ميسون جادالله اليعقوب
إصدار بإشراف :
الدكتور عماد فوزي شُعيبي
رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية
المحتوى
• مقدمة
أولاً: المدخل
أ- الإرثان اليوناني والروماني.
ب- مدخل تعريفي إلى نيقولا ميكافللي.
• الفصل الأول : المفاهيم السياسية عند ميكافللي
أولاً: الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدول إيطاليا.
ثانياً: مفهوم الضرورة.
ثالثاً: الحيلة والقوة.
رابعاً: الفساد والطبيعة البشرية.
خامساً: النزاع القطبي بين الفضائل الأخلاقية والفضائل السياسية .
• الفصل الثاني : التقانة والمنهج السياسي عند ميكافللي
أولاً: التقانة كمنظومة غير مغلقة.
ثانياً: مراحل الدولة وتطورات التقانة السياسية.
أ- مرحلة التأسيس والتوطيد
ب- الخروج من الدولة المحض غائية إلى الدولة الحديثة.
ثالثاًَ: الدور الديني والتربوي والدعائي للحكم السياسي.
• الفصل الثالث : مكانة ميكافللي
أولاً: أثر ميكافللي في الفكر السياسي الحديث والمعاصر.
ثانياً: النقد الموجه لميكافللي والرد عليه.
• الخاتمة.
المقـدمـة
إن إشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة كانت ولا تزال إحدى أهم المحاور في صراع الفكر الإنساني. وهذه العلاقة الإشكالية التي تعيش حالة دائمة من التناسب الطردي مع الحراك الاجتماعي والسياسي هي ما دفع العديد من المفكرين للاهتمام بدراسة طبيعة العلاقة يبن هذين الركنين. وبحثنا هذا جهد متواضع سعينا فيه للوقوف على مدى الارتباط و التنازع بين ركني الأخلاق والسياسة لدى واحد من أهم المفكرين السياسيين في القرن السادس عشر هو ميكافللي.
ولذلك كان لابد من طرح العديد من التساؤلات حتى نتمكن من إيضاح المبررات التي دفعت ميكافللي إلى إقصاء الأصل الميتامورالي عن السياسة وجعلها من اختصاص العقل البشري وحده.
وكان لابد لنا بداية من إيضاح أهم المفاهيم السياسية التي شكلت نواة الميكافللية. وانطلقنا بعدها للبحث عن الفوارق بين عالمي السياسة والأخلاق من وجهة نظر ميكافللي, ومبررات ذلك, فضلاً عن الكيفية التي عالج بها هذه المسألة, انطلاقاً إلى تحديد الصفات التي يجب على الرجل السياسي أن يتمتع بها حتى يستطيع قيادة دولته, بالإضافة إلى تحديد الوسائل التي سعى ميكافللي إلى تركيز اهتمامه عليها, وما مدى مشروعيتها من الناحية الأخلاقية, وهل أهمل ميكافللي حقاً ما يسعى إليه من أهداف حين كان تركيزه منصباً على الوسائل, وما مبرراته لذلك؟
وإذا كان ميكافللي قد بحث عن أفضل الوسائل للاستيلاء على السلطة, والحفاظ عليها, وتأمين استمراريتها فما هي القواعد التي يقدمها للحكام بصورة عامة ؟ وهل تشكل الدولة لديه كائناً دائماً أزلياً أم أنها شيء مؤقت دنيوي يعتريها التلف والدمار؟ وإذا كان الأمر كذلك, فما هي العيوب الطارئة على مؤسسات الدولة حسب رأي ميكافللي؟ وكيف عمد ميكافللي إلى وضع الأسس الضرورية لتلافي هذه العيوب؟
وكيف عالج مشكلة فساد أجهزة الدولة ومؤسساتها؟ من خلال علاقتها بفساد الفضائل السياسية للحكام السياسيين التي من شأنها أن تسهم في الحد من إصلاح أجهزة الدولة.
وكذلك كان لابد لنا من البحث عن الدور الذي يؤديه كل من الدين والدعاية والتربية في العمل السياسي. وكيف سعى ميكافللي إلى توظيف كلٍ منهم بما يخدم العمل السياسي.
وأخيراً: كان لابد لنا من استعراض النقد الموجه إلى ميكافللي, وأسبابه والرد عليه قدر الإمكان.
وقد قُدمت دراسات كثيرة ناقشت أهم الأفكار التي عرضها ميكافللي في مؤلفاته ومنها:
1- دراسة لحازم صاغية بعنوان ميكافلليطرح فيها فكر ميكافللي السياسي ومنظوره للطبيعة البشرية وعمل على إيضاح الفارق القائم بين الأمير والمطارحات وأهدافه في كلٍ منها متطرقاً لإشكالية العلاقة بين الأخلاق والسياسة لديه.
2- دراسة لعماد شعيبي بعنوان من دولة الإكراه إلى دولة الديمقراطية امتازت برؤية جديدة لميكافللية عصرية تمحورت حول إشكالية الدولة ومراحلها الأساسية, والتي تحمل في ثناياها عناصر تقدمها. مؤكداً استقلال قطاع الأخلاق عن قطاع السياسة انطلاقاً من نظرة موضوعية لطبيعة العلاقات السياسية والدولية.
3- دراسة لطفي جمعة, فاروق سعد, علي الجوهري الذين قاموا بترجمة كتاب الأمير، وكذلك خيري حماد الذي ترجم كتاب المطارحات.
4- دراسة بعنوان الميكافللية وداعي المصلحة العليا لميشيل سينلار والتي ترجمها أسامة الحاج يعرض فيها فكرة داعي المصلحة العليا وهل كانت مفهوماً ميكافللياً أم لا. ويعرض لبعض المفاهيم الميكافللية.
5- دراسة فرديك الثاني ملك بروسيا بعنوان الرد على ميكافللي يتناول فيها الرد على القضايا التي تطرحها فصول الأمير.
6- دراسات متعددة في اللغة الإنكليزية قامت بتوجيه النقد للفكر الميكافللي أو الدفاع عنه كدراسة جاك مارتين بعنوان نهاية الميكافللية يتحدث فيها عن انهيار الميكافللية وموتها، ويميز بين نوعين من الميكافللية, ودراسة لـ روث كرانت بعنـوان الاستقامة والنفاق يتحـدث فيها عن الـدور الإيجابي الذي يلعبه النفاق في العمل السيـاسي بالنسبة لميكافللي, ودراسـة كلي روس تحت عنوان ميكافللي والمـأزق الأخلاقي لفن الحكم يتحدث فيها عن طبيعة الدولة عند ميكافللي وفيها يدافع عن سياسة ميكافللي.
وقد انقسم بحثنا إلى ثلاثة فصول إضافة إلى المدخل الذي تناول أهم ما قدمه الإرثان اليوناني والروماني في مجال الفكر السياسي, والتعريف بميكافللي
والفصل الأول تحت عنوان : المفاهيم السياسية عند ميكافللي ويتضمن المباحث الآتية:
أولاً– الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لدول إيطاليا.
ثانياً– مفهوم الضرورة المرتبط بصورة لصيقة بالواقع المتغير والمتبدل وقد استعرضنا فيه عن نوعية الوسائل الضرورية الواجب استخدامها في مواجهة المتغيرات السياسية الطارئة في حالات الدولة المختلفة, سواء أكانت المحتلة بواسطة الأسلحة الخاصة أوالمكتسبة بمساعد الحظ والقدر, أو عن طريق وسائل غير المشروعة ,أم برضا المواطنين, وأخيراً الدول ذات الطابع الديني.
ثالثاً – مفهوم الحيلة والقوة :وفيه طرحنا علاقة كلٍ منهما بالآخر, وتناولنا الفروق القائمة بينهما, ووسائل كل منهما, والمستويات والظروف التي تستخدم فيها كل من الحيلة والقوة وموقعهما من الناحية الأخلاقية.
رابعاً– مفهوم الفساد والطبيعة البشـرية : تطرقنـا فيه إلى نوعين من الفسـاد : الفسـاد
التنظيمي والفسـاد المتعلق بالفضـائل السـياسية للحكام والمشـرفين على إدارة
الدولة وعلاقة كل منهما بالآخر, وأسباب الفسـاد بشقيـه وكيفية درء حدوثهِ.
خامساً– مسألة النزاع بين الفضائل السيـاسية والفضـائل الأخلاقيـة حيث ناقشـنا تحت هذا العنوان ذلك مجموعة من الفضائل التي طـرحها ميكافللي من النـاحية السياسيـة مثل فضيلة الكرم, والخوف والكراهية, والنفاق أو التظاهر, والقـوة والكيفية التي تستخدم فيهـا هذه الفضائل من خلال إبراز الفروقـات الواضحة بين اسـتخدام الفضائل الأخلاقيـة والفضـائل السـياسية في إطار الحقل السـياسي, وإبراز الإيجابيات والسلبيات الناجمة عنها والضرورات الدافعة لذلك.
أما الفصل الثاني : فجاء تحت عنوان التقانة والمنهج السياسي عند ميكافللي وقد تضمن المباحث الآتبة :
أولاً : التقانة كمنظومة غير مغلقة : طرحنا العلاقة القائمة بين التقانات المستخدمة في العمل السياسي والغايات المرجوة من الناحية السياسية , وأسباب تركيز ميكافللي على العناية بالتقانات السياسية دون إهمال الأهداف المتوخاة.
ثانياً : مراحل الدولة وتطورات التقانة السياسية : وقد استعرضنا مرحلتي التأسيس والتوطيد وتطرقنا إلى الشروط الأساسية التي يستخدمها السياسي في كل مرحلة والعقبات التي تواجه هذه المراحل. وعرضنا أيضاً موضوع سياسة الدولة الخارجية والداخلية, وهل يتقدم أحدهما على الآخر عند ميكافللي أم هما على السوية نفسها من الأهمية؟ وما هي استثناءات تقدم إحدى السياستين على الأخرى لديه ؟!
كما استعرضنا دعوة ميكافللي إلى إصلاح الدولة وتحديثها. مع ربط هذه الدعوة بموضوع تعيين المناصب والاهتمام بالكفاءات, وعرضنا الكيفية التي تتم فيها هذه العملية سواء أكان ذلك في الدولة الفاسدة أم الدولة الصالحة, وأبرزنا الفوارق بين الحالتين.
ثالثاً: الدور الديني والتربوي والدعائي للحكم السياسي: وتحدثنا عن الدور الإيجابي والسلبي الذي يؤديه الدين في السياسة, وموقف ميكافللي من الكنيسة والدين وانعكاسات ذلك على الدور التربوي والدعائي في إطار الحقل السياسي.
أخيراً الفصل الثالث : تحت عنوان مكانة ميكافللي وهو يتضمن العناوين التالية :
أولاً : أثر ميكافللي في الفكر السياسي الحديث والمعاصر : تطرقنا لأثر ميكافللي عند بعض الفلاسفة أمثال هوبز، روسو، لوك، هيغل، ماركس وبعض المفكرين السياسيين الآخرين.
ثانياً : النقد الموجه لميكافللي والرد عليه :عرضنا فيه النقد الموجه لميكافللي الذي انصب حول عدة نقاط تبدأ من النقد الأخلاقي لـه وإعلاءه من شأن القوة وجعله فكرة الحرب وسيلة للحكم.
اولاً: المدخل
أ- الإرثان اليوناني والروماني.
ب- مدخل تعريفي إلى نيقولا ميكافللي.
أولا: المدخل
آ- الإرثان اليوناني والروماني:
كان التسليم بقوانين الدولة في اليونان القديمة عاماً ومطلقاً, بصفتها جوهرية, وجامدة لا يمكن مناقشتها. ثم جاء السفسطائيون, ليكونوا أول من يثير نقاط الجدل حول علاقة الأخلاق بالسياسة في الفكر اليوناني القديم. وقد تجلى إسهامهم في المحاورة الشهيرة التي قدمها أفلاطون في كتابه الجمهورية بين ثراسيماخوس وسقراط, التي شكلت الصيغة الكلاسيكية للتناقض بين عالمي السياسة والأخلاق.
فقد قدم ثراسيماخوس تعريفاً جديداً للعدالة يختلف عما كان سائداً في الفكر اليوناني, لذا أعتُبر رأيه معارضاً لما هو متعارف عليه من أن: العدالة ليست العمل إلاّ بمقتضى الأقوى (1).
لقد رأى السفسطائيون أنه من السخف أن يعيش الإنسان عبداً لغيره, تطبيقاً لقوانين يمتلك حق وضعها من يمتلك القوة، وليس من يقدم العدالة. يقول محمد العربي في ذلك:
إن السفسطائيين عدُّوا أن القوانين الوضعية السائدة قد سنَّت لتحقيق أهداف واضعيها, ومن ثم يجب على الفرد العاقل أن يحاول تجنب العمل وفق القوانين الوضعية (2),فقد عبرت نظرية ثراسيماخوس عما هو كائن بالفعل آنذاك إذ كانت دولة اليونان تعزز التفرقة السائدة بين اليوناني والعبد وأباحت استرقاق غير اليونانيين.
وقد وصف ثراسيماخوس في حواره مع سقراط التناقض بين السياسة والأخلاق في دولة الإغريق القديمة المالكة للعبيد, وبيّن في حواره عقم ما يسميه العامة العدالة وغموضه في ظل العلاقات الاجتماعية السائدة (3).
وهنا واجه سقراط السفسطائيين، ونبّه إلى خطورة مثل هذا الرأي على استقرار الدولة لأنه قد يؤدي إلى فردية متطرفة, لاسيما إذا ما طبق في مجال الأخلاق، التي ستصبح في نظره متغيرة بتغير الزمان والمكان.
وهكذا أصبح التناقض واضحاً بين عالمي السياسة والأخلاق على يد السفسطائيين الذين يؤكدون على أن العدالة في الفكر السياسي اليوناني هي عدالة تابعة للسلطة العامة, والقوة هي الضامن الوحيد في مواجهة الفناء. وإذا صح ذلك, فسوف ينجم عنه اختلاف في القوانين الوضعية باختلاف واضعيها, واختلاف الدساتير المنبثقة عنها بالضرورة.
وفي مقابل هذه النسبية المتغيرة, جاء سقراط وتلميذه أفلاطون بفلسفة مثالية تقدم الوجه الآخر المعارض لفلسفة السفسطائيين؛ إذ يؤكد كل منهما على أن القيم الأخلاقية موجودة وجوداً ثابتاً لا يتغير, ومنها تنطلق كافة القوانين والأنظمة. هكذا يربط سقراط بين الأخلاق والسياسة ويوحد بينهما, مقدّساً القانون بصفته باعتباره هدفاً أسمى, ومحارباً الأخلاق النسبية المتغيرة.
وقد ميز سقراط بين القوانين غير المكتوبة الإلهية, وبين القوانين المكتوبة البشرية؛ وعاداً القوانين الإلهية, بأنها كلية وشاملة ومن صنع الآلهة، حيث نقشت في قلوب الناس. أما القوانين البشرية فهي صورة أو أنموذج من القوانين الإلهية غير المكتوبة, وهكذا يعيد سقراط للقوانين قدسيتها, تلك القدسية التي نال منها السفسطائيون(1).
لذلك,فإن سقراط يرى أن مصالح الأفراد لا بد من أن تتفق مع الصالح العام للمجموع, لأن الخير الفردي لا يمكن أن ينفصل عن الخير العام. ولذلك فإن قيمة الأخلاق والقوانين هي من أعلى القيم. وبذلك يهدم سقراط مبدأ المنفعة الشخصية والسيادة للأقوى(2)
ثم جاء أفلاطون ليكمل ما بدأه سقراط, فأكد بدوره على ارتباط الأخلاق والسياسة, وعلى ارتباط الإنسان الأخلاقي بالإنسان السياسي, معتبراً أن الدولة هي التي تمثل الخير الأعلى.
وهذا الخير متمثل بالعدالة سواء أكانت المدنية أم الفردية، ولذا يكفي الإنسان معرفته بالقيم الأخلاقية, لكي يسلك سلوكاً فاضلاً في نظام سياسي معين(3).
وهنا نلاحظ أن أفلاطون جمع بين الأخلاق الفردية والسياسة في كلمة العدالة التي إذا ما تحققت عند الفرد كونت منه فرداً صالحاً, وإذا ما تحققت في الدولة شكلت دولة فاضلة. وبذلك تظهر فكرة العدالة على أنها فضيلة خاصة وعامة، تهدف إلى تحقيق الخير الأعلى للدولة وللأعضاء على السواء.
لكن التساؤل المطروح هو: ماذا تعني كلمة عدالة عند أفلاطون؟ هل يقصد بها معنى قانونياً محدداً ؟
إن أفلاطون حين استخدم كلمة عدالة لم يقصد بها معنى قانونياً محدداً, بل أراد المحافظة على الأوضاع السائدة كما هي؛ كل على حسب انتمائه الطبقي, ووضعه الاجتماعي الذي منحته إياه الطبيعة, دون أن تطغى فئة على فئة أخرى. وهكذا تصبح العدالة فضيلة أكثر منها قانوناً.
ذلك أن المعنى الذي قصده أفلاطون كان معنى أخلاقياً لا سياسياً؛ أي إنها التزام بنظام الجماعة الذي يتوجب فيه على الأفراد المحافظة على استقرار الأوضاع القائمة كما هي باعتباره أمراً طبيعياً. وهـذا الوضع الطبيعي يعني بالضرورة صالح الدولة واستقرارها.
وبهذا يرى أفلاطون أن على كل فرد أن يكون لـه عمل على حسب قدرته الطبيعية. فالعدالة تتمثل في انصراف كل إنسان لشأنه, وعدم تدخله فيما لا يعنيه، فالوضع الطبيعي والمنطقي هو أن ينقسم أفراد المجتمع إلى طوائف، وطبقات، وكل طائفة تقوم بعملها(1).
إذن لا تعني العدالة عند أفلاطون سوى تحقيق تجانس الدولة في إطار الحفاظ على النظام الطبقي السائد.
ثم جاء أرسطو متبنياً آراء أستاذه أفلاطون, وكان لـه دوره في الدفاع عن العدالة المرتبطة باستقرار الأوضاع السائدة. وقد توافقت الغاية المثلى للسياسة عند أرسطو مع الغاية والمثل الأعلى لأفلاطون من حيث إيجاد هدف أخلاقي للدولة, وهـذا الهدف الأخلاقي مرتبط باستقرار الأوضاع السائدة.
وقد عدّ أرسطو الدولة فوق العائلة وفوق الأفراد؛ حين أكد على أهمية سيادة الدولة الدستورية التي تستمد مزاياها من المزايا الأخلاقية ويعبر جورج سباين عن ذلك بقوله:
إن الحكومة الدستورية عند أرسطو, هي التي تعمل على ربط الأخلاق بالسياسة, ويتفق أفلاطون مع أرسطو في تفضيله الدولة التي يسودها القانون(1).
غير أن أرسطو يرى أن الدولة الصالحة يجب أن تحكم وفق القانون. ولكن هذا لا يعني أن كل دولة تحكم وفق القانون هي دولة صالحة بالضرورة.
ففي الحديث عن الدولة الدستورية لديه, نجد أن الحكومات تضع دساتيراً وقوانيناً توافق طبيعتها, فصلاحية القانون أو عدم صلاحيته تعود إلى طبيعة الحكومات إن كانت صالحة أم سيئة؟ يقول أرسطو:
ما دامت الدولة نوعا من الاجتماع؛ أي اجتماع أناس خاضعة لدستور ما فإذا ما تغير هذا الدستور وتعدلت صورته ينتج ضرورة أن الدولة لا تبقى على ما هي(2)
وعلى الرغم من ذلك، فإن أرسطو يؤكد على أهمية سيادة الدولة القانونية.
هنا تبدو علاقة الأخلاق بالسياسة علاقة متغيرة ونسبية بحسب تغيير الحكومات السائدة، وهذه تقوم بوضع القوانين التي ربما تكون صالحة أو سيئة, تبعاً لسوء أو صلاح الحكومات. كما تبدو مسألة الربط بين الأخلاق والسياسة مسألة جديرة بالاهتمام والملاحظة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ رأى أرسطو أيضاً أن الدولة تضم سادة وعبيداً, وتعتبر العبيد من المتاع الذي يملكه السادة, فأرسطو يبيح نظام الرق، ومبرره في ذلك أن الطبيعة لم تساوِ بين البشر(3).
ونخلص إلى القول : بأنه رغم ارتباط الفكر السياسي اليوناني الوثيق بالأخلاق, نلاحظ أن هذا الارتباط جاء لصالح الدولة لا الشعب, وخاصة الأرقاء منهم بسبب تكريس أفلاطون وتلميذه أرسطو لنظام العبودية, مما يؤدي إلى تعزيز التفاوت الطبقي وإلغاء المساواة والحرية، فالعدالة اليونانية هي عدالة تابعة للسلطة السياسية.
وبذلك نصل إلى نقطة الخلاف التي أثارها ثراسيماخوس في أثناء حواره مع سقراط باعتبار العدالة قيمة أخلاقية تختلف عن عدالة النظام السياسي, وهنا يظهر بوضوح التناقض بين عالم السياسة وعالم الأخلاق.
وإذا ما انتقلنا إلى ما قدمه المفكرون الرومان في مجال الفكر السياسي, فإننا نلاحظ مدى تأثر الفكر السياسي الروماني بالفكر السياسي اليوناني، لأن مفكري السياسة الرومان, لم يرتقوا إلى مكانة فلاسفة اليونان السياسية.
لقد أعطى الرومان أولوية كبرى إلى العمل السياسي المرتبط بالنجاح والإنجاز المادي, والذي أسهم في تحقيق عظمة روما، يقول صاحب النظم السياسية :
أقامت روما نفسها وصية بالقوة على الإنسانية, واستخدمت الوسائل المستحسنة والمستهجنة لإدراك غايتها, وبذلك نجح الرومان على عكس اليونان- بالرغم من أصالة حضارتهم وعلو شأنهم - في مجال الفكر السياسي (1).
و مع ذلك, فقد ظهر العديد من المفكرين السياسيين في روما, على رأسهم بوليبيوس, وشيشرون. وكان بوليبيوس كاتباً سياسياً, ورجل حرب, ومؤرخاً يؤكد على أن أحداث التاريخ هي المعلم الأول للسياسة. فقد بهرته عظمة الإمبراطورية الرومانية, وعظمة دستورها الذي حقق لها النجاح الساحق, معتبراً أنه من أفضل الدساتير، وأوفاها بالغرض المطلوب، قد أكدّ على أن نجاح الدولة مرتبط بنظامها.
وجاء على لسان بوليبيوس قوله : كانت الأشكال الثلاثة للحكم ممزوجة فيه بإنصاف، حيث كان كل شخص, حتى من بين الرومانيين, لم يكن يستطيع القول هل الدستور أرستقراطي أم ديمقراطي أم ملكي(2)
واستعان بوليبيوس بالتاريخ, وهاجم جمهورية أفلاطون المثالية مؤكداً أن الواقع التاريخي هو المحرك الأساسي, جاعلاً من السياسة ضرباً من التجريب القائم على قاعدة النجاح والظفر.(3)
فيكون النجاح هو قاعدة السياسة الرئيسية, بينما يختفي علم الأخلاق منها, وبذلك يقصي بوليبيوس اتصال الأخلاق بالسياسة.
وتأثر شيشرون تأثراً كبيراً ببوليبيوس حين شاركه إعجابه بدستور روما, وأشاد بالنظام الذي اتبعته روما لتصل إلى ذروة المجد.
وأكد شيشرون أن مساهمة روما في الحقل السياسي كان منصباً على القانون وعلى الناحية التنفيذية. ولقد تكيف القانون الروماني مع المتغيرات والتوسعات التي حدثت في روما تدريجياً حتى أصبحت إمبراطورية مترامية الأطراف (1).
لقد آمن شيشرون بالقانون وبدوره الأساسي, غير أنه اعتبر القانون الصحيح هو القانون الذي ينطبق ويتوافق مع العقل. وبما أن مصدره العقل الإنساني, فهو لا يمكن أن يحمل أي تناقض. وهو قانون يفرض نفسه بصورة دائمة (2).
إن ما قدمه كل من بوليبيوس, وشيشرون, وغيرهما, ساهم في إغناء الفكر السياسي بشكل عام, والروماني بشكل خاص. لأن الفكر السياسي الروماني أسهم بوضع اللبنات الأساسية للفكر السياسي المبني على أسس تجريبية, والذي لن تكون له قاعدة سوى النجاح والظفر, عندما جعل اهتمام الفكر السياسي منصباً على الناحية التنفيذية المرتبطة بالواقع, والمتكيفة مع التغييرات الطارئة.
وبقي علم السياسة مرتبطاً بالأخلاق عبر عصور الأديان المسيحية منها والإسلامية, وقد برز من فلاسفة المسيحية: توما الاكويني الذي ضمنت فلسفته السياسية أن السلطة السياسية هي صورة للقانون الخالد الصادر عن الله.
أما أبرز فلاسفة العرب فكان ابن خلدون الذي وجد أن أحد العوامل الأساسية لقيام الدولة هي العصبية القبلية. فالبدو هم الأصل في كل أمة، وهم أقرب للخير، والشجاعة، والإقدام، والبسالة، من أهل الحضر .
وغاية العصبية القبلية هي المُلك، ومن علامات المُلك التنافس في الخلال الحميدة التي تناسب السياسة والمُلك. والإنسان من حيث هو إنسان أقرب للخير، ولذلك استحق المُلك والسياسة ، لأن الخير هو المناسب للسياسة وغايتها القصوى .
وبما أن أصل المجد ومنبته في العصبية القبلية وفرع يتممه هو الخلال الحميدة. فمن اكتسب خلال الخير المناسبة كالصبر، والوفاء بالعهد، وتعظيم الشريعة وحسن الظن، وإجلال أهل الدين وإنصاف المستضعفين، وإحقاق العدل، وحفظ العهد، والبعد عن المكر والخديعة …. الخ التي تشكل خلق السياسة عند ابن خلدون استحق المُلك .
ولكن العرب لا يحصل لهم المُلك إلا بوجود عقيدة دينية ، ذلك إن خلق التوحش، والخشونة، والمنافسة، والكبر، جعلت منهم أصعب الأمم انقياداً واتباعاً.
فالمُلك يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية القبلية، ولكن توحيدهم وتأليف قلوبهم لا يكون إلا بمعونة من الله، فكان الدين الوازع لهم من أنفسهم ليسهل انقيادهم ويذهب خلق الكبر والمنافسة.
فالدعوة الدينية إذن تزيد بدورها من قوة العصبية، ولكن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم كأساس المُلك، فالعمران البشري لابد لـه من سياسة ينتظم بها أمره، وهي على شكلين :
الأول : ما يسير على سياسة عقلية.
والثاني : ما يكون محكوماً بسياسة دينية وهي أفضل من الأولى.
فالدولة عند ابن خلدون جزء لا يتجزأ من النظام الإلهي، والهدف الجوهري لوجودها حفظ أمن المجتمع ليتمكن الناس من العيش والإنتاج. والسياسة والمُلك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتطبيق أحكامه وشرائعه وإحقاق العدل الذي جعل الله له قيّماً المُلك.
أما علامات عوائق المُلك: فهي حصول الترف، وانغماس القبيل في النغم، والمذلة، والانقياد، التي يكون بها ذهاب العصبية. فاتجاه الدولة نحو التحضر والميل إلى الترف، والانكباب على الشهوات، وازدياد الشجع والطمع، والظلم، كل هذا مؤذن بخراب العمران. فالحضارة هي نهاية العمران البشري وخروجه إلى الفساد، لأن الترف والوداعة مفسدة للخلق وبها ذهاب البداوة التي يكون بها المُلك( ) .
وأخيراً فإننا نلحظ الربط الواضح بين الأخلاق والسياسة عند ابن خلدون حيث انه ربط وجود الدولة بشرط أساسي وهو العصبية القبلية كأساس لقيامها لأن أهلها أقرب إلى الخلال الكريمة، والمُلك هو غاية لها. وبه يكون الخير وهو تحقيق للنظام الإلهي في العالم الذي يكفل للناس سلامة العوائد والخلق، والعدل الذي يقوم به العمران البشري .
هكذا أسهم الفلاسفة السياسيون في وضع البنى الأساسية لعلم السياسة. وإذا كان هذا العلم في العصور القديمة يبدأ مع أرسطو، فإن دراسة هذا العلم في العصور الحديثة تبدأ مع ميكافللي( )
من هنا كان لابد لنا من التعريف بميكافللي كأحد المفكرين السياسيين المهمين في العصور الحدي













