من القرنين ال 13 وحتى ال 16 هو أن قدرات الخلق التي كانت من قبل تعود إلى المصدر ، تم الآن إنزالها إلى الأرض .

عادت البشرية في السياسة أيضا كما في الفلسفة والعلم في هذه المرحلة المبكرة من الحداثة إلى امتلاك ما كان التسامي القروسطي قد اغتصبه منها ، فعلى امتداد أربعة قرون ، جرت إعادة ترسيخ بناء السلطة على أساس قضية إنسانية كلية ، وعبر فعل جمهور من الكيانات الفردية .

زعم وليم الأوكامي أن الكنيسة هي جمهور  المؤمنين ، بمعنى أنها ليست فوق جماعة المسيحيين ومتميزة عنها ، بل هي كامنة في عمق تلك الجماعة ، وقام مارسيليو البادوني بطرح التمييز نفسه بالنسبة إلى الجمهورية ، حيث تكون سلطة  الجمهورية مستمدة لا من مبادئ سامية بل من تجمع المواطنين .

ثمة فهم جديد للسلطة وتصور جديد للتحرر تم إطلاقهما  : من دانتي  ودفاع أواخر العصر الوسيط عن العقل الممكن ، إلى توماس مور والاحتفال بالقوة الهائلة وغير القابلة للتفسير للحياة الطبيعية والعمل بوصفهما أساسا للترتيب السياسي ، من ديمقراطية الطوائف البروتستانية إلى سبينوزا يكون أفق الكمون هو الأساس الذي تتحقق فوقه قدرات الفرادة ، ويتم بموجبه تحديد حقيقة الإنسانية الجديدة ، وانطلاقا من هذه الحقيقة بالذات يتم تمثيل الفردي على أنه الجمهور لتعذر وجود أي توسط خارجي .

لقد كانت بداية الحداثة ثورية ، وما لبثت أن أطاحت بالنظام القديم ، لم يكن ناموس الحداثة ودستورها عن النظرية وحدها ، بل من أفعال نظرية وثيقة الارتباط بتحولات الممارسة والواقع .

وهذه العملية التاريخية المتمثلة بإضفاء الصفة الذاتية على الأمور ، كانت ثورية بمعنى أنها فرضت تغييرا نوذجيا غير قابل للارتداد في نمط حياة الجمهور .

غير أن هذا الانبثاق الجديد ما لبث أن تمخض عن حرب ، وهل كان ممكنا ألا تؤدي هذه الثورة إلى ثورة مضادة ؟ كانت ثورة مضادة تنطوي على مبادرة ثقافية وفلسفية واجتماعية وسياسية اندفعت تسعى ، لعجزها عن العودة إلى الماضي من جهة ، وعن تدمير القوى الجديدة من جهة ثانية ، إلى السيطرة على ومصادرة قوى الحركات الناشئة ، ذلك هو النمط الثاني من الحداثة ، النمط المصمم لشن الحرب ضد القوى الجديدة ولإقامة السلطة الطاغية للسيطرة عليها ، من هنا يطرح النمط الثاني للحداثة فكرة سلطة متسامية مؤسسة ، ضد سلطة كامنة مؤسسة .

غير أن ثورة الحداثة الأوروبية سرعان ما دخل خريفه ، ففي الصراع حول الهيمنة على صيغة الحداثة ، كان النصر من نصيب النمط الثاني ومعه قوى النظام التي سعت إلى تحييد نفوذ الثورة ، وعلى الرغم من أن العودة إلى الوراء لم تكن ممكنة ، فقد توفرت مع ذلك فرصة إعادة فرض إيديولوجيات قائمة على التحكم والتسلط ، وبالتالي نشر قوة متسامية جديدة عبر العزف على أوتار قلق الجماهير ….. كان لا بد من إيقاف الثورة .

غير أن خريف الثورة لم يضع حدا للأزمة بل أدى فقط إلى تأبيدها ، فالحرب الأهلية لم تتوقف بل جرى استيعابها وإذابتها في بوتقة مفهوم الحداثة ، ولذلك تحددت الحداثة بالأزمة ، أزمة خارجة من رحم الصراع المتواصل الذي لا يعرف معنى الانقطاع بين القوى الكامنة البناءة المبدعة من جهة ، والسلطة المتسامية الهادفة إلى استعادة النظام من الجهة المقابلة .

عادت أوروبا إقطاعية مرة أخرى ، ففي القرن السابع عشر كانت الكنيسة الكاثوليكية المعادية للإصلاح الديني النموذج الأول لهذه الردة ، لأن الكنيسة نفسها كانت من قبل قد تعرضت للخض جراء زلزال الإصلاح ، كذلك فإن الكنائس البروتستانية والنظم السياسية لم تتأخر في إنتاج نظام الثورة المضادة .

ما لبث مشروع الثورة المضادة بحل أزمة الحداثة أن تكشف في قرون التنوير ، فالمهمة الأولى لهذا التنوير كانت متمثلة بالسيطرة على فكرة الكمون ، دون إعادة إنتاج الثنائية المطلقة للثقافة القروسطية ، عبر إنشاء جهاز متسام قادر على ضبط جمهور ذوات حرة شكليا ، كان لابد من استبدال الثنائية الوجودية لثقافة النظام القديم بثنائية وظيفية عملية ، وكان لا بد لذلك من حل أزمة الحداثة عن طريق استخدام آليات وساطة مناسبة . 

كان تجنب فهم الجمهور على طريقة اسبينوزا في علاقة مباشرة مع السماء والطبيعة ، بوصفه المنتج الأخلاقي للحياة والعالم أمرا بالغ السمو والعظمة ، بل كان يجب على النقيض من ذلك ، فرض التوسط والتسوية في كل قضية على تعقيدات العلاقات الإنسانية .

راح الفلاسفة يتجادلون فيما بينهم حول مكان هذا التوسط وحول المستوى الميتافيزيقي الذي يحتله ، غير أن تحديده بهذا الشكل أو ذاك ، كشرط لا بد منه لجميع الصيغ الإنسانية لكل من الفعل والفن والاجتماع كان أساسيا ، ذلك هو السبب الكامن وراء معارضة ثلاثي القوة والرغبة والحب الذي ألف النسيج المنتج لفكر النزعة الإنسانية الثوري بثلاثي توسطات محددة .

لا يمكن التعرف على الطبيعة والتجربة إلا من خلال مصفاة الظواهر ، ويتعذر بلوغ المعرفة الإنسانية إلا عن طريق تأمل الفكر ، ويستحيل إيصال العالم الأخلاقي إلا عبر النزعة التخطيطية للعقل .

ليس ما نحن بصدده إلا شكلا من أشكال التوسط ، انكفاء انعكاسيا في الحقيقة ونوعا من التسامي الضعيف الذي يضفي الصفة النسبية على التجربة ويلغي كل ما هو مباشر ومطلق في الحياة .

ولكن ما الذي يجعل هذه النسبية ضرورية ؟ لماذا يتعذر السماح للمعرفة والإرادة بإعلان نفسيهما مطلقتين ؟ يكمن السبب في أن كل حركة نم حركات التأسيس الذاتي للجمهور يتعين عليها أن تخضع لنظام مؤسس مسبقا ، ولأن من شان ادعاء قدرة البشر على امتلاك حريتهم في الوجود بصورة مباشرة أن يكون هذيانا مدمرا ، تلك هي النواة الجوهرية لعملية العبور الإيديولوجية التي تم على أساسها بناء المفهوم الهيمني للحداثة الأوروبية .

لماذا استخدام آليات وساطة ، لأن الانتقال من قيم ما قبل الحداثة أي من القيم القروسطية وثنائيتها إلى مفاهيم الحداثة لا يمكن أن يتم مباشرة ، بل كان لا بد من وساطة نظرية تضم الاثنين معا بحيث تكون مخرجا من الثنائية القروسطية ومدخلا لولوج بوابة الحداثة في آن معا ، ومن هذا المنطلق يمكن فهم التسامي عند كل من بودان وهوبز .

تم الإنجاز الاستراتيجي العظيم الأول في هذا البنيان على يد ديكارت الذي على الرغم من تظاهره بمتابعة مشروع إنساني جديد للمعرفة ، أعاد في الحقيقة ترسيخ نظام متسام ، فحين قام ديكارت بوضع العقل في مرتبة مجال التوسط الحصري الوحيد بين الله والعالم ، كان في الحقيقة يعيد تأكيد الثنائية بوصفها السمة التي تحدد التجربة والفكر .

علينا هنا أن نتحلى بالحذر ، ما من مرة تم تحديد التوسط بصورة جيدة في ديكارت ، بل ونرى إذا بقينا قريبين من النص ، أن التوسط لا يكمن بصورة ملغزة إلا في إرادة الله .

تتألف إستراتيجية ديكارت الماكرة في المقام الأول مما يلي : حين يخاطب مركزية الفكر في وظيفة التوسط المتسامية ، يحدد نوعا من التسامي السماوي المتبقي أو الموروث ، يزعم ديكارت أن قوانين منطق التوسط تكمن في الفكر ، وأن الله بعيد جدا عن المسرح ، غير أن إنسانا جديدا مثل باسكال محق تماما في الاعتراض والقول بأن هذا ليس إلا مثالا من أمثلة مكر ديكارت وتحايله ، فإله ديكارت يبقى قريبا جدا في الحقيقة : إن الله هو الضمانة في كون القاعدة المتسامية محفورة في أعماق الوعي والفكر بوصفه عنصرا ضروريا شاملا ومؤسسا بصورة مسبقة بالتالي :

 

 

يـرجـى عـدم الــتردد فــي المـبادرة إلـى تـأكيد حقيقة أن الـله هو الـذي أرسى هـذه الـقوانين فـي  الطـبيعة ، ليس ثمة أي نـــاموس لا نستطيع فهمه إذا توجه عقلنا نحو معاينته ، إنها جميعا  مولودة داخليا في عقولنا .

أـما عظـمة الله فلـيست بالمقــابـل إلا قـضية يتــعذر علينا فهـمها حـتى وإن كـنا نعرفها ، تماما كمـا يتحلى أي مـــلك بقـدر أـكبر مـــن الجـلال حين تكون معـرفة رعـاياه به وتآلفهم معه أقل ، شـرط ألا تخـطر ببال أحدهـــــم فـكرة عـدم وجـ

المزيد


إمبراطورية العولمة الجديدة(الجزء الاول)

ديسمبر 6th, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , تقديم كتاب

مايكل هاردت وانطونيو نيغري

البنيان السياسي للحاضر

النظام العالمي

 

إن تدهور سيادة الدولة القومية لا يعني أن السيادة بحد ذاتها تدهورت ، فخلال مسلسل التحولات المعاصرة ، ظلت جملة أشكال التحكم السياسي ، ووظائف الدولة ، وآليات الضبط والتنظيم تحكم دنيا الإنتاج والتبادل على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ، لكن السيادة ارتدت ثوبا جديدا ، مؤلفا من سلسلة من الخيوط القومية وفوق القومية الموحدة في سياق منطق الحكم الواحد ، وهذا الثوب العالمي الجديد للسيادة هو الذي يطلق عليه كل من هاردت ونيغري اسم الإمبراطورية الجديدة أي العولمة .

لقد كانت سيادة الدولة القومية حجر زاوية النظم الإمبريالية التي دأبت القوى الأوروبية عل إقامتها عبر الحقبة الحديثة ، غير أن كلمة إمبراطورية تعني شيئا مختلفا عن كلمة الإمبريالية ، فالحدود التي فرضها نظام الدول القومية الحديثة كانت أساسية بالنسبة إلى الكولونيالية الأوروبية ، وإلى التوسع الاقتصادي ، فالحدود الإقليمية للدولة كانت تعين مركز السلطة الذي يمارس حكم الأقاليم الأجنبية الخارجية عبر منظومة من القنوات والحواجز التي كانت تتناوب في تسهيل تدفق الإنتاج والدوران أو إعاقته ، ولم تكن الإمبريالية في الحقيقة إلا تمددا للدولة القومية الأوروبية إلى ما وراء حدودها الخاصة .

لا يأتي الانتقال إلى الإمبراطورية الجديدة إلا من غسق احتضار السيادة الحديثة ، فعلى النقيض من الإمبريالية ، لا تقوم الإمبراطورية بتأسيس مركز إقليمي للسلطة ، كما لا تعتمد على أية حدود أو حواجز ثابتة ، إنها أداة حكم لا مركزية ولا إقليمية دائبة تدريجيا على احتضان المجال العالمي كله في إطار تخومها المفتوحة .

ففي أثناء إضفاء صفة ما بعد الحداثة على الاقتصاد العالمي يبدو إيجاد الثروة ميالا إلى ما يمكن أن نطلق عليه اسم الإنتاج الحيوي السياسي ، إنتاج الحياة الاجتماعية بالذات ، حيث يتداخل ما هو اقتصادي مع ما هو سياسي وما هو ثقافي أكثر فأكثر ويشكل كل منهما سندا للآخر .

في هذه الأثناء يصر كثيرون على أن السلطة النهائية التي تتحكم بسيرورات العولمة هي بيد الولايات المتحدة ، وإذا كانت الحداثة ظاهرة أوروبية فإن ما بعد الحداثة ظاهرة أمريكية ، وبالتالي فإن الانتقاد الأعنف الذي يستطيع المتقدون توجيهه هو أن الولايات المتحـدة تكرر ممارسات الإمبريالية الأوروبية ، في حين يحتفل المؤيدون بالولايات المتحدة بوصفها زعيمة عالمية أعلى كفاءة وأكثر نزوعا نحو الخير والعدل ، غير أن فرضية المؤلفين في هذا الكتاب تتناقض مع وجهتي النظر السابقتين ، فالولايات المتحدة مثلها مثل أية دولة قومية أخرى لا تستطيع اليوم أن تشكل مركز لأي مشروع إمبريالي ، لقد ولت الإمبريالية إلى غير رجعة ، ما من دولة قادرة أن تصبح زعيمة عالمية مثلما سبق للدول الأوروبية الحديثة أن فعلت .

من المؤكد أن الولايات المتحدة تحتل مكانة مرموقة في الإمبراطورية الجديدة ، غير أن تميزها ليس مستمدا من أوجه شبهها بالقوى الإمبريالية الأوروبية القديمة بل من نقاط تباينها واختلافها عنها ، ونقاط التباين هذه تتجلى لدي تسليط الضوء على الأسس الإمبراطورية لا الإمبريالية الخالصة لتركيبة الولايات المتحدة ، أي المعنى الرسمي للدستور الذي هو الميثاق المكتوب مع سائر تعديلاته ، وأدواته الحقوقية من جهة ومعنى التركيبة المادية ، أي عملية التشكل المستمرة للقوى الاجتماعية من جهة ثانية .

لقد كان كل من توماس جيفرسون مؤلف كتاب الاتحادي وآخرين من مؤسسي الولايات المتحدة على الصعيد النظري الإيديولوجي يستهلون النموذج الإمبراطوري القديم كانوا يؤمنون بأنهم عاكفون على إنشاء إمبراطورية جديدة ذات حدود مفتوحة ، حيث ستكون السلطة موزعة عبر شبكات محددة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي .

إن الردود النظرية على عملية إضفاء الصفة الدستورية على أي سلطة عالمية فوق قومية كانت غير ملائمة كليا ، فبدلا من الاعتراف بما كان جديدا حول هذه السيرورات الفوق قومية ، اكتفى أكثرية المنظرين الحقوقيين بمجرد أحياء نماذج مفارقة تاريخيا والسعي إلى تطبيقها على مشكلات جديدة ، حيث باتت المقارنة الداخلية للدولة القومية الأداة المنهجية في عملية تحليل أشكال النظم على الصعيدين الدولي وفوق القومي ، وكان هناك خطان فكريان في هذه المرحلة الانتقالية : الهوبزية واللوكية

تركز صيغة هوبز في المقام الأول على انتقال حق السيادة ، وتتصور تأسيس الكيان السيادي فوق القومي اتفاقا تعاقديا مستندا إلى اندماج كيانات دول موجودة مسبقا ، ثمة قوة ثالثة متسامية متركزة في يد الجيش هي وحدها القادرة على إنشاء نظام دولي آمن ، وتتغلب على الفوضى التي تنتجها الدول ذات السيادة .

أما حسب صيغة لوك فإن العملية نفسها يجري عكسها بأسلوب يتصف بقدر أكبر من التعددية واللامركزية ، ففي هذا الإطار ما أن يتحقق الانتقال إلى مركز فوق قومي ، حتى تنبثق شبكات قوى مضادة بديلة وفعالة دستوريا لتعارض أو تدعم الشخصية الجديدة للسلطة ، فالمطروح هو ليس آمنا عالميا بمقدار ما هو نزوع تأسيسي دستوري عالمي .

وفي حين أن فرضية هوبز تؤكد العملية التعاقدية التي تتمخض عن سلطة فوق قومية أحادية وفوق قومية جديدة ، فإن فرضية لوك تركز على القوى أو السلطات المضادة التي تنفخ الروح في العملية التأسيسية لجديدة ، وتدعم السلطة فوق القومية ، غير أن السلطة العالمية الجديدة يجري تقديمها في الحالتين كما لو كانت نسخة مجردة عن التصور الكلاسيكي لسلطة السيادة القومية لدى الدول ، فبدلا من الاعتراف بالطبيعة الجديدة للسلطة الإمبراطورية تصر الفرضيتان على الأشكال القديمة الموروثة من صيغ تأسيس الدول ، على الشكل الملكي لدى هوبز ، وعلى الشكل الليبرالي لدى لوك .

ترفض كثرة من المنظرين المعاصرين الاعتراف بأن عولمة الإنتاج الرأسمالي وسوقه العالمية شكلت جذريا حالة جديدة ، فهم يرون أن الرأسمالية كانت على الدوام منذ وجودها تعمل بوصفها اقتصادا عالميا ، لكن والكلام لهاردت ونيغري من المهم تأكيد علاقة الرأسمالية الأساسية المستمرة بالسوق العالمية من جهة ودورات الرأسمالية التطورية المتسعة من جهة ثانية ، غير أن إيلاء الاهتمام المناسب للأبعاد الشاملة والتعميمية الأصيلة المتجذرة للتطور الرأسمالي لا يجوز أن يعمينا عن الثورة الحاصلة على صعيد الإنتاج الرأسمالي المعاصر ، وعلاقات القوة العالمية الراهنة ، فهذا التحول يمكن المشروع الرأسمالي من الجمع بين السلطتين السياسية والاقتصادية .

ثمة منظرون آخرون يأبون الاعتراف بوجود أي تحول كبير في علاقات القوة والسلطة على الصعيد العالمي ، لأنهم يرون أن الدول القومية الرأسمالية بقيت مستمرة في ممارسة التحكم الإمبريالي بالأمم والأقاليم الأخرى في العالم ، غير أنه حسب المؤلفين من المهم ملاحظة أن ما درج أن يكون صراعا بين مجموعة من القوى الإمبريالية ، قد حل محله فكرة قوة وحيدة محلهما تتولى تحديد مصائرهما جميعا ، وتتعامل معها من منطلق فكرة مشتركة واحدة عن الحق هي فكرة تنتمي إلى ما بعد الكولونيالية وما بعد الإمبريالية .

لمقاربة مفهوم الإمبراطورية ( العولمة الجديدة ) الحقوقي ، يمكننا أن ننظر أولا إلى أصل المفهوم ، يهبط إلينا المفهوم عبر تراث عريق أوروبي بالدرجة الأولى ، يعود إلى روما القديمة ، حيث كان المركز السياسي – الحقوقي للإمبراطورية يوحد المقولات الحقوقية ، والقيم الأخلاقية الكونية الشاملة  .

من البداية تقوم الإمبراطورية بإطلاق آلية أخلاقية – سياسية كامنة في صلب مفهومها الحقوقي ، وهذا المفهوم الحقوقي ينطوي على توجهين أساسيين : يتمثل الأول بفكرة حق تأكد في عملية تأسيس نظام جديد يحتضن فضاء كل ما يعتبره حضارة ، فضاء كونيا شاملا ، ويعبر الثاني عن فكرة حق يحيط بالزمن كله داخل إطار قاعدته الأخلاقية .

في التراث الجرماني – الروماني تعايشت فكرتا الحق هاتان جنبا إلى جنب ، غير أنهما بدءا بعصر النهضة ومع انتصار العلمانية ما لبثا أن انفصلتا ، وراحت كل منهما تتطور بصورة مستقلة عن الأخرى ، فمن جهة ظهر في الفكر السياسي الأوروبي الحديث تصور لحق دولي ، ومن جهة ثانية تطورت نظريات طوباوية عن سلام أبدي .

في الحالة لأولى كان يتم السعي إلى الإمساك بالنظام الذي كانت الإمبراطورية الرومانية قد وعدت به بعد سقوطها بزمن طويل ، عن طريق اجتراح آليات تعاهدية تكفل النظام داخل الدولة القومية ومجتمعها المدني ، ثمة جيش من المفكرين من غروتيوس إلى بوفندروف نظروا لهذه العملية بصياغات رسمية ، أما في الحالة الثانية فإن فكرة السلام السرمدي ظلت تعود إلى الظهور على امتداد أوروبا الحديثة ، من بيير إلى كانط .

هل يصح الزعم إذن أن هذين التطورين المختلفين لفكرة الحق اللذين تعايشا جنبا إلى جنب عبر قرون الحداثة ، باتا ليوم أميل إلى التوحد ؟ نشك في أن تكون الحال هي هذه في الحقيقة ، أي في أن فكرة الحق فيما بعد الحداثة يجب فهمها مجددا من منطلق مفهوم الإمبراطورية ، غير أننا نستطيع أن نتعرف على بعض الأعراض الد

المزيد


التربية على المواطنية تأليف :أدونيس العكر

أكتوبر 22nd, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , المواطنة وحقوق الانسان, تقديم كتاب, وثائق

                 

 

 

مؤلف هذا الكتاب الدكتور أدونيس العكرة، باحث وأكاديمي لبناني، يعمل مدرّسا في كلية الفلسفة، ويشرف على قسم البحوث والدراسات في التيار الوطني الحر. له عدد من المؤلفات، منها: «من الدبلوماسية إلى الاستراتيجية ـ أمثولات من الحرب الباردة « و» الإرهاب السياسي ـ بحث في أصول الظاهرة وأبعادها الإنسانية « و» عندما صار اسمي 16 ـ خمسة عشر يوما في الاعتقال. كما أعدّ المؤلفات الكاملة (الروائية والفلسفية) لفرح أنطون، وترجم «هيغل والهيغلية» لرينيه سترو. يحتوي الكتاب على مقدمة، وخمسة فصول، ودراستين تطبيقيتين، وخاتمة، ومسرد بالمراجع والمصادر العربية والفرنسية ذات الصلة بموضوع البحث.

يشير الباحث في المقدمة إلى أن مفهوم «المواطن» يشكّل ركيزة من الركائز النظرية للنظم الديمقراطية التي تنتهجها الدول الحديثة، ومستندا عمليا للسلوك الإنساني في الجماعة داخل الدولة. لكن « المواطنية» ـ كما يرى ـ ليست حالة طبيعية معطاة بحيث تولد مع الإنسان بالفطرة، بل هي مجموعة من الخصائص والصفات التي يكتسبها بالتربية والتعليم والممارسة. فهي مشروع تربوي ومكوّن رئيس من مكوّنات النظم التربوية في الدول الديمقراطية، تقوم بدور لا غنى عنه في تكوين الروابط المدنية التي تبنى عليها هذه الدول.

والهدف الاستراتيجي من التربية على المواطنية ـ في رأيه ـ هو تأمين الشروط الكافية لتكوين مواطن مسؤول، ذاتي التصرّف والسلوك، ومتمكّن من المشاركة في الحياة الاجتماعية والمهنية داخل الجماعة، ومن ممارسة التفكير النقدي المستقل فيها.

جاء الفصل الأول تحت عنوان: «توضيحات تمهيدية» حدّد الباحث من خلاله مفاهيم: «التربية الوطنية» و«التربية المدنية» و«التربية على المواطنية» والفروق بين كل منها. فرأى أن التربية الوطنية ترتكز على محورين هما: الوطن والإنسان المنتمي إليه. وهي تركّز على مفهوم الوطن المنظور إليه من زاوية المكان، أو الأرض التي تقطنها الجماعة البشرية وتنتسب إليها، مع ما يتولّد عن ذلك من شعور وعواطف لدى الإنسان. أما «التربية المدنية» فتستند إلى مفهوم الوطن المنظور إليه من زاوية هيكليته المؤسسية وتنظيم العلاقات القائمة في داخله بين الأفراد والمجموعات على مبدأ الحقوق والواجبات، مع ما يستوجب ذلك من سلوك وتصرّفات وممارسات والتزامات لدى المواطن. فهي ترتكز على مفهوم المجتمع المدني وتنطلق منه.

أما مفهوم «التربية ع

المزيد