البرلمان د/ علي الصاوي

سبتمبر 11th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الأول

نشـأة البرلمــان وتطوره


1- ماذا يعنى البرلمان؟
هناك طريقتان للإجابة على هذا السؤال، الأولى هى النظر الى البرلمان كأسلوب لمشاركة المواطنين فى الحياة السياسية، والثانية هى اعتبار البرلمان مؤسسة هامة من مؤسسات المجتمع الديمقراطى الذى يقوم على حرية المشاركة السياسية والتعددية الحزبية.
وفى الحقيقة، فإن كلا المعنيين يكمل الآخر، ولكنهما غير متلازمين. فمشاركة المواطنين فى الحياة السياسية قد تأخذ صورا متعددة، حسب الظروف الثقافية والتقاليد الاجتماعية وطبيعة الدولة. وسيصدر كتاب آخر فى هذه السلسلة يوضح معنى المشاركة السياسية .
وبرغم أن أهم وأحدث صور تلك المشاركة هى اختيار المواطنين مجموعة من النواب الذين يمثلونهم ويعبرون عن آرائهم، أى تكوين البرلمانات المنتخبة، إلا أن بعض المجتمعات قد تلجأ الى أساليب أخرى لذلك، فقد لا يوجد بها برلمان منتخب وإنما تقوم بتشكيل مجالس استشارية تضم مجموعة من القيادات الاجتماعية والرموز والشخصيات العامة بغرض التشاور معهم فى شئون الحكم.
وقد انتشرت البرلمانات المنتخبة فى العالم المعاصر، وتطورت الى درجة كبيرة، وأصبح البرلمان مؤسسة سياسية كبيرة فى الكثير من الدول، وازداد حجمه ليضم مجلسين، وأصبح يقوم بوظائف متعددة، أبرزها وضع القوانين والتشريعات، والرقابة على أعمال الحكومة، والتأثير فى الشئون السياسية الإقليمية والدولية.
بعبارة أخرى، فقد عرفت مختلف المجتمعات تلك النواة الأولى للبرلمان، وهى مناقشة الشئون العامة وقضايا الحكم بطريقة جماعية.
وقد تطور إسم البرلمان مع تطور وظائفه وتزايد دوره فى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فبعد أن كان مجلسا شكليا، عبارة عن مجلس للأعيان أو كبار الملاك، أصبح هيئة شعبية وتشريعية، تمثل مجموع المواطنين.
فعند نشأة البرلمان كانت وظيفته إتاحة الفرصة لمناقشة الأمور العامة، ولعله من الطريف معرفة أن المعنى الحرفى لكلمة برلمان فى تلك المرحلة هو مكان التحدث، أو المكلمة. ثم تطور البرلمان وأصبح هيئة نيابية، تنوب عن المواطنين وتشارك فى الحكم، وسمى المجلس أو الجمعية التى تضم ممثلى الشعب.
ومع انتشار أفكار الحرية والمساواة وحكم الشعب، أصبح للبرلمان سلطة وضع القوانين، وصار يسمى الهيئة التشريعية أو السلطة التشريعية(*).
أكثر من هذا، فإن دور البرلمان قد أصبح محور نظام الحكم ككل فى بعض الدول، حتى أنها أصبحت تسمى الدول ذات النظام البرلمانى، وأشهرها بريطانيا، حيث تتركز معظم السلطة السياسية فى البرلمان، لأن زعيم الأغلبية البرلمانية هو الذى يتولى تشكيل الوزارة أيضا.

2- أين نشأ البرلمان؟

لم يكن البرلمان بدعة فكرية أو ابتكارا لأحد الفلاسفة وإنما جاء وليد تجارب وتاريخ طويل، فالأحداث التاريخية هى التى صنعته وحددت ملامحه الحالية.
ولم يظهر البرلمان مرة واحدة، وإنما خاض مراحل متعددة، كان أكثرها مليئا بالصعاب والتحديات، استطاعت البرلمانات خلالها انتزاع سلطاتها من الملكيات المطلقة ونظم الحكم الاستبدادية.
ولم تتبلور سلطات البرلمان دفعة واحدة وإنما اكتسبتها بالتدريج، حتى امتدت الى المسائل التشريعية والمالية والسياسية. ومع ظهور واستقرار البرلمان عرف العالم نوعا جديدا من نظم الحكم هو الحكومات البرلمانية، وتواصلت مسيرته على طريق الديمقراطية والمشاركة والتعددية السياسية، وحكم الأغلبية.
ويشير المؤرخون الى أن الحياة البرلمانية لأى دولة هى صورة صادقة لواقع وحقيقة مجتمع هذه الدولة، حيث أن معظم التيارات السياسية والأفكار والآراء والمبادئ والقيم التى تسود فى هذا المجتمع تنعكس سلبا وإيجابا على البرلمان وأعماله ودرجة فعاليته.
فالبرلمان هو الممثل المباشر للجماهير، وهو الذى يشرع القوانين التى تحكم المجتمع، كما يراقب الحكومة فى تصرفاتها نحو تنفيذ ما يتطلع إليه الشعب. وقد بلغ تطور دور البرلمان فى بعض الدول مرحلة غير مسبوقة، حتى قيل فى البرلمان البريطانى مثلا أنه يستطيع أن يفعل كل شىء عدا تحويل الرجل إلى امرأة والمرأة إلى رجل.
ولقد تزامن تطور المؤسسة البرلمانية المعاصرة مع تاريخ البرلمانات الأوروبية، وخصوصا البريطانية والفرنسية.
فقد بدأ البرلمان الإنجليزى فى مطلع القرن الثالث عشر يطالب بحقه فى التشريع دون تركه للملك، الذى لم يعد معبرا عن إرادة الشعب. وفى عهد الملك شارل الأول، حدث الصدام بينه وبين مجلس العموم حول الضرائب، وكان الملك فى حاجة لدعوة البرلمان للانعقاد لمواجهة نفقات تسليح الجيش لمواصلة توسعاته الإقليمية، واضطر الى قبول دور أكبر للبرلمان فى مجال تحديد الضرائب، فيما عرف منذ ذلك الوقت بشعار لا ضرائب بلا تمثيل. وقد تنامى دور البرلمان خلال الحرب الأهلية فى منتصف القرن السابع عشر، واندلعت الثورة الإنجليزية الكبرى، وكانت بدايتها الحقيقية فى البرلمان.
كذلك، فقد ظهر الكونجرس الأمريكى فى غضون الثورة التى انتشرت فى أواخر القرن الثامن عشر فى المستعمرات البريطانية، وانتهت بإعلان الاستقلال وتأسيس اتحاد بين عدد من المستعمرات المستقلة. كما ارتبط الكونجرس بمرحلة هامة فى التاريخ الأمريكى وهى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، حيث كان مركزا للقوى التى تؤيد الاندماج فى دولة واحدة، حتى تم تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، الحالية.
وفى فرنسا، بدأ هذا التطور بما يسمى برلمان باريس، الذى ضم عددا من النبلاء، ثم اصطدم مع الملك منذ أواخر القرن الثامن عشر، وتحدى سلطته المطلقة، فتعرض أعضاؤه للنفى والاضطهاد، ولكن الجماهير تعاطفت معهم. ومع تأزم الحالة المالية للملك لويس السادس عشر، اضطر الى اجتذاب تأييد النبلاء والجمهور على السواء، بحثا عن وسائل تمويل خزانته الخاوية، وبالتالى كان لابد من الاحتكام للأمة واستشارة الجماهير، أى قبول تأسيس البرلمان وسلطاته. وأصبح محور الأحداث فى ذلك الوقت هو إعلان دستور لفرنسا، وضمان وجود البرلمان وتحديد سلطاته، وأن يكون هذا البرلمان تعبيرا عن إرادة الشعب..، واندلعت الثورة الفرنسية الشهيرة، وبدأ العهد الجمهورى لفرنسا من داخل أروقة البرلمان.
ولم تكن مصر بعيدة عن هذا التطور، وإنما شاركت فيه، كما تأثرت به. فالحياة النيابية فى مصر عريقة منذ ظهورها وخلال مراحل تطورها، وليست غريبة فى ممارستها فى المجتمع المصرى على الإطلاق. على العكس من ذلك، فإن الملامح الأولى للتجربة النيابية فى مصر تمتد الى منتصف القرن التاسع عشر، حين تبلور الشكل النيابى الأول فى ظل حكم محمد على، ومن بعده نشأت المؤسسة النيابية بالمعنى السياسى منذ عام 1866، تحت إسم مجلس شورى النواب، وذلك فى عهد الخديوى إسماعيل. كما ارتبط البرلمان بتاريخ الحركة الوطنية المصرية وكان محفزاً لها، منذ حركة عرابى، ومرورا بثورة 1919 بزعامة سعد زغلول، وصدور دستور 1923 بعد حصول مصر على استقلالها من الإمبراطورية البريطانية، وحتى ثورة 23 يوليو 1952، بعد مرحلة حافلة من ازدهار الحياة البرلمانية، عرفت بإسم مرحلة الديمقراطية البرلمانية، ثم إعادة تأسيس الأحزاب السياسية منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين.

3 - تجدد الاهتمام بالحياة البرلمانية :

يشهد العالم مزيدا من التحولات نحو الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية، وبالتالى يزداد النقاش حول دور البرلمان فى هذا التطور الديمقراطى، كما يزداد الاهتمام بمعرفة قواعد العمل البرلمانى أيضا.
ويعتبر دور البرلمان فى هذا التحول الد

المزيد


العقد الاجتماعي

ديسمبر 21st, 2008 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات

 

 المقدمة

الفصل الأول

مفهوم الحق الطبيعي باعتباره أساساً للعقد الاجتماعي:-

الفصل الثاني

توماس هوبز والعقد الإجتماعي

أولاً: - حياته/

ثانياً: - أراءه في العقد الاجتماعي/

الفصل الثالث

جون لوك والعقد الإجتماعي (1632- 1704)

أولاً/ حياته

ثانياً: - اراء في العقد الإجتماعي

الفصل الرابع

جان جاك روسو والعقد الاجتماعي (1712-1778)

حياته:

آراءه في العقد الاجتماعي:-

الخاتمة:

المصادر العربية

أولاً الكتب:

الموسوعات:-

المصادر الأجنبية:-

وردت فكرة العقد الاجتماعي في كتابات كثير من المفكرين السوفسطائيين وأيبقورس ولوكر وعلماء القانون الروماني وكثير من فلاسفة القرن السادس عشر أمثال هاتمن ولاتي وتوكس وبوكتان – والعقد الاجتماعي تتجلي فكرته في أن الناس كانوا يعيشون في البداية على الطبيعة القائمة على النزاعات والحروب مما دعا الناس إلى التفكير في إنشاء تنظيمات اجتماعية تنظم علاقاتهم الاجتماعية من أجل الدفاع عن أنفسهم من الأخطار الخارجية كالطبيعة أو الأقوام الأخرى, هذا يتم من خلال تنازل كل فرد عن قسم من أنانيته الفردية لكي يلتزم أمام الآخرين ببعض الواجبات من أجل تكوين تنظيم يساعدهم على البقاء ولكي يستمر تنظيم الأفراد الاجتماعي يجب أن يخضعوا إلى قادة أكفاء قادرين على توجيه حياتهم الاجتماعية توجيهاً يخدم حاجاتهم وحمايتهم، كل هذه الظروف عملت على ظهور فكرة العقد الاجتماعي بشكل طوعي دون إلزام أو إكراه من قبل أفراد المجتمع. إن النقطة المركزية – التي ظلت تدور حولها نشاطات الإنسان لفترة طويلة هي العلاقة بين أفراد المجتمع بعضهم البعض من جهة وبين عناصر البيئة المتنوعة التي تحيط بهم من جهة أخرى, هذه تمثل مرحلة تاريخية تلتها مرحلة أخرى جاءت نتيجة تطور المجتمعات إلا وهي علاقة الحاكم بالمحكوم.

لكن لم يكن من السهل تحقيق هذه العلاقة, فالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يفرض قوته لذا كانت نزاعات الفلاسفة والمفكرين لا ينتهي إلا بنهايتين أما رضوخ المفكر لفعاليات السلطة وأما الوقوف بوجهها وتحمل عواقب موقفه منها. كانت آراء المفكرين والرواد الأوائل لفكرة العقد الاجتماعي تهدف إلى إيجاد معادلة موضوعية للعلاقة بين الحاكم والمحكوم لكن اختلاف التوجهات في الأهداف والنتائج فضلاً عن الاختلاف في الرؤية السياسية والاجتماعية للمفكرين أنفسهم حالت دون بلوغ هذا الهدف.

يتضمن هذا البحث أربعة فصول يتناول الفصل الأول التطور التاريخي لمفهوم الحق الطبيعي ,هذا السياق التاريخي أعتمده الباحث لتبيان بعض المفردات التي من خلالها يمكن أن يتم التعامل في الفصول التي تتضمن آراء المفكرين والعلماء في هذه الدراسة التي تتضمن جانب مهم لا يقتصر على زمن محدد بل يستوعب كل الأزمان ما دام هناك مجتمع حي تسودهُ علاقات وما دام هناك حاكم ومحكوم وهذا ما جاء في كتابات المفكرين الذي خصص البحث لكل منهم فصلاً يتناول فيه حياة وجوانب متعددة من آراء المفكر في هذا الصدد, فخصص الفصل الثاني للعالم (هوبز), في حين تناول الفصل الثالث العالم (لوك) سيرتاً وأعمالاً وآراءً أما الفصل الرابع فكان للعالم (روسو) من ثم خاتمة البحث التي تتضمن خلاصة مختصرة لما جاء في ثنايا البحث.

إنَّ فكرة الحق الطبيعي أو القانون الطبيعي شغلت اهتمام المفكرين والفلاسفة منذ زمن طويل لازمت هذه الفكرة كفاح الإنسان من اجل التوصل إلى المجتمع القائم على الفضيلة والعدل. ظل الوصول إلى هذا المجتمع الحلم الذي لم ينفك المفكرون والمصلحون يحلمون به إلى يومنا هذا ولقد أسهمت هذه الفكرة في دفع المجتمع البشري إلى الإمام والنهوض بالإنسانية وصولا إلى المجتمع المنظم وفق القواعد الثابتة التي يمليها العقل السليم ويستقر عليها الضمير البشري والكيان الاجتماعي.

إن مفهوم الحق الطبيعي المتميز عن الحق الوضعي هو قديم قدم الفلسفة حيث برز في العصور الإغريقية القديمة حتى أخذت المسيحية هذا المفهوم الذي يظهر القانون الطبيعي وكأنة التعبير عن الإرادة الإلهية

أن هذه الفكرة قد لازمت المسيرة البشرية وطموح الإنسان نحو تحقيق المجتمع القائم على العدل والإنصاف وعكست تاريخا طويلاً لصراع عنيف بين الحاكمة المستغلة وبين المحكومين وإذا كان الإنسان قد خاض صراعاً عنيفاً مع الطبيعة في بدء الخليقة وفجر الإنسانية فأنه خاض صراع أعنف مع الحكام والملوك في ظل نشوء الدولة عبر العصور وقد تجلت وحشية الحكام الأقدمين في الأنظمة الجائرة التي كانت تصنف الناس إلى طبقات عليا وسفلى أحراراً وعبيداً مالكين ومملوكين كما تجلت فيما قرَّروة من عقوبات صارمة تصل إلى الإعدام بابشع الوسائل ولأتفه الأسباب فضلاً عن معانات الإنسان لمختلف وسائل التعذيب النفسي والغريب ان الحكام كانوا في الغالب يدعون إلى سلطتهم وسيادتهم غير المحدودة إنما هي مستمدة من الإرادة الإلهية.[1]

ان المؤرخ أو الباحث في الجوانب الاجتماعية يقف حائراً حيال هذه الأجواء اللاانسانية التي عاشها الإنسان ردحاً من الزمن تمثل بالصحراء الجرداء المشمسة إلاَ انه لم يعدم فيها وجود واحات خضراء تمثل أمل البشرية في الإرتقاء والخلاص من الماسي والمظالم وما هذه الواحات الا نفحة العدالة التي ظهرت باسم القانون الطبيعي. لقد ذهب المفكر الهولندي (غروسيوم 1583 / 1645) إلى القول: بأن القانون الطبيعي هو قرار عقل سليم ينير في أمر من الأمور فيحكم عليه بحسب مناسبته او مخالفته للطبيعة العاقلة / هل هو فاسد أخلاقياً أم غير فاسد، وبالتالي هل هذا العمل هو واجب أم مخلوق من قبل الله خالق هذه الطبيعة؟

ولكن هناك من يرى إنّ هذا المفهوم لم يظهر لأول مرة في القرن السابع عشر ولا على يد غروسيوم. أنما يعود ظهوره لعدة أسباب هي تقدم العلوم واكتشاف أراضي جديدة فالمعرفة الجديدة للطبيعة يجب أن تعترف ببعد جديد للحقوق الطبيعية. فضلاً عن ذلك أن هذا التصور الجديد للطبيعة هو في جوهره علماني.2 هنا تكون الحقوق منفصلة عن الدين والسياسة ومن ثم دور العامل الأساسي لتطور الحقوق على هذا الشكل إلا وهو العامل الاقتصادي.

كانت الحقوق في تلك الحقبة غير متلائمة مع الرأسمالية التجارية كونها إقطاعية. وعليه فانه انطلاقة الرأسمالية قد ساعدت مدرسة الحق الطبيعي الذي قدم لها بالمقابل التبرير العقائدي حيث بدت قوانين التجارة وكأنها قوانين الطبيعة.3 كانت للمنظرين الجدد وجهة نظر حول الحق الطبيعي كونه يمثل المنفعة العامة وحقوق الأفراد والحالة الطبيعية وهكذا برروا الطموحات القومية وقدموا للملوك الحجة في صراعهم ضد النبالة التي كانت تتمتع بامتيازاتها[2]

أما بوفندورف (1632 – 1694) مؤرخ الملكية السويدية فقد رأى الحق الطبيعي شرع ضروري لا يتغير، استمده العقل من طبيعة الأشياء. وأن دور السلطة هو وضع القوانين التي تهدف إلى التقييد بالحق فضلاً عن ذلك اهتم بوفندورف بتحرير فلسفة القانون من الثيلوجية وقال أن قوانين الطبيعة هي ذات صلاحية مطلقة لإجبار الناس حتى صادره فضلاً عن ذلك كلمة الله الموحاة.

ان المتطلع في هذا الجانب من المعرفة العملية يلاحظ ويوضح أن الأرض الخصبة لنظرية القانون الطبيعي كانت إنكلترا لاعتبارات كثيرة اقتصادية واجتماعية سياسية. ولكن الواقعتين اللتين مهدتا الأرضية لهذا المفهوم لكي يبرز قبل سنة 1649 هما الروابط بين الدين والسياسة أو بين الطهرية والنفعية ومن ثم غياب العقيدة الثورية. أي ظهور خليط في المجتمع من الإنتهازيين المحافظين يهاجم ريتشارد هوكر في كتابه (السياسة الاكليركية) الصادر سنة 1594 الطهريين بوصفهم يرفضون الخضوع للكنيسة القائمة وبذلك يحطمون كل التزام سياسي كان هذا في زمن تصدت فيه المناقشات حول توضيح دور الكنيسة في الدولة الإنكليزية بعد قطع العلاقات مع أوربا.[3]

ظهر إلى الوجود نوع من الطهرية الرأسمالية التي تربط ربطاً محكماً بين واجب الثراء وواجب العمل من أجل خلاص الذات تزامن هذا مع ذروة الازدهار الاقتصادي لإنكلترا. في حين وقفت موقف الحذر من الثروة فإن الطهرية الإنكليزية استطاعت أن توقف وتقرن روح العمل والحياة الأخلاقية بين الكسب والفضل، بين الاستثمار والتقشف. وقالت إن الربح التجاري هو هبة من الله وإن الكسب هو الدلالة الزمنية على الفضل. والطهري (البيوريتاني) هو المتقشف عملياً الذي يحرز انتصاراته في ساحة الحرب وفي المكتب وفي السوق وليس في الدير.1

إن الثورة الطهرية (البيورتانية) هي نتيجة التقاء مؤقت بين نزاعات مختلفة ومجموعة ذات أهواء متعارضة أحياناً، الحقوقيون المدافعون عن الحريات التقليدية أو المتذرعون بذكرى العهد الأكبر.

شهدت الفترة الواقعة ما بعد النصف الأول ممن هذا العصر الكثير من المجالات والمجاملات والمناظرات حول موضوع الملكية المطلقة التي أرادها الملك (جاك الأول) ورفضها خصومة. إلا إن التصورات الدستورية المبكرة تجلت في مؤلف (سيرتوماس سمث) (_الجمهورية الإنكليزية) الذي صدر عام 1583 حيث يشير فيه إلى دور البرلمان، الذي يلعب دور المحكمة العليا، مع بقاء الملك رأس النظام السياسي.

وكان (فرنسيس باكون) bacon من أنصار الإمتياز الملكي دون أن يكون من أنصار الحكم المطلق. بينما كان (السير أدوارد كوك) coke  (1549 – 1634) هو الخصم الرئيسي لسياسة جاك الأول. [4]

من العرف والعادة الشائعة common law والتي تبدو له وكأنها القانون الأساسي للمملكة وتجسيدهُ للعقل. فالعرف يتضمن البنية الأساسية للحكومة وللحقوق الأساسية للمواطنين – إن سلطات الملك تنطلق من العرف السائد وكذلك مهمة البرلمان وحقوق وامتيازات الأنكليز. وقال إن البرلمان بالذات لا يستطيع تغيير المبادئ المحددة في العرف السائد – وفي عشية سقوط شارل الأول لم يكن في إنكلترا يومئذ أية نظرية ثورية بالمعنى الصحيح. وفي هذه الفترة ظهر (هوبز) Hobbes والذي خصص لهُ فصل كامل من هذا البحث.

كانت تلك هي الملامح الأولى لظهور ونضوج نظرية الحق والطبيعي. فلقد حاول بعض المفكرين استناداً إلى فكرة القانون الطبيعي إيجاد قانون دولي أو قانون شعوب لإدخال الأمن والنظام على الحكومات المحلية ذات السيادة، إلا كانت قد أخذت في النمو والتقدم في أوربا منذ القرن السابع عشر. وهذا ما حاولهُ أشرنا غروسيوس وبوفندروف حيث يقرر كلاهما إن الحكومات ذات السيادة وإن لم تكن خاضعة لأي قانون وضعي أو أي سلطة عليا، يجب أن تعمل وفقاً لمصلحة المجموع. وإنهُ في حالة إنعدام السلطة الدولية العليا فإن الحكومات تبقى مع ذلك خاضعة للعقل الطبيعي والعدل ودل على ذلك ببعض المبادئ الثابتة كحرية البحار وحصانة السفراء. 1

رغم كل الإيضاحات التي وردت فإن القانون الطبيعي من المفاهيم التي يتعذر تحديدها منطقياً أو رسم معالمها بوضوح ودقة. وليس من السهل أن نقول ممن تتألف فلسفة القانون الطبيعي بصورة أساسية فهي تقرر أن هناك بصورة من الصور في تركيبة هذا العالم، قانوناً يميز الخير من الشر أو الصواب من الخطأ – وتقرر إن الحق والصواب أمر طبيعي وليس من اختراع الإنسان وابتداعه. وإن هذا الحق والصواب لا يتحدد في أي قطر من صفة الإلزام في المحاكم إذ إن كل هذه قد تكون جائرة وغير عادلة.[5]

ونحن إنما نكشف تنافرها مع العدالة بمقارنتها بالقانون الطبيعي كما نفهمه.

وهكذا نستطيع القول إن سلطة أي فرد أو شعب لا تستطيع أن تجعل من القانون الذي تقرضه أو تشرعه قانوناً طبيعياً أو موافقاً لعين الحق والصواب.

فلا يستطيع أي ملك أن يجعل من الخطأ صواباً ولا يقدر أي شعب بإرادتهِ كشعب، أن يجعل الظلم عدلاً فالحق والقانون بمعناهما النهائي كائنان خارج جميع الشعوب وفوقهما فهما عالميان ومتساويان بالنسبة للجميع ولا يستطيع أي شخص أن يكيفهما وفق هواه. مع ذلك، فإن من الممكن نتلمس في القانون الطبيعي بعض المفاهيم الثابتة.

1. يعتبر القانون الطبيعي ذريعة يلجأ إليها الجانب الضعيف من أطراف العلاقة الاجتماعية والسياسية لتبرير الثورة على واقعه المختلف ثقافياً أو حضارياً أو اقتصادياً أو سياسياً كما يعتبر ذريعة قانونية طالما لجأ إليها فقهاء الغرب قديماً وحديثاً عند التحسس بقصور تشريعهم الوضعي عن الوفاء بمتطلبات إصدار القرارات العادلة في القضايا التي طرحت أمامهم.

2. يعتبر القانون الطبيعي المثل الأعلى للقانون الذي يسمو على القانون الوضعي المنطبق فعلاً والذي كثيراً ماذاقت منهُ البشرية الأمرين.

3. تهدف فكرتهُ إلى رسم النظام العالمي الذي يحكم الإنسان أولاً، وإلى تمجيد الحقوق الثابتة للأفراد والتي تدعى بالحقوق الطبيعية للإنسان والتي لا تقبل التجزئة أولاً والاغتصاب ثانياً.

إن فكرة القانون الطبيعي تعني وجود قواعد قانونية أسبق وأعلى من القانون الوضعي خالدة ثابتة تصح في الزمان والمكان وإن ما يميز القانون الطبيعي هو الموضوعية والثانية، فهو لا يدين بوجوده لإرادة المشرع، كما إنه قانون مستقل عن القانون الوضعي وهو أعلا منه.[6]

ومهما يكن، فإنه إلى جانب الحكومات المستبدة المطلقة، كان يقف مذهب الحق المقدس للملوك وفي جانب الحكومات الدستورية كانت تقف الحجج التي تستند إلى الوراثة أو العرف والتي تؤكد في عهد ومراسم الأزمان السابقة ومواثيقها وعلى القوى التاريخية للبرلمانات وللمجالس المحلية. ولم تكن الحجة الخارقة للطبيعة في تبرير الحق المقدس ولا الحجة التاريخية التي تعتمد على حريات القرون الوسطى، لم تكن كل منها مقبولة تماماً في الجو العلمي الذي شاع في القرن السابع عشر فقد قام توماس هوبز بتبرير فلسفة الحكم المطلق. وقام جون لووك بتبرير نظام الحكم الدستوري. وقام روسو بتبرير نظام حكم الشعب.[7]

ولد توماس هوبز في إنكلترا عام 1588 ودخل أكسفورد وهو في الخامسة عشرة، ومكث بها خمس سنوات يتلقى المنطق المدرسي والطبيعيات دون كبير اهتمام. ثم أخذ يطالع الآداب القديمة وبخاصة المؤرخين والشعراء.

وعمل في خدمة (بيكون) كاتماً لسره ومعاوناً له في نقل مؤلفاته إلى اللاتينية وفي سنة 1629 نشر ترجمة لتاريخ (توكيديد) حيث تبدو الديمقراطية سخيفة أشد السخف على حد قوله.

ولم يكتب شيئاً في الفلسفة حتى بلغ سن الأربعين.

سافر إلى فرنسا وأقام بها سنتين (1629- 1631) فعرف فيها مبادئ أقليدس. ولم يكن درس الرياضات من قبل. وأعجب بالمنهج القياسي وعول على إصطناعه. ثم عاد مرة أخرى إلى باريس فقوبل بالأوساط العملية الباريسية باعتباره فيلسوفاً مذكوراً.[8]

اتضحت معالم فلسفة هوبز عام 1640 خلال نشره كتاب (مبادئ القانون الطبيعي السياسي)، بعدها بعشر سنوات نشر هوبز كتاب (لاوثيان) أو المجتمع الكنيسي والموثي مادته وصورهُ وسلطهُ. ولأوثيان هوالتنين الهائل المذكور في سِفر أيوب ويقصد به هوبز الحكم المطلق.

تأثرت فلسفة هوبز بالثورة البرجوازية في القرن السابع عشر، فمن خلالها يرى البعض إن هوبز فيلسوفاً مادياً إنكليزياً. فضلاً عن ذلك كان هوبز معلماً للملك شارل الأول، وقد دافع في كتابه المشار اليه (لاوثيان) عن الحكم المطلق وكان يؤيد بذلك حكم آل ستيوارت في إنكلترا. 1

يرى هوبز في كتابه (لاوثيان – التنين) إن الناس بطبعهم أنانيون تماما يلتمسون بقائهم وسلطاتهم والحصول على القوة. ولقد قال هوبز بحياة فطرية سابقة عن نشأة الجماعة، ولكنها حياة فوضى وصراع أضطر الأفراد معها على التعاقد لإنشاء الجماعة السياسية وهذا التعاقد تم فيما بينهم واختاروا بمقتضاه حاكما لم يكن طرفاً في العقد ولم يرتبط لذلك تجاههم بشئ، وخصوصاً إن الأفراد تنازلوا بالعقد عن جميع حقوقهم الطبيعية. وترتب على ذلك أن  السلطان الحاكم غير مقيد بشيء وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته وانتهى إلى تفضيل النظام الملكي على النظامين الأرستقراطي والشعبي.[9]

يرى هوبز إن مسيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء ويعتقد إن من الخطأ الاعتقاد بغريزة إجتماعية تحمل الإنسان على الإجماع والتعاون. وإنما الأصل أو (الحالة الطبيعية) إن الإنسان ذئب للإنسان وإن الكل في حرب ضد الكل.

فضلاً على ذلك, ويذهب إلى القول بأن الحاجة استشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض وإن أعوزتهُ القوة لجأ إلى الحيلة، يشهد بذلك ما تعملهُ عن أجدادنا البرابرة وعن المتوحشين وماتتخذه جميعاً من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات الدول بعضها ببعض، ما تصنعه الحضارة تحجب العدوان بشعار (الأدب) وأن تستبدل العنف المادي بالنميمة والإفتراء، والانتقام والقانون.1

كانت تجربة الحرب الأهلية الإنكليزية عام (1640) قد جعلت هوبز يستنتج إن الناس لا يملكون القدرة على حكم أنفسهم أو الحكم الذاتي، وكان يرى أن الناس في حالتهم الطبيعية، أو كما تخيل وجودهم من غير حكومة، كانوا في حالة خصام وفوضى وهياج على الدوام في حروبهم بعضهم مع البعض الآخر ولقد عبر عن ذلك بقوله

المزيد