مبادئ تدريس حقوق الانسان

أكتوبر 4th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , مصطلحات حقوق الإنسان, مصوغات تعليمية وتدريبية, مفاهيم ومصطلحات, مقاربات بيداغوجية

للاطلاع انقر على هذا الرابط:

http://www.ohchr.org/Documents/Publications/ABCar.pdf


الدولة احمد عبد الحفيظ

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات قانونية, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الرابع

نظــم الحكـم فى الدولــة



 

أولاً : النظم الملكية والجمهورية :
يرجع هذا التقسيم إلي طريقة وصول الرئيس الأعلى للدولة إلي موقعه حيث تكون هي طريقة الوراثة في النظم الملكية باعتبار أن شخصاً أو عائلة لها حق في تولي الحكم و امتيازات خاصة تتعلق بوراثة هذا الحكم وتهتم الدساتير الملكية بالنص عليها وتحديدها خصوصاً في بلاد الملكية الدستورية، وهي تلك البلاد التي انحصرت فيها سلطات الملوك السياسية وأصبحت في حدودها الدنيا التي تكاد تكون ذات طبيعة بروتوكولية. وقد تهتم الدساتير أحياناً بتحديد سلطات الملك تحديداً دقيقاً والنص علي أنه ليس له سلطات سواها . وفي جميع الأحوال وأياً كان حجم السلطات التي يتمتع بها الملك في النظم الملكية فإنه يكون ذاتاً مصونة لا تمس ولا يسأل عن أعماله حتى لو أنها أنطوت علي جرائم جنائية. أما المسئولية السياسية فهي تقع علي عاتق الوزراء.
ويدافع أنصار النظم الملكية عنها علي أساس أنها تضمن الاستقرار في أعلي قمة السلطة من خلال توريث الحكم بلا منازعات ولا صراعات ، وأنه نظراً لطول مدة حكم الأسرة المالكة والملوك أنفسهم فإنهم يكتسبون خبرة ودراية بشئون الحكم لا تتوافر لغيرهم كما أن الملك بعلاقاته ونفوذه يستطيع أن يقدم إلي بلاده خدمات جليلة . ولكن انحسر هذا التأييد للنظم الملكية شيئاً وازداد فقدها من منظور أنها تتنافى مع قاعدة المساواة بين البشر وتضفي علي بعضهم وضعاً خاصاً وقداسة معينة وتمنحهم امتيازات لا تمنح لغيرهم وذلك لمجرد مصادفة أنهم من الأسرة المالكة ، فضلاً عن ذلك فإن نظام وراثة العرش قد يدفع بأشخاص لا قدرة لهم علي ممارسة الحكم ولا كفاءة لهم فيه وهو ما حدث مراراً وتكراراً علي مدي تاريخ الأمم المختلفة. ولما كان الملك غير مسئول عن أعماله كما أنه لا يمكن عزله طيلة حياته فما أكثر ما أدي وصول شخصيات ضعيفة عديمة الكفاءة إلي العرش إلي إحداث قلاقل واضطرابات أجتماعية عديدة كثيراً ما أدت إلي ثورات شعبة أو طبقيه أو عسكرية أطاحت بالنظام الملكي نفسه .
أما في النظم الجمهورية … فإن الرئيس الأعلي للدولة ويسمي رئيس الجمهورية غالباً يتم اختياره عن طريق الانتخاب ولمدة محددة تختلف من بلد لآخر ولا يكون له امتيازات خاصة، وإنما أختصاصات تحددها الدساتير تحديداً واضحاً. وإذا انتهت مدة ولايته جرى انتخابه من جديد لمدة أو مدد أخرى. فإذا أنتهت رئاسته نهائياً بوفاته أو عزله أو استقالته أو لأي سبب من الاسباب فإن الدستور يحدد طريقة انتخاب خلفه وليس للوراثة أي دور في هذا الشأن. ورئيس الجمهورية مسئول جنائياً سواء عن الاعمال المتعلقة بمنصبه أو عن الجرائم العادية التي قد يرتكبها شأنه في ذلك شأن بقية الأفراد. وعادة ما تحيط الدساتير المختلفة طريقة مساءلة رئيس الجمهورية سواء عن أعماله الرئاسية أو عن الجرائم العادية بالعديد من القيود والضوابط والاجراءات التي تتمشى مع حساسية موقعه . وغالباً ما تكون هناك محكمة خاصة تشكل لمحاكمته بتشكيل مختلف عن محاكم السلطة القضائية العادية . كما تنص بعض الدساتير. علي جواز عزل رئيس الجمهورية من منصبه بضوابط واجراءات معينه ولأسباب خاصة تحددها هذه الدساتير وتختلف طريقة انتخاب رئيس الجمهورية بحسب ظروف وأوضاع كل دولة ونظام الحكم فيها ، فهناك انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة بواسطة الشعب وقد يتم ذلك مباشرة وعلي درجة واحدة وقد يتم علي درجتين بأن يقوم الشعب بانتخاب هيئة معينة يعهد إليها بأنتخاب رئيس الجمهورية.
وهناك الانتخاب من خلال أعضاء مجلس النواب وهي طريقة تضعف من مركز رئيس الجمهورية وهيبته وهي تكون غالباً في النظم البرلمانية حيث لا يملك رئيس الجمهورية اختصاصات حقيقية .
وهناك أخيراً طريقة الاستفتاء الشعبي وهي الطريقة التي يتم من خلالها تسمية شخص واحد من قبل هيئة معينة من هيئات الدولة - تكون غالباً مجلس الشعب أو النواب - ثم عرض هذا الاسم علي الشعب في استفتاء عام ليقرر موافقته أو عدم موافقته علي تولي الشخص المسمي لرئاسة الدولة .
وفي الغالب وأياً كانت طريقة انتخاب رئيس الجمهورية فإن أغلب الدساتير تشترط لصحة اختياره أن يحصل علي نسبة لا تقل عن خمسين بالمائة من أصوات الناخبين وإلا جرت الاعادة بين صاحبي الترتيب الأول والثاني في عدد الأصوات. أما بالنسبة لنظام الاستفتاء فإنه إذا لم يحصل الشخص المطروح علي الاستفتاء علي الأغلبية المطلقة لعدد الناخبين - 50 % + صوت واحد علي الأقل - فإن الهيئة التي تسميه تعيد تسمية شخص أخر وهكذا حتى يتم اختيار الرئيس .
علي أنه يجب التنبيه إلي أن أهم ما يميز بين النظامين هو طريقة اختيار الحاكم الأعلي للدولة وهي الانتخاب لمدة محددة في النظم الجمهورية والوراثة التي تكفل بقاء الملك مدى الحياة ثم توارث العرش في أسرته من بعده في النظم الملكية .
فلم يعد حجم السلطة التي يتمتع بها الرئيس الأعلي للدولة هي المناط في تحديد الفارق ، وإذا كانت معظم الحالات التي شهد فيها التاريخ البشري الاستبداد ونظم الحكم المطلقة والتي تدعى بالحق الألهي قد جرت في عهود الحكم الوراثي الملكي والامبراطوري، إلا أن النظم غير الملكية لم تخل من هذا الأمر. كما أن أنتشار الفكر الديمقراطي في العالم المتقدم أدى إلى تضاؤل امتيازات الملوك وما كانت تتيحه لهم هذه الامتيازات من سلطة مطلقة وأصبحت سلطات الحكم في البلدان الديمقراطية محددة بنصوص الدساتير والقوانين وتقوم في النظم البرلمانية عموماً سواء كانت ملكية دستورية أو جمهورية علي أساس أن الملك يملك ولا يحكم، وأن رئيس الدولة أيضاً لا يكاد يمتلك إلا سلطات رمزية وبروتوكولية. أما نظم الحكم الرئاسية الديمقراطية فإن سلطات رئيس الدولة فيها - كرئيس الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس الفرنسي مثلاً - يمتلك من السلطات الواسعة والنفوذ أكثر مما كان يتمتع به الملوك المستبدون في أزمنة سابقة غير أن هذه السلطات ليست سلطات استبدادية مطلقة بل سلطات دستورية محددة و خاضعة لرقابة الرأي العام .
والحق أيضاً أن النظام الملكي كان له فضل توحيد أوروبا وإخراجها من العصور الوسطي المظلمة وقيادة بداية نهضتها المعاصرة. إلا أنه مع ذلك فقد كانت أوروبا بفضل الأفكار الديمقراطية التي ظهرت فيها صاحبة السبق في القضاء علي النظام الملكي في عالم اليوم بحيث لم يعد محكوماً به إلا دول لا تزيد عن الثلاثين مقابل بقية دول العالم التي تزيد علي المئة والخمسين كلها محكومة بنظم جمهورية ، وقد تم هذا التحول خلال القرن العشرين ، ولو أننا عدنا بالذاكرة إلي بدايات القرن الثامن عشر فسوف نجد أنه في عام 1820 لم يكن هناك أية نظم جمهورية في العالم كله إلا ثلاث هي سويسرا والولايات المتحدة وهاييتي .

ثانياً: النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية:
تتنوع نظم الحكم في كل دولة بحسبان الطريقة التي يمارس بها الحكم أي طريقة إسناد الحكم إلي نظم ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية. وتوجد صور متعددة لكل نظام منها. ونبدأ

المزيد


الدولة احمد عبد الحفيظ

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات قانونية, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الثالث

أنـــــــــــواع الـــــــدول


تنقسم الدول إلي أنواع متعددة. فمن حيث الشكل تنقسم إلي دول بسيطة ودول مركبة وهذه الأخيرة تنقسم بدورها إلي عدة أشكال .
ومن حيث السيادة تنقسم إلي دول تامة السيادة ودول ناقصة السيادة .
ومن حيث شكل نظام الحكم تنقسم إلي ملكية وجمهورية .
ومن حيث طبيعة نظام الحكم تنقسم إلي ديمقراطية وديكتاتورية .
وهذه الأنواع والأشكال جميعاً تختلف بالنسبة لكل دولة بحسب تاريخها وحضارتها وثقافتها وتطوراتها المتتابعة وحاجات شعوبها وتأثير العلاقات الدولية عليها وقدرة النخبة الحاكمة فيها علي التماسك والسيطرة علي مقاليد الأمور من عدمه … الخ .
ومن المعلوم أن العصور القديمة كانت تعتبر بتقسيم أرسطو للدول علي أساس من بيدهم امر الحكم فيها فإن كان فرداً أو عائلة أو مجموعة قليلة من الأفراد كنا بصدد نظام حكم ملكي في الحالة الأولي وحكم أرستقراطي في الحالة الثانية أما إذا كان الحكم بيد الجماعة كنا بصدد حكم ديمقراطي. وقد أصبح هذا التقسيم مهجوراً في التقسيمات الحديثة للدول .
أيضاً فإن ثمة تقسيمات ظهرت حديثاً للدول علي أسس أيديولوجية. فقسمت الماركسية الدول إلي دول أقطاعية ورأسمالية ( برجوازية ) ودول أشتراكية ( بروليتارية ). كذلك ظهر تقسيم أخر علي أساس مدي تدخل السلطة السياسية في أمور المجتمع المختلفة الأقتصادية والأجتماعية إلي دول حارسة ودول متدخلة أو دول تأخذ بالنظام الفردي حيث تضيق كثيراً مساحة تدخل الدولة في الشئون العامة ودول تأخذ بالنظام الجماعي الذي يتيح مجالات عديدة لتدخل سلطة الدولة في سائر شئون المجتمع .
وأضاف البعض إلي هذا التقسيم دولة الرفاهية وهي دولة تقع في المنطقة الوسطي بين النظامين السابقين، فيزيد حجم تدخل السلطة السياسية فيها في الشئون العامة للمجتمع عن دول النظام الفردي لكنه يقل عن دول النظام الجماعي .
كذلك ظهر تقسيم جديد لأنواع الدول من حيث درجة تقدمها إلي دول متقدمة وأخري متخلفة أو نامية .
وسوف نكتفي هنا بأعطاء فكرة مبسطة حول التقسيمات الرئيسية للدول من حيث الشكل ومن حيث السيادة. أما تقسيم الدول من حيث نظم الحكم ووظائف الدولة فسوف نخصص له فصلاً مستقلاً .

أولاً : الدولة من حيث الشكل :
1- الدولة البسيطة : هي تلك الدولة الموحدة التي تكون كتلة الأمة فيها واحدة متجانسة وتكون السلطة فيها واحدة ودستورها واحد ، حتى وإن تعددت أقسامها الإدارية من مديريات وأقاليم وولايات ومحافظات … الخ ومهما كانت الخلافات والفوارق المحلية بين هذه الأقاليم، أو تعددت وتنوعت أجهزة الحكم فيها ما دامت السلطة المركزية تسيطر علي هذه الوحدات جميعاً وتخضع هذه الوحدات لها خضوعاً تاماً مباشراً بغير وسيط . ولا تمتلك هذه الوحدات والتقسيمات الإدارية أي سلطة سياسية أو تشريعية عامة أو أي سلطة إدارية خاصة في مواجهه السلطة المركزية. ويقتصر عملها علي مباشرة مصالح الناس في التعليم والصحة والأمن … الخ في أطار التفويضات التي تمنحها لها السلطة المركزية التي تملك في كل وقت الغاء أى من هذه الوحدات أو أدماجها معاً أو تقليص حدودها أو سلطاتها الإدارية ، وبالتالي فإن دراسة هذه الوحدات تصبح من موضوعات القانون الإداري الداخلي ولا تتعلق بموضوعات القانون الدستوري إلا فيما يتعلق بما قد تضفيها أحكام الدستور من قيمة دستورية خاصة ترتبط أيضاً بقيمتها في البناء الداخلي المحلي وفي حدوده فقط ، وإذا كان هذا هو شأن هذه الوحدات في الدولة البسيطة أو الموحدة أو المتحدة فإن أياً منها لا يتعلق له أمر بقواعد القانون الدولي من قريب ولا بعيد .
ولبساطة التركيب الدستوري في هذا النوع من أنواع الدول فهو يسمي الدولة البسيطة ، علي أن بساطة التكون والتركيب الدستوري للدولة قد لا يستتبع بالضرورة بساطة أوضاعها الإدارية والتشريعية. فإذا كان المتصور أن الدولة البسيطة تأخذ بنظام الإدارة المركزية حيث تتجمع جميع سلطات ومظاهر الوظيفة الإدارية للدولة في أيدي الحكومة المركزية الموجودة في عاصمة البلاد والتي تمثل قمة الهرم الإداري الذي يتدرج من أسفل حيث الموظفين الإداريين في القري والأحياء والمصالح المختلفة يمثلون قاعدته بينما تكون ثمة وحدات إدارية وسيطة متعددة في المدن و المراكز ثم في الأقاليم والمحافظات … الخ .
كما قد يتصور أن هذه البساطة تعني وحدة تشريعات الدولة السارية علي سائر أقاليمها . غير أنه مع ذلك فإن تعقد وتركيب السلطة الإدارية وتعدد التشريعات الداخلية لا يمنع أن تكون الدولة بسيطة ، فقد تأخذ الدولة البسيطة بنظام اللامركزية الإدارية حيث تتوزع الاختصاصات الرئيسية للوظائف الإدارية ما بين السلطة المركزية في العاصمة وبين هيئات أخري محلية تكون منتخبة غالباً. وهي هيئات تملك بعض السلطات الإدارية المحددة التي تمارسها علي استقلال عن السلطة المركزية القائمة في العاصمة وإن كانت تخضع لأشراف هذه السلطة. فإذا لم تكن الهيئات المحلية منتخبة وإنما كانت معينة من قبل السلطة المركزية في العاصمة فإن هذا الوضع يجعل هذه الهيئات المحلية ضعيفة وتابعة للسلطة المركزية بشكل يقترب كثيراً من نظام المركزية الإدارية حتي لو كانت الهيئات المحلية تملك اختصاصات واسعة في المجال الإداري وتستطيع ممارستها بشكل مستقل عن السلطة المركزية وإنما فقط تحت رقابة هذه السلطة وأشرافها. ولذلك فإن البعض يميز بين النظام الذي تكون فيه الهيئات المحلية هيئات منتخبة ويجعل ذلك هو معني نظام اللامركزية الإدارية وبين النظام الذي لا تكون فيه هذه الهيئات منتخبه ويسميه نظام عدم التركز الإداري .
كذلك فإن الدولة البسيطة قد تسري فيها عدة تشريعات قانونية حيث يمكن أن تسري تشريعات معينة علي أقليم أو أقاليم إدارية من أقاليم الدولة دون الأقاليم الأخري أو علي مجموعة أو طائفة أو عدة طوائف من شعب الدولة دون الأخرين .
ولكن ينبغي في جميع الأحوال أن يظل استقلال الوحدات الإدارية المحلية استقلالاً ناقصاً لا يصل إلي حد الأكتمال في مواجهه السلطة المركزية ولا يصل إلي حد الخروج عن رقابة هذه السلطة وأشرافها. كما أن جهاز الدولة التشريعي ينبغي أن يظل موحداً ويكون هو وحده صاحب السلطة في أصدار القوانين سواء كانت تسري علي جميع أقاليم الدولة وأفرادها وجماعاتها أو كانت تسري علي بعض أولئك دون الأخرين .
كما ينبغي أن تظل السلطة السياسية والإدارية في الدولة واحدة لا تتعدد ونافذة بأوامرها مباشرة علي جميع أرض الدولة وهيئاتها وجماعاتها وأفرادها ، فكل هذه شروط لازمة لبقاء الدولة تحت وصف الدولة البسيطة في حالة أخذ الدولة بمبدأ اللامركزية الإدارية . فإذا فقدت الدولة هذه المواصفات أو بعضها لم تعد دولة بسيطة وأصبحت دولة مركبة. وأمثله الدولة البسيطة كثيرة في العالم المعاصر.
ولتقريب المفهوم أكثر للقارئ نشرح الوضع بالنسبة لمصر وهي من أهم وأفضل نماذج الدولة البسيطة في العالم علي أمتداد تاريخه .
فمصر تحكمها سلطة مركزية واحدة موحدة يقوم علي أمرها رئيس أعلي واحد هو الحاكم الأعلي للدولة ( الفرعون - الوالى - الخديوي - السلطان - رئيس الجمهورية علي أمتداد العصور التاريخية التي مرت بها مصر ) ، وهذه السلطة تملك أصدار القرارات والأوامر الإدارية ذات الطبيعة التنظيمية العامة كإنشاء طريق أو إقامة مصنع أو بناء مدرسة أو أستصلاح أرض زراعية … الخ وكذلك تملك إصدار الأوامر الإدارية ذات الطبيعة الفردية أي التي تخص أفراداً معينين كتعيين شخص ما في وظيفة ما أو نقله منها أو تقرير حق أو ميزة لهذا الشخص أو حرمانه منها … الخ . كما تملك هذه السلطة وحدها أنشاء الهيئات والوحدات الإدارية وتعيين أعضائها وتحديد سلطاتها ووضع الحدود المختلفة للأقاليم الإدارية سواء كانت محافظات أو أحياء أو مدن أو مراكز أو قري ، كما تملك إلغاء ما انشأته منها أو تعديل حدوده أو سلطاته أو دمجه في هيئة أو وحدة أخري دون معقب .
والسلطة التشريعية في مصر يملكها مجلس الشعب وحده ولا يشاركه فيها أية هيئات محلية. ومن خلال السلطتين الإدارية والتشريعية الموحدة وحدهما يمكن أقرار بعض الاختصاصات للهيئات المحلية فيما يختص بوضع التشريعات الأدني مثل اللوائح والقرارات التنظيمية التي تخص بعض أوضاع العمل أو المرور أو خدمات المرافق كالتعليم والصحة … الخ .
وفي مصر سلطة قضائية واحدة ينظمها القانون وتتدرج محاكمها في المراكز ثم المحافظات وصولاً إلي المحاكم العليا التي تصدر المبادئ القانونية والقضائية العامة التي لا تملك المحاكم الأدني الخروج عليها في معظم الأحوال ، وهذه المحاكم العليا توجد جميعاً في العاصمة المركزية للبلاد .
فالسلطة في مصر واحدة في سائر أجزائها، وهى حتى من الناحية الإدارية تعد نظاماً إدارياً مركزياً راسخاً حيث أن مسئولي جميع الوحدات والهيئات الإدارية والمصلحية يعينون بشكل مركزي من قبل الرئاسات العليا في العاصمة المركزية للبلاد .
وإذا حصل مواطن مصري علي حكم قضائي من محاكم أحدي المحافظات المصرية فإن هذا الحكم يكون نافذاً في جميع أنحاء البلاد. فإذا حصل مواطن من الأسكندرية مثلاً علي حكم من أي محكمة فيها أو في أي محافظة أخري يقضي بأحقيته في أية أموال أو تعويضات أو وظائف في محافظة أسوان مثلاً فإن هذا الحكم ينفذ في أسوان ويتعين علي السلطات المختصة في أسوان أن تقوم بتنفيذه بذات الطريقة والإجراءات التي يتم بها تنفيذ الحكم الصادر من محاكم أسوان ، ولا يكون لسلطات أسوان حق الأعتراض علي تنفيذ هذا الحكم إلا كحق أي مواطن أو هيئة في الأعتراض عليه ولا يكون هناك ثمة أجراء تملكه هذه السلطات لنفسها يعطي لها بذاتها أو بحسبانها سلطة إدارية في مواجهة سلطة إدارية أخري أو في مواجهة السلطة المركزية الحق في وقف تنفيذ الحكم أو القيام بأجراءات معينة تخصها وحدها تمهيداً لتنفيذه .
والمواطن المصري يملك حرية التنقل والعمل في كافة أنحاء البلاد دون أن يتوقف ذلك على محل ميلاده أو محل تعليمه … الخ وهو يمارس كافة حقوقه وحرياته العامة والخاصة ، السياسية والأقتصادية والأجتماعية كحق الترشيح والأنتخاب ، وحق العمل واقامة الشركات وتكوين الجمعيات والتملك والإيجار … الخ يمارسها في أي مكان يتاح له أو يريده في البلاد. وإذا وضعت محافظة من المحافظات قيوداً علي مواطنيها فيما يتعلق ببعض الأمور كالمرور ونقل المواد الزراعية أو الغذائية من أراضيها… الخ فإن هذه القيود تسري علي سائر المواطنين المصريين الذين يتعاملون في هذه الأشياء علي أرض المحافظة ، كما أنه إذا كانت ثمة ظروف خاصة تعطي لأي محافظة الحق في اصدار تسهيلات معينة للمواطنين في أي مجال من المجالات فإن هذه التسهيلات يتمتع بها جميع المصريين الذين يتعاملون في المجال الذي تمنح له التسهيلات بصرف النظر عن كونهم من قاطني هذه المحافظة أو لا .
كما أن السلطة المركزية تملك في كل وقت الغاء أي قرار من قرارات المحافظات بلا معقب وتملك الزام المحافظات بأعطاء استثناءات معينة ولو كانت لأفراد بذاتهم علي القرارات التنظيمية التي تصدرها المحافظات . كذلك فإن قوانين العمل والتملك والعقوبات وسائر القوانين التي تنظم حياة المواطنين تصدرها السلطات المركزية وتسري علي سائر المواطنين دون توقف علي الإرادة الخاصة لأي جماعة أو سلطة أو فرد .
2- الدولة المركبة : تتكون من دولتين أو أكثر اتحدتا لتحقيق أهداف مشتركة بحيث تخضع الدول الداخلة في الاتحاد لسلطة مشتركة وتتوزع سلطات الحكم ما بين هذه السلطة المشتركة والسلطات الخاصة بالدول الداخلة في الاتحاد كلاً علي حدة ويختلف توزيع السلطة حسب طبيعة الاتحاد المتفق عليه فيما بينهما وظروف نشأته وتطوره .
فهناك اتحادات شخصية والتي تتألف من دولتين متعادلتين في كل شئ لكل منهما سيادة داخلية وسيادة خارجية متميزة ودستور مستقل ولا يجمع بينهما إلا المصادفة التي تتمثل في اتحاد شخص الملك الحاكم للدولتين نتيجة مصادفات قواعد وراثة العرش حين يجتمع حق وراثته في تاج واحد وأسرة واحدة فلا يجمع بين الدولتين إلا شخص الملك الواحد الذي يحكمهما وقد اندثر هذا الشكل في الوقت الحاضر تماماً .
وهناك اتحادات فعلية أو حقيقية .. تحتفظ الدول الداخلة فيها بمسائلها الداخلية ويكون لها دستورها وتشريعاتها الخاصة وإدارتها ولكنها تخضع لحاكم واحد وتعتبر دولة واحدة بالنسبة لأحكام القانون الدولي . وقد أندثر هذا الشكل بدوره في الوقت الحاضر ولم يعد هناك أي نماذج باقية من نماذجه التي كانت موجودة حتى بدايات القرن العشرين .
ويلحق بالصورتين السابقتين صورة مندثرة أخري هي صورة الاتحاد الاستقلالي الذي يجمع بين مجموعة من الدول تحتفظ بسيادتها الداخلية والخارجية إلا بشأن الأمور التي اتفقت هذه الدول علي أعطائها للاتحاد نفسه والتي كانت تنحصر في مسائل الدفاع وحل النزاعات فيما بين الدول المتحدة نفسها أو بينها وبين الدول الأجنبية وهي أمور يمارسها الاتحاد من خلال مؤتمر سياسي لا يعد شكلاً تنظيمياً ولا هيئة تشريعية ، كما أن الاتحاد لا يعتبر دولة فوق الدول الداخلة فيه والتي تملك دائماً الحق في الانفصال عنه .
اما أبرز صورة حقيقية للدولة المركبة فهي صورة الاتحاد المركزي ، الذى يتكون من دويلات أو مقاطعات يتوافر لها صفة الدولة من الناحية الداخلية فيكون لها برلمانها وقوانينها وحكومتها المحلية وقضاؤها الخاص وموظفوها وسكانها وميزانياتها المستقلة إلي غير ذلك من الأمور التي قد تختلف فيها أختلافاً ظاهراً مع أي دويلة أو ولاية أو مقاطعة أخري داخل نفس الاتحاد . لكن هذه الدول تفقد في الغالب كامل صفتها الدولية ولا تعد دولة من أشخاص القانون الدولي بحال ، إذ أن هذه التكوينات جميعاً تدخل في تكوين دولة أكبر هي دولة الاتحاد التي يكون لها هيئاتها السيادية التشريعية والتنفيذية والقضائية وتمارس سيادتها علي جميع التكوينات الداخلة فيها ويكون أقليمها هو مجموع أقاليم وأراضي هذه التكوينات وشعبها هو مجموع أبناء هذه التكوينات أيضاً .
وتكون قوانين وقرارات وأعمال الاتحاد في حدود الاختصاصات المعطاه له ملزمة ونافذة في جميع الدول ودون أن يتوقف ذلك علي إرادة سلطاتها حتي لو جرى التنفيذ من خلال هذه السلطات وليس بشكل مباشر من قبل هيئات الاتحاد . ولا تعد هذه الدول أو المقاطعات مجرد أقسام إدارية كالشأن في الدولة البسيطة ولا تعد أمورها واختصاصاتها من موضوعات القانون الإداري بل من صلب موضوعات القانون الدستوري حيث يكون ما لها من اختصاصات وسلطات محدداً بموجب الدستور الاتحادي نفسه ولا يجوز لسلطات الاتحاد المساس به إلا في ضوء أحكام الدستور كما لا يجوز لها إلغاءه أو تعديله إلا عن طريق تعديل الدستور نفسه ووفقاً للطرق والاساليب التي يحددها الدستور لهذا التعديل وفي التوقيتات التي ينص عليها الدستور لاستحداث تعديلاته أو نفاذها .
إن دولة الاتحاد المركزي هى دولة كاملة ذات سيادة داخلية وخارجية لكنها تتكون أو تتركب من مجموعة من الدول أو المقاطعات ذات نظم سياسية وقانونية وإدارية مختلفة وهذا هو وجه الخلاف بينها وبين الدولة البسيطة أو الموحدة .
بقي أن نقول إن التكوينات الداخلة ضمن الاتحادات المركزية لا تملك حق الاستقلال من الناحية العملية لأفتقادها القدرة العملية أو القوة اللازمة لتحقيق هذا الاستقلال حتى وإن أمتلكت هذا الحق نظرياً في نصوص الدستور الاتحادي كما كان الشأن في دول الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان أحد أمثلة الاتحاد المركزي. فقد كان هذا الدستور ينص علي حق دول الاتحاد في الاستقلال متي شاءت ولكنه كان حقاً نظرياً غير قابل للتطبيق . وإذا كانت دول هذا الاتحاد قد أستقلت بالفعل فقد كان ذلك بفعل تفكك الاتحاد نفسه وأنهياره التام وليس تنفيذاً لأحكام دستور هذا الاتحاد المنصرم .
كذلك فإن التكوينات الداخلة في الاتحادات المركزية لا تكتسب صفة الدولة في المحيط الدولي حتى وإن وصفت بذلك في دستور الاتحاد وتعد الحروب التي تقوم داخلها أو بينها وبين أي دولة أخري من ذات الاتحاد من قبل الحروب الأهلية أو المحلية التي تخضع لأحكام القانون الداخلي دون القانون الدولي. وتعتبر سويسرا والولايات المتحدة الامريكية ويوغسلافيا السابقة أبرز أمثله دول الاتحاد المركزي في العصر الحديث .
وهكذا نجد أنه علي عكس الدولة البسيطة والتي تكون كاملة التوحد لا تتمتع أقاليمها بأي مظهر من مظاهر الاستقلال، فإن الدولة المركبة علي عكس ذلك تتصف بمواصفات عديدة من مظاهر الوحدة ومظاهر الاستقلال وهي مظاهر تتفاوت قوتها ومداها بحسب طبيعة الاتحاد الذي يربط بين الدول المكونة للدولة المركبة .
أ - ففي دول الاتحاد الشخصي تكون وحدة شخص رئيس الدولة هي مظهر الوحدة الوحيد بين دول الاتحاد، أما بخلاف ذلك فإن مظاهر الاستقلال تصبح كاملة ، فيكون لكل دولة من دول الاتحاد الشخصي سياستها الخاصة وقوانينها الداخلية وميزانيتها المستقلة ونظام حكمها الذي قد يختلف تماماً عن نظام الحكم في الدول التي تشاركها في هذا الاتحاد الشخصي. فقد يكون نظام بعضها ملكياً والأخر جمهورياً وهكذا . كما يكون لها تمثيلها الدبلوماسي الخاص المستقل لدى الدول الأخري بما فيها الدول الداخلة معها في هذا الاتحاد ، بل ويعتبر رعايا أي دولة داخلة في الاتحاد أجانب علي أرض دوله الأخرى ، كما أن تصرفات أي دولة في المستويين المحلي والدولي تلزمها وحدها فقط دون سائر دول الاتحاد بل وقد تقوم الحرب فيما بين دول هذا الاتحاد فتكون حرباً دولية تحكمها قواعد القانون الدولي وليست حرباً أهلية تخضع لأحكام القوانين المحلية . كما أنه لا تقوم بهذا الاتحاد دولة واحدة مستقلة عن الدول الداخلة فيه بل علي العكس من ذلك فإن رئيس الاتحاد يمارس اختصاصاته داخل كل دولة باعتباره رئيساً لهذه الدولة وليس باعتباره رئيس لدولة الاتحاد .
ب - أما في دول الاتحاد الحقيقي فإن مظاهر الوحدة والتماسك تزداد ، فيكون للدولة رئيس أعلي واحد وسلطات واحدة تباشر شئونها الخارجية والعسكرية بحيث تفقد كل دولة داخلة في هذا النوع من أنواع الدول الاتحادية أو المركبة شخصيتها الدولية بالكامل لصالح دولة الاتحاد.
ولكن يتبقي لكل دولة من الدول الداخلة في الاتحادات الحقيقية مظاهر متعددة للاستقلال ، حيث تحتفظ بكامل شخصيتها في الأمور الداخلية ، فيكون لها دستورها وبرلمانها و ميزانيتها ونظامها الدستوري الخاص بها وسلطاتها المستقلة الإدارية والقضائية والتشريعية .
ولكن دولة الاتحاد تكون هي وحدها صاحبة الشخصية الدولية فتبرم المعاهدات باسمها أو باسم أي من الدول الداخلة في الاتحاد، وتكون وحدها هي صاحبة التمثيل الدبلوماسي والقنصلي كما أن الحرب التي تقع بين الدول الداخلة في

المزيد


الدولة احمد عبد الحفيظ

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات قانونية, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الأول

تعـريف الدولـــة وأركانها


 

إتفق فلاسفة السياسة علي أن الدولة هي الذروة التي تتوج البنيان الاجتماعي الحديث وتكمن طبيعتها التي تنفرد بها في سيادتها علي جميع أشكال التجمعات الأخرى
فالدولة وسيلة لتنظيم السلوك البشري وفرض المبادئ السلوكية التي ينبغي أن ينظم الأفراد حياتهم علي أساسها. فهي التي تصدر القوانين وتعاقب من يخرج عليها كما أنها تملك فرض النظام لضمان طاعتها من قبل الأفراد والجماعات المندرجة تحت ظلها .
وإذ كان هذا هو شأن الدولة فقد كانت موضع اهتمام ودراسة معظم فروع العلوم الانسانية من علوم الاجتماع والسياسة والقانون والاقتصاد والتاريخ … الخ .
فعلم التاريخ يحكي تطور الدولة كفكرة ونظام ويتناول حال ومصير الدول وأشكالها في مختلف الاوقات والعصور. وعلم السياسة يدرس الدولة من حيث القواعد النظرية والعملية التي يقوم عليها نظام الحكم في الدول المختلفة وأكثرها جدوى وثباتاً واستقراراً .
وعلم القانون يدرسها من حيث القواعد الملزمة التي تدور في اطارها أعمال الدولة ونشاطها ووسائلها لتحقيق أهدافها وإلزام رعاياها بطاعتها والنزول علي أوامرها. كما يعني علم القانون الدولي بدراستها كأحد شخصيات هذا القانون .
أما دور الدولة في الشئون الاقتصادية لإشباع الحاجات المختلفة لشعبها وحدود هذا الدور في ضيقه أو اتساعه وكونه مباشراً أو غير مباشر واقتصاره علي مجرد التنظيم أو امتداده إلي الفعل المباشر كدخول الدولة طرفاً في عمليات الإنتاج والتوزيع … الخ ، فهذا كله من مواضيع علم الاقتصاد .
كذلك فإن الدولة كحقيقة اجتماعية راسخة هي من المواضيع الهامة في دراسات علم الاجتماع والاخلاق وعلم النفس الاجتماعي ومختلف فروع العلوم الانسانية. ولعلنا نراهن علي أنه في عصر التكنولوجيا الحالي فإن علم الدولة سوف يمتد بتأثيره إلي مجال الدراسات المتعلقة بثورة التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات لما سيكون للأغراض التي تستهدفها الدول في هذا المجال والوسائل والآليات التي تضعها لتحقيق هذه الأغراض في الداخل والخارج من تأثير واضح علي التطور التكنولوجي في مداه وتأثيره ومجالاته المتعددة خصوصاً في المجالات المتعلقة بالاجتماع والاخلاق كالتناسخ البشري ، وتكنولوجيا الانتاج الصناعي والزراعي والهندسة الوراثية … الخ .
وكان من الطبيعي في ظل هذا المدى الذي يصل إليه تأثير علم الدولة بين سائر العلوم الانسانية أن تتنوع وتختلف التعريفات التي أعطاها الفلاسفة والعلماء لفكرة الدولة سواء في الفكر العالمي أو الفكر المصري .
ومن هذه التعريفات علي سبيل المثال من :
1 - جماعة مستقلة من الأفراد يعيشون بصفة مستمرة علي أرض معينه بينهم طبقة حاكمة وأخرى محكومة .
2 - مجموعة من الأفراد مستقرة علي إقليم معين ولها من التنظيم ما يجعل للجماعة في مواجهه الافراد سلطة آمرة عليا وقاهرة .
3 - وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات قانونية معينة في مواجهه أمة مستقرة علي إقليم محدد وتباشر حقوق السيادة بارادتها المنفردة عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها وحدها .
4 - التشخيص القانوني لأمة من الأمم .
5 - مجموعة من الافراد يقطنون إقليماً معيناً ويخضعون لسلطان الاغلبية منهم .
6 - شعب منظم خاضع للقانون يقطن أرضاً معينة .
7 - وفي مصر عرفها البعض بأنها الشخص المعنوي الذي يمثل قانوناً أمة تقطن أرضاً معينة والذي بيده السلطة العامة. وعرفها آخرون بأنها جماعة كبيرة من الناس تقطن علي وجه الاستقرار أرضاً معينة من الكرة الأرضية وتخضع لحكومة منظمة تتولى المحافظة علي كيان هذه الجماعة وتدير شئونها ومصالحها العامة .
ومن مجمل التعريفات السابقة وغيرها يمكن أن نستخلص اتفاقاً عاماً علي الاركان الاساسية للدولة، كما نلاحظ في الوقت نفسه تباينا في المعيار الذي وضعه كل فقيه أو مفكر لتمييز الدولة عن غيرها من الكيانات والجماعات الاجتماعية .
أما الاركان الاساسية للدولة من وجهة نظر القانون الداخلي فهى ثلاثة الشعب والإقليم والسلطة السياسية. ويحاول بعض فقهاء القانون الدولي إضافة ركن آخر هو الاعتراف بالدولة من قبل الدول الأخرى .
وسوف نتناول هذه الأركان وما تثيره من قضايا فيما يلي :

أولاً : الجماعة البشرية ( الشعب ) :
أي مجموعة الافراد والجماعات الذين تتكون منهم الدولة. ومن مميزات الجماعة البشرية المكونة للدولة أنها جماعة مركبة فهي تضم الأفراد ، وجماعاتهم مثل الأسر والجماعات المهنية والاجتماعية وغيرها مثل الاحياء والمدن … الخ ، مما حدا بالبعض إلي القول بأن الدولة تضحي في النهاية نوعاً من الاتحاد بين الجماعات أكثر منها أتحاداً بين الافراد وتثير فكرة شعب الدولة عدداً من القضايا الهامة منها :
1 - فكرة التمييز بين الشعب والأمة :
فالامة هي ظاهرة تاريخية يمكن تعريفها بأنها جماعة بشرية تجمعها روابط متعددة كوحدة الأصل واللغة والدين والتاريخ والمشاعر والعادات التي تتكون علي مدي تاريخي ممتد ومن خلال الاستقرار علي أرض متصلة الاجزاء غالباً مما يخلق لدي أفرادها الاحساس بالانتماء المشترك والرغبة في العيش معاً والاعتقاد الجازم في وجود مصالح مشتركة ترجع إلي المقومات والخصائص المشتركة فيما بينهم .
أما الشعب فظاهرة سياسية تتمثل في أرتباط مجموعة من الافراد بنظام سياسي معين داخل محدد ولا يلزم فيه بالتالي أن يكون علي هذه الدرجة من التجانس والاندماج التي هي من خصائص الامة الواحدة. فقد يكون شعب الدولة مكوناً من عدة جماعات مختلفة الاصول واللغة والدين والمشاعر والعادات لكنهم مع ذلك خاضعون لسلطان دولة واحدة علي إقليم معين. وبالطبع فإنه كلما ازدادت درجة توحد الشعب واكتسابه الكثير من خصائص الامة الواحدة كلما ازدادت قوة الدولة ومناعتها وتخلصت من الكثير من المشاكل التي يمكن أن تودي بوحدتها بل بوجودها ذاته. ولكن هذا لا يعني أن الاندماج هو شرط أساسي أو جوهري بالنسبة للشعب بمعناه اللازم كأحد أركان الدولة .
أما الأمة بمكوناتها السابقة فليس بلازم أن تكون دولة واحدة ما دامت لا تخضع لسلطة سياسية واحدة يمتد نفوذها إلي سائر الأرض التي تعيش عليها هذه الأمة وإلي سائر الأفراد والجماعات المكونة لها .
ومن هنا فإن كثيراً من الأمم انقسمت إلي دول متعددة مثل الأمة العربية في وضعها الحالي و الامة الكورية وكذلك الامة الالمانية منذ أنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى إعادة توحيد الدولة الالمانية في عام 1990. كما أن العديد من الشعوب قد أندرجت تحت ظل دولة واحدة رغم تباين ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها ومن ذلك الشعب السوداني والشعب السويسري مثلا .
2 - التمييز بين المدلولات المختلفة للشعب :
تتنوع مدلولات الشعب بحسب معناه الاجتماعي أو السياسي. فهناك مدلول الشعب بالمعني الاجتماعي وهو مجموع الافراد اللذين ينتسبون إلي الدولة عن طريق التمتع بجنسيتها ويقيمون علي أرضها. وهؤلاء هم مواطنو الدولة الذين يتمتعون بسائر الحقوق ويلتزمون بسائر الواجبات التي تمنحها لهم أو تلزمهم بها نظم الدولة ، ولا تسقط عنهم هذه الصفة لمجرد السفر خارج البلاد حتى لو كان سفراً طويلاً بل هجرة دائمة ما داموا لم يتنازلوا عن جنسية دولتهم الأصلية. وهذا المدلول بالمعني السابق يختلف تماماً عن مدلول الشعب بمعني جماعات الافراد المقيمين بأرض الدولة أي سكانها حيث يتسع مفهوم السكان ليشمل سائر المقيمين علي أرض الدولة ولو كانوا من الاجانب اللذين لا يحملون جنسية الدولة وحتى لو كانت اقامة هؤلاء دائمة ومستقرة ورغم خضوعهم بالطبع لسلطان قانون الدولة التي يقيمون علي ارضها.
علي أن مفهوم الشعب بمعناه الاجتماعي يختلف أيضاً عن مفهوم الشعب السابق بمعناه السياسي، إذ ينحصر المفهوم السياسي في هذه المجموعات من الشعب التي تتمتع بسائر الحقوق السياسية خصوصاً حق الانتخاب والترشيح أي جمهور الناخبين وهؤلاء يمثلون مجموعات أضيق كثيراً من تلك المجموعات التي تندرج تحت مفهوم الشعب بمعناه الاجتماعي إذ لابد أن يخرج العديد من أفراد ومجموعات الشعب بمعناه الاجتماعي عن نطاق مفهوم الشعب بمعناه السياسي كفاقدي التمييز والأهلية وصغار السن والمجرمين الجنائيين بل وطوائف أخري غيرهم إذ قد يضيق مفهوم الشعب بالمعني السياسي إلي حدود بعيدة حين تحرم من حقوق الانتخاب طوائف عديدة من الشعب مثل المرأة أو الشباب الذين تقل أعمارهم عن سن محددة تعتبر كبيرة نسبياً أو في حالة الأخذ بنظام الاقتراع المقيد الذي كان يشترط فى مراحل سابقة بعض الشروط المالية أو الطبقية أو التعليمية لحصول الأفراد علي حقوقهم السياسية الكاملة فكل من يحرم من الحقوق السياسية خصوصاً حقوق الانتخاب يخرج عن نطاق الشعب بمفهومه السياسي رغم بقائه داخل الشعب بمدلوله الاجتماعي. علي أن معظم النظم السياسية في العالم المعاصر تحاول قدر طاقتها الوصول بمفهوم الشعب بمعناه السياسي إلي أقصي قدر من المطابقة مع مفهوم الشعب بمعناه الاجتماعي وذلك بالتوسع في منح حقوق الانتخاب ومختلف الحقوق السياسية للمرأة والشباب في سن صغيرة والغاء كافة القيود غير التنظيمية المقيدة لحق الاقتراع. وبقي أن نقول أنه لا يشترط عدد معين في شعب الدولة فقد ينخفض إلي عشرات الالوف وقد يرتفع إلي مئات الملايين مع ملاحظة أن صغر عدد شعب الدولة يقلل كثيراً من مكانتها وأهميتها وقدراتها .

ثانياً : الإقليم :
الركن الثاني من أركان قيام الدولة هو الإقليم .. أي تلك الرقعة من الأرض التي يقيم عليها شعب الدولة وتمارس فيه سلطاتها أو سيادتها. فلا يكفي وجود جماعة من البشر لنشوء دولة ما لم يقطن هؤلاء البشر في قطعة معينة من الأرض علي سبيل الدوام والاستقرار حتى لو كان هؤلاء الأفراد يخضعون لسلطة حاكمة كشأن القبائل الرحل التي لا تستقر علي أرض محددة وإن خضعت لسلطان شيخها أو شيوخها متى تعددوا … الخ ويشتمل إقليم الدولة علي أرضها وبحرها وسمائها .
1 - أما الإقليم الأرضي فلا خلاف عليه، فهو مساحة الأرض التي تخضع لسلطان الدولة ولا يمتد هذا السلطان لخارجها. ومن هنا يجب أن يكون إقليم الدولة محدداً بحيث تنتهي سيادة الدولة عند حدود هذا الإقليم لتبدأ حدود دولة أخري .
وقد تكون الحدود بين الدول طبيعية كوجود جبال أو أنهار تفصل بينها. وقد تكون صناعية كوضع علامات من أبراج أو أسوار أو أعمدة أو خلافه. وقد تكون وهمية أو متصورة مثل خطوط عرض أو طول … الخ .
وبالطبع فكثيراً ما تحدث الخلافات والمنازعات والحروب بين الدول بخصوص حدودها المشتركة مما قد يؤدى إلي تعيين الحدود بواسطة الأتفاق أو من خلال الاسترشاد بقواعد العرف الدولي في هذا الخصوص. ويلاحظ أن الإقليم الأرضي يشمل جميع الأعماق إلي ما لانهاية بما تحويه من موارد وثروات طبيعية كما يشمل جميع الظواهر من معالم طبيعية كوديان وأنهار وسهول وجبال … الخ .
2 - أما الإقليم الجوي فلم يثر أي خلاف رغم أزدياد أهميته باتساع حركة الطيران الدولي في السلم والحرب، فهو يتمثل في كافة طبقات الجو التي تعلو إقليم الدولة الأرضي والمائي وإن علت. وقد لجأت الدول في العصر الحالي إلي عقد الاتفاقات المختلفة بشأن الملاحة الجوية وتنظيم مرور الطائرات الأجنبية داخل الإقليم الجوي لكل دولة .
غير أن جانباً كبيراً من الفقهاء والمفكرين بات يلاحظ بحق أن فكرة سيطرة الدولة علي إقليمها الجوي أي طبقات الهواء التي تعلو إقليمها إلي ما لانهاية في الارتفاع ، هذه الفكرة باتت فكرة نظرية صعبة التحقيق بعد أن أصبح في مكنة العديد من الدول اطلاق الصواريخ وسفن الفضاء والأقمار الصناعية لتخترق طبقات الجو في سائر أنحاء العالم دون حاجة للحصول علي موافقة الدولة المعنية ودون توافر أية قدرة لدي معظم الدول الأخرى على مجرد رصد هذا الاختراق فضلاً عن مواجهته أو القضاء عليه .
3 - إقليم الدولة البحري وحدوده هو أكثر ما أثار الخلافات ، ولكن لا خلاف علي أن هذا الإقليم يشمل كل البحار والانهار والبحيرات التي تقع ضمن حدود إقليم الدولة الأرضي، ولا خلاف علي أن لسائر الدول الحق في نصيب من البحار العامة التي تلاصق أرضها. لكن الخلاف وقع في حدود هذا النصيب، فمن قائل بأن هذه الحدود تتمثل في أقصي مدي تصل إليه قذائف مدافع الدولة ومن قائل بتحديده بثلاثة أميال بحريه ومنهم من قال 12 ميلاً بينما وصل الاخرون به إلي حدود الخمسين ميلاً بحرياً. وقد سارت فكرة الثلاثة أميال لفترة و أعتنقتها الكثير من الدول وبعض المعاهدات الدولية. غير أن الفكرة هجرت وما زال الخلاف قائماً. إلا إنه يوجد ما يشبه الاتفاق علي أن مسافة الثلاثة أميال هي الحد الأدني الذي يمكن للدولة الزيادة فيه ولكن فقط إلي الحد الذي يكون مقبولاً من الدول الأخري التي يهمها الأمر .
4 - وقد أثار عنصر الإقليم كأحد مكونات الدولة فكرة طبيعة حق الدولة علي إقليمها . وهناك عدة أراء في هذا الشأن موجزها:
أ - حق ملكية … أي أن الإقليم مملوك للدولة التى تمارس عليه حق الملكية. ولكن يرى البعض هذه النظرية ترجع إلي عهد أنقضى من عهود التاريخ متأثرة بالعقائد الدينية التي كانت تجعل الإقليم ملكاً للالهة، والتي علي أساسها ادعت الكنيسة حق التصرف في الأرض بأعتبار البابا ممثل الأله في الأرض وادعت الصهيونية بالحق في أرض فلسطين - أرض الميعاد - التي منحهم الرب ملكيتها في العهد القديم .
وكذلك فإن هذه النظرية تعتبر أمتداداً لفكرة الدولة المالية التي لا تفصل بين الدولة وشخص الحاكم، وتعتبر ارض الدولة نوعاً من الدومين الخاص بالحاكم يتصرف فيه كيف يشاء .
إلي ذلك فقد رأي خصوم هذه النظرية أنها تعارض حق الملكية الخاصة ما دامت الأرض في الملكية العامة للدولة، وإن كان أنصارها يردون علي ذلك بأن ملكية الدولة لإقليمها هي ملكية من طبيعة خاصة تسمو علي الملكية الفردية لكنها لا تتعارض معها ، فهى تتمثل فقط في خضوع الإقليم لسلطان الدولة حكماً وإدارة وقضاء.
ب - حق السيادة … أي أن الإقليم موضوع لحق سيادة تمارسه الدولة عليه. وقد انتقد البعض هذه النظرية بأن السيادة ترد علي الاشخاص وليس علي الاشياء، كما أنها تتعارض مع اعتبارات القانون الدولي وما يفرضه علي الدول من قيود . وقد رد أنصارها علي هذا النقد بامكان انسحاب السيادة علي الإقليم ايضاً وكذلك بأن هذه السيادة إنما تُمارس في حدود قواعد القانوني الدولي.
ج - حق الأختصاص … أي أن الإقليم هو الأطار المكاني الذي تباشر فيه الدولة سلطانها أي حقوق السيادة التشريعية والقضائية والمالية والعسكرية … الخ وهو ما تعترف به مبادئ القانون الدولي .
وقد لوحظ أن الاختصاص ليس قاعدة مطلقة، فمن قوانين الدولة ما يمتد إلي خارج نطاقها كما أن من الاشخاص وصور النشاط ومن الحقوق في الداخل ما يعفي من الخضوع لتشريعات الدولة.
والواقع أن النظريات المتقدمة جميعاً تكاد تدور حول فكرة السيادة أي حق الدولة في ممارسة سلطانها علي إقليمها .
وليست الانتقادات الموجهة إلي كل نظرية إلا من ناحية النظر إليها بشكل مطلق دون مراعاة التكامل فيما بينها .
ولكن يمكن اعتبارها جميعاً تنويعات علي فكرة السيادة المقيدة حيث تتقيد سيادة الدولة بكافة الاعتبارات التي تؤثر علي قرارها في الداخل كرغبات الرأي العام وطبيعة الظرف السياسي ونمط القيم والافكار السائدة والاوضاع الاقتصادية … الخ كما تتقيد سيادة الدولة بقواعد القانون الدولي والمعاهدات الدولية وطبيعة موازين القوي الدولية والإقليمية وفيما بين الدولة ذاتها وأي دولة أخري … الخ .
كذلك فإن إعفاء بعض الأشخاص والممتلكات والانشطة داخل إقليم الدولة من الخضوع لقانونها إنما هو أمر يتم وفق إرادة الدولة سواء كانت إرادة منفردة ابتغاء تشجيع الاستثمار مثلاً أو وفقاً لمعاهدة دولية وقعتها الدولة بملء إرادتها أو مبادئ عامة في القانون الدولي. وفي الحالين الاخيرين فإن الدولة تضمن لمواطنيها وممثليها والانشطة التي يقومون بها معاملة مماثلة .
كذلك فإنه في الحالات التي يمتد فيها سلطان قانون الدولة إلي خارج حدود إقليمها فإن هذا السلطان لا يتضمن القوة والاكراه بالمعني الذي يتضمنه هذا السلطان في داخل إقليم الدولة نفسها. ويبقي أن نقرر أنه لا أهمية لمساحة إقليم الدولة فقد يكون صغيراً أو كبيراً دون أن يؤثر ذلك علي قيامها، وإن كان له تأثير بالغ بالطبع علي قدراتها ومواردها ونفوذها ومكانتها الدولية. كما أنه لا يؤثر في وجود إقليم الدولة أن تكون حدوده مبهمة أو غامضة فلا يشترط أن تكون حدود الإقليم محددة بشكل قاطع .
كذلك فإنه لا يؤثر في وجود الدولة فقدانها السيطرة علي إقليمها ما دام ذلك بصفة عارضة ومؤقتة ولظروف خارجة عن أرادتها مثل احتلال دولة أخري لها بالقوة. ففي هذه الحالة ما دام تنظيم الدولة قائماً وقوياً وقادراً علي ممارسة سلطته من الخارج وعلي رعايا وجماعات السكان ومؤسسات الدولة الخارجية فإن الدولة تظل قائمة كما حدث لبلجيكا حين احتلت في الحرب العالمية الأولي وللنرويج عندما احتلت في الحرب العالمية الثانية، فلا تنتهي الدولة ولا تزول إلا إذا فقد نظامها السياسي السلطة علي إقليمها وأندمج هذا الإقليم مع أو الحق بإقليم دولة أخري .
5- فكرة السيادة التى تحظى بأهمية كبيرة في الدولة الحديثة ، حيث يعتبر أكثر الفقهاء والمفكرين والفلاسفة أن صفة السيادة ترتبط أرتباطاً لا ينفصل بفكرة الدولة بحيث يكون للدولة الكلمة العليا الآمرة الأخيرة في شئون سائر الجماعات والتكوينات ، والافراد المندرجين تحت لوائها والموجودين علي إقليمها أو الذين يرتبط وجودهم خارج إقليم الدولة بالدولة نفسها ، حتى لقد ذهبت النظرية الفرنسية إلي أعتبار أن قيام الحكومة ذات السيادة الكاملة في الداخل والخارج هو شرط لازم لقيام الدولة ووجودها .
ويمكن القول بأن سيادة الدولة هو تعبير معناه أن تبسط الدولة سلطانها علي إقليمها بسطاً كاملاً تاماً لا تشاركها فيه هيئة ولا دولة ولا جماعة أخري، وأن يشمل سلطان الدولة سائر الأفراد المقيمين علي الإقليم أياً كانت صفة أقامتهم فيه ولو كانوا من الأجانب المقيمين اقامة دائمة أو مؤقتة أو عابرة وكذلك علي الهيئات والجماعات والتشكيلات الاجتماعية والسياسية والإدارية الموجودة داخل هذا الإقليم وعلي أرضه .
فجميع هؤلاء الأفراد والهيئات والجماعات خاضعون لسلطان الدولة وقوانينها ونظمها ، مفترض فيهم العلم بهذه القوانين والنظم، والدولة وحدها هي التي تنظم الطريقة التي يفترض بها أن الجميع قد عرفوا بهذه النظم والقوانين ، كالنشر في الجريدة الرسمية مثلاً بحيث إذا تم هذا النشر فلا يستطيع أحد أن يدعي جهله بأي من هذه القوانين والنظم ، وأصبح ملتزماً بها لا يستطيع الخروج عليها. والدولة وحدها هي التي تستطيع تحديد طريقة عقاب الأفراد والجماعات اللذين يخرجون عن طاعتها أن يتمردون عليها سواء كان ذلك بشكل فردي عن طريق ارتكاب المخالفات الإدارية أو الوظيفية ، أو عن طريق أرتكاب الجرائم التي تعاقب عليها قوانين الدولة . كما تملك الدولة ذات السلطات

المزيد


المنظمات الاقليمية أ/ أيمن عبد الوهاب

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , فكر سياسي وتربوي, معاهدات واتفاقيات دولية, مفاهيم ومصطلحات, هيئات دولية

الفصل الثالث

مصر والمنظمات الإقليمية



 

قامت مصر بدور بارز فى تأسيس جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية. ومازالت تقوم بدور قيادى فى أنشطتهما والجهود المبذولة لتطوير وتدعيم أداء كل منهما. كما حرصت مصر على الانضمام الى السوق المشتركة لدول شرق وجنوب افريقيا المعروفة بإسم منظمة الكوميسا والتى استضافت القاهرة المؤتمر الاقتصادي الأول لها فى فبراير 2000.

أولاـ جامعة الدول العربية
تأسست الجامعة فى ظروف فرضت عليها أن تحمل فى جنباتها مؤثرات ثلاثة هى: الفكر القومى ، وواقع الدولة الوطنية ذات السيادة، والمؤثرات الدولية، وهو ما انعكس على أداء الجامعة على مدى أكثر من نصف قرن.
1 ـ نشأة الجامعة وأهدافها:
بعد صدور إعلان الحكومة البريطانية في 24 فبراير1943 بأنها تنظر بعين العطف إلى كل حركة تنشأ بين العرب بغرض دعم وحدتهم السياسية والاقتصادية والثقافية برزت بعض المحاولات الساعية لعقد مؤتمر عربي تحضره الدول العربية للتشاور في موضوع إقامة نوع من الاتحاد أو الجامعة فيما بينها. وبالفعل قامت الحكومة المصرية بالدعوة إلى عقد لجنة تحضيرية للمؤتمر العربي العام واجتمعت هذه اللجنة بالإسكندرية فى الفترة من 20 سبتمبر إلى 7 أكتوبر عام 1944 واشتركت في هذه اللجنة ست دول مستقلة فى ذلك الوقت هي مصر وسوريا ولبنان والعراق وشرق الأردن والمملكة العربية السعودية وأرسلت اليمن مندوبا عنها للاستماع فقط ، وكان من ثمار هذه اللجنة أنها وضعت المبادئ العامة التي تقوم عليها الجامعة المراد إنشاؤها.
وفى 22 مارس 1945 انعقد المؤتمر العربي العام في حضور كل من سوريا ولبنان وشرق الأردن والعراق والسعودية ومصر واليمن حيث تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية. ومن الملاحظ ان متطلبات الواقع العربى قد أبرزت العديد من الاحتياجات التى لم يتضمنها ميثاق الجامعة او تلك التى اكتفى بالإشارة اليها . ولذا فقد استدعت الحاجة ضرورة توقيع العديد من الاتفاقيات بين الدول العربية وخاصة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادى والاجتماعى والعسكرى. ومن ابرز وأهم هذه الاتفاقيات معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى التى تم إقرارها عام 1951 ، وإن كان من الملاحظ ان معظم الاتفاقيات لم تدخل طور التنفيذ الحقيقى.
وقامت الجامعة على اساس العمل على تحقيق عدة أهداف أساسية هي:
أ ـ المحافظة على استقلال الدول الأعضاء :
يمثل هذا الهدف أحد أبرز الأهداف التي لقيت قبولا لدى الدول الموقعة على الميثاق، حيث أنه لا يتضمن فقط التأكيد على عدم المساس باستقلال الدول من جانب الدول الأعضاء، بل إنه يستدعى أيضا الالتزام بالمحافظة على هذا الاستقلال. وقد برز هذا المبدأ فى عدة مواضع منها: ديباجة الميثاق التي قررت أن الميثاق يهدف إلى عدة أمور منها احترام استقلال كل الدول ونص المادة 2 التي تقرر أن الغرض من الجامعة تحقيق عدة اهداف منها صيانة استقلال الدول وسيادتها.
ب ـ حفظ السلم والأمن :
تضمنت المادتان الخامسة والسادسة من الميثاق النص على هذا المبدأ.فقد اقررت المادة 5 عدم جواز اللجوء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، وفى حالة ما إذا نشب بين دول الجامعة أو بعضها خلاف لا يتعلق بالاستقلال أو بالسيادة ولجأ المتنازعون إلى مجلس الجامعة لفض النزاع فإن قرار مجلس الجامعة في هذه الحالة يكون نافذا أي ملزما لهذه الدولة ، ولا يجوز اشتراك الدول المتنازعة في مداولات المجلس وقراراته بخصوص هذا النزاع ، وإذا كان هناك خلاف بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة فإنه يحق للمجلس أن يتوسط لحل هذا الخلاف متبعا في ذلك الطرق الدبلوماسية الخاصة بالتوفيق. ومن المعروف ان قرارات المجلس بالنسبة للتوسط وبالنسبة للتحكيم تصدر بأغلبية الآراء .
ج ـ التعاون السياسي :
تنص المادة 2 من الميثاق فى فقرتها الأولى على اهمية هذا الهدف، حيث تقرر أن الغرض من قيام الجامعة هو توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها وتنسيق خططها السياسية تحقيقا للتعاون فيما بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها. والواقع أن جوهر نشاط الجامعة يقوم على تحقيق التعاون السياسي بين دولها.

د ـ التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي :
تشير الفقرة الثانية من المادة 25 الى ان من أغراضها تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة منها وأحوالها في الشئون الاقتصادية والمالية، وشئون المواصلات والبرق والبريد، وشئون الثقافة، وشئون الجنسية والجوازات والتأشيرات، والشئون الاجتماعية والشئون الصحية.
هـ ـ النظر في مصالح الوطن العربي :
يمثل هذا الهدف العام محاولة من جانب الدول المؤسسة لتوفير مناخ يدعو للاطمئنان للدول الأعضاء ، من خلال التأكيد على مراعاة مصالح الدول الأعضاء جميعا ومراعاة التباينات القائمة. فقد تضمنت المادة 2 هذا الهدف بالنص على إن الغرض من الجامعة العربية توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ولصالحها.
وبالنظر للأهداف السابقة، تكون جامعة الدول العربية منظمة إقليمية ذات طابع قومى ، خاصة وأن العروبة شرط للعضوية بها، ولكنها ليست فوق الدول لأن ميثاقها أكد على السيادة الوطنية.
2ـ مبادئ جامعة الدول العربية :
يتضمن ميثاق الجامعة خمسة مبادئ أساسية تقوم عليها يمكن إيجازها على النحو التالي:
أ ـ عدم التدخل في الشئون الداخلية:
جوهر هذا المبدأ يستند الى انه لا يجوز لدولة من دول الجامعة أن تتدخل لتغيير نظام الحكم القائم فى إحدى الدول الأعضاء، وأن التعهد بالاحترام يقتضى تحريم إتيان أى فعل من شأنه الإخلال بهذا الاحترام حتى ولو لم يصل اثر الفعل إلى التأثير فى نظام الحكم . كذلك يستوى أن يكون الفعل مباشر أو غير مباشر طالما كان من شأنه الإخلال بهذا التعهد، وهو ماتوضحه المادة رقم 8 من الميثاق.
ب ـ سيادة الدول الأعضاء:
ينطلق هذا المبدأ من كون الجامعة العربية منظمة تقوم على أساس التعاون الاختياري بين الدول الأعضاء، وبالتالى فإنه لا يجوز المساس بسيادة الدول بأي شكل من الأشكال. ولذا أقر ميثاق الجامعة فى مادته 7 عدم جواز إلزام دولة بقرار أو قرارات لم توافق عليها.
ج ـ المساواة بين الدول الأعضاء:
يستند هذا المبدأ الى النصوص المختلفة التي تضمنها الميثاق، ويستند الى ديباجة الميثاق.
د ـ حل المنازعات بالطرق السلمية:
يمثل هذا المبدأ أحد المبادئ العامة التي تتضمنها مواثيق المنظمات الدولية والإقليمية حيث يتعين عدم اللجوء للقوة فى حل المنازعات التي تثور بين الأعضاء. والجدير بالذكر ان ميثاق الجامعة نص على إن إجراءات حل الصراعات هى الوساطة والتحكيم فقط، وان كان من الملاحظ انه لا يوجد أي إلزام بعرض النزاعات العربية على الجامعة أولا، رغم أهميته بالنسبة لأى منظمة حيث يعطيها أولوية التعامل مع النزاعات الإقليمية بين أعضائها.

3ـ أحكام العضوية:
تشمل أحكام العضوية بجامعة الدول العربية والضوابط الخاصة باكتساب العضوية وتلك الخاصة بفقدها كما تشمل الإجراءات التي يتعين اتباعها لتقرير الانضمام للجامعة.
فتقتصر العضوية على الدول العربية المستقلة التي وقعت على الميثاق (22 دولة)، وهي: مصر والمملكة المغربية والسعودية واليمن والجزائر والمغرب والأردن وسوريا ولبنان والعراق وعمان وقطر والكويت وليبيا والسودان وتونس والبحرين والإمارات وموريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر وفلسطين التي تقرر قبولها كعضو كامل العضوية.
ولكل دولة عربية مستقلة الحق في أن تنضم إلى الجامعة وتأسيسا على ذلك تكون عضوية الجامعة خاضعة لثلاثة شروط هي:
أ - أن يكون طالب العضوية دولة عربية.
ب - أن يكون طالب العضوية دولة مستقلة.
جـ - أن يوافق مجلس الجامعة على قبول الانضمام.
ويقتضى الانضمام الى الجامعة تقديم طلب إلى الأمين العام على ان يكون متضمنا الموافقة على ميثاق الجامعة دون قيد او شرط.
ولقبول طلب الانضمام يتعين الحصول على الإجماع إعمالا للقاعدة الخاصة بأحكام القبول بالجامعة.
ويلاحظ فى هذا السياق ان الميثاق لم يتضمن نصا صريحا لأسباب رفض طلب العضوية، بحيث يكون للدولة الطالبة للعضوية الحق فى تقديم طلب جديد عند زوال السبب.
أما بالنسبة لمسألة فقد العضوية فهى ترتبط بانتفاء شرط من الشروط الواجب توافرها للتمتع بالعضوية من جانب، والانسحاب بسبب تعديل الميثاق من جانب ثان، ورغبة الدولة العضو فى الانسحاب من جانب ثالث، والفصل من العضوية من جانب رابع.
4 ـ الهيكل التنظيمي للجامعة:
تتكون الجامعة من عدة أجهزة هى:
أ ـ مجلس الجامعة:
يتكون من مندوبين عن جميع الدول المشتركة في الجامعة، ويجوز ان يتعدد مندوبو الدولة الواحدة، لكن لا يكون لهم في هذه الحالة إلا صوت واحد. ويضاف إلى ذلك ممثل لفلسطين طبقا للملحق الأول للميثاق. وهو ما توضحه المادة 3/1 التي تقرر يكون للجامعة مجلس يتألف من مختلف الدول المشتركة في الجامعة ويكون لكل منها صوت واحد مهما كثر عدد ممثليها.
ومن الملاحظ ان الميثاق لم ينص على مستوى الممثلين للدول وإن كانت العادة قد جرت على أن يمثل الدول في هذه الاجتماعات وزراء الخارجية ،إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن يقوم بهذا التمثيل من هم دون ذلك من سفراء أو من يتولون مناصب رئاسية مثل رؤساء الحكومات. وينعقد المجلس في دورتين عاديتين في شهرى مارس وأكتوبر من كل عام، على أن يقوم الأمين العام بتحديد اليوم الذي تبدأ فيه الدورة العادية إعمالا لنص المادة رقم 5 من النظام الداخلي للمجلس. ومع ذلك يجوز دعوة المجلس للانعقاد في دورات غير عادية بشرط أن تكون هناك حاجة ملحة إلى ذلك، أو أن يتم بناء على طلب دولتين أو أكثر من دول الجامعة، ويكون انعقاد الاجتماعات بمقر الجامعة بالقاهرة. ويمارس مجلس الجامعة اختصاصات عديدة تشمل جميع الشئون التي نشأت الجامعة من اجلها.
اما من ناحية التصويت فإن القاعدة العامة بالنسبة للتصويت هي أن القرار الذى يصدر عن المجلس لا يكون ملزما إلا للدول التي وافقت عليه. وقد تضمنت هذه القاعدة العامة المادة 7 من الميثاق. والإجماع المقصود في المادة هو إجماع الأعضاء وليس فقط المشتركين في التصويت، ومع ذلك يتعين مراعاة أن الميثاق اكتفى بقاعدة الأغلبية في حالات أخرى مثل تعديل الميثاق وتعيين الأمين العام للجامعة ( يتطلب أغلبية الثلثين) أما القرارات الخاصة بالمسائل الإجرائية مثل تعيين الموظفين فيكتفى بالأغلبية العادية لصحة القرارات.
وبعد 55 عاما من نشأة الجامعة تمت اضافة ملحق الى ميثاقها فى قمة القاهرة غير العادية فى أكتوبر 2000 ينص على انعقاد مجلس الجامعة بشكل سنوى من رؤساء الدول فى مارس من كل عام. ويعد هذا التطور اول تقنين للانعقاد الدورى للقمة العربية التى كانت تعقد خارج إطار الجامعة بناء على دعوة من إحدى الدول.
ب ـ الأمانة العامة:
تعنى بالمسائل الادارية الخاصة بالجامعة ويرأسها موظف دولي هو الأمين العام للجامعة ويعاونه في القيام بالمهام الموكلة اليه مجموعة من الموظفين. والجدير بالذكر ان المادة 12 من الميثاق قد أعطت الأمين العام للجامعة مكانة بارزة.
فهو أكبر موظف دولي بالجامعة ولا يمثل دولة من الدول الأعضاء ولا يتلقى تعليمات من أية دولة، فهو يمثل الجامعة التي يعمل لحسابها ويتصرف بإسمها وهذا ما أكدته المادة 3/2 من لائحة شئون موظفى الجامعة.
ويتم تعيين الأمين العام بقرار يصدره مجلس الجامعة بأغلبية ثلثى أعضاء الجامعة. ويتعين توافر عدة شروط في الأمين العام أهمها أن يكون شخصية عربية بارزة ذات كفاءة وثقافة ومعرفة بشؤون البلاد العربية ومدافع عن قضاياها وأن يكون قد سبق شغله لمناصب عالية بدولته كما يشترط فيه الحياد في القول والفعل.
وللأمين العام عدة اختصاصات أولها الاختصاصات الإدارية فهو يتولى تعيين الموظفين والإشراف عليهم ومحاسبتهم، ويسأل الأمين العام أمام مجلس الجامعة عن كل ما يتعلق بالأمانة العامة سواء كان خاصا بأعمالها أو بموظفيها. كذلك فله اختصاصات مالية تشمل إعداد الميزانية العامة وتقديمها إلى مجلس الجامعة، كما يقوم بتقديم تقرير للمجلس عن السنة المالية الماضية يعرف بإسم الحساب الختامي. أما الاختصاصات السياسية فتتمثل في أن الأمين العام يقوم ببعض الاختصاصات التنظيمية فهو الذي يدعو مجلس الجامعة للانعقاد ويقوم بإعداد جدول الأعمال ويدعو المجلس الاقتصادي للاجتماع.
كذلك هو ممثل الجامعة ومن ثم يتكلم بإسمها سواء أمام الدول الأعضاء أو الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية، وهو في هذا يعبر عن رأى الجامعة وسياستها.
وتضم الأمانة العامة عدة إدارات تكاد تغطى الاختصاصات المختلفة وهي إدارة الأمانة العامة أو إدارة السكرتارية والإدارة السياسية وإدارة الشؤون الاقتصادية والمواصلات والإدارة المالية وشؤون المستخدمين وإدارة الشؤون الاجتماعية والصحية والإدارة القانونية وإدارة الاستعلامات والنشر وإدارة الشؤون الثقافية وإدارة شؤون فلسطين، كما توجد عدة مكاتب مثل مكتب مقاطعة إسرائيل ومكتب مكافحة المخدرات ومعهد البحوث والدراسات العربية العليا .
ج ـ اللجان الدائمة:
يهدف عمل اللجان الفنية الدائمة الى تحقيق ترابط المصالح المختلفة للدول العربية بحيث تصبح متجانسة ومتناسقة ومتكاملة، وذلك من خلال وضع قواعد التعاون ومداه ، وصياغتها فى شكل مشروعات اتفاقات تعرض على المجلس للنظر فيها تمهيدا لعرضها على الدول الأعضاء .
وهذه اللجان هى: اللجنة السياسية، واللجنة الثقافية التي بدأت عملها منذ 10 أكتوبر 1945 للتنسيق بين الأمانة العامة والأجهزة الثقافية في الدول العربية، ولجنة المواصلات التي تهتم بكل شؤون المواصلات البحرية والبرية والجوية والأرصاد، واللجنة الاجتماعية التي بدأت منذ 1946 وتعقد دورتين كل عام وتهتم بكل ما يتصل بالشؤون الاجتماعية مثل رعاية الأسرة والطفولة، واللجنة الاقتصادية التي بدأت عام 1945 ولكن نشاطها جمد منذ عام 1953 حيث حل محلها المجلس الاقتصادي، واللجنة القانونية التي نشأت عام 1947 باسم لجنة الجنسية والجوازات، وتهتم بالإضافة إلى ذلك، بمسائل التأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين، واللجنة العسكرية التي نشأت وفقا لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950، واللجنة الصحية، ولجنة الإعلام العربي، ولجنة خبراء البترول العرب، واللجنة العربية لحقوق الإنسان، وأخيرا لجنة الشؤون الإدارية والمالية التي نشأت بقرار مجلس الجامعة في 25 مارس 1971. وتتكون هذه اللجان من ممثلين عن الدول الأعضاء.
5 - مصر وجامعة الدول العربية:
بدأ دور مصر البارز فى الجامعة منذ إنشائها ، إذ كان على مصر أن تصوغ مشروع البيان من جملة الصيغ المتعددة التى طرحت. وبطبيعة الحال لم يكون تحرك مصر نحو بناء تجمع إقليمي عربى وليد الصدفة او اللحظة التاريخية التى شهدت ميلاد الجامعة العربية. فقد عاشت مصر عبر تاريخها الطويل واعية لعروبتها التي تأصلت بها منذ الفتح الإسلامي لديارها وغدت وجهها المشرق على امتداد 14 قرنا منذ ذلك الفتح الإسلامي حتى اليوم.
وهذا ما عبرت عنه كلمة الحكومة أمام مجلس الشيوخ المصري في 30 مارس سنة 1943 بتأكيدها على رؤيتها العربية واستقلال تحركها عن الدفع البريطانى لايجاد تجمع عربى. فقد ورد فيها أن اندفاع مصر نحو حركة الاتحاد العربي ليس مرتبط أو مترتبا على تصريح لأنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا أمام مجلس العموم البريطاني في 26 مايو سنة 1941 والذي أيده في بيان آخر في 24 فبراير 1943 تضمن أن بريطانيا تعمل على تقوية الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية.
ولقد كان من الطبيعي أن تقوم مصر بدور رئيسي للعمل على تحقيق الربط العضوى العربى، ليس فقط بحكم مايتوافر لها من امكانيات وثقل سياسى على المستويين العربى والدولى ، ولكن ايضا لتوافر عدد من العوامل الموضوعية التى كانت وراء ترجيح الدور المصرى وقبوله من جانب كافة الاطراف العربية والدولية ، نذكر منها:
ـ الموقف المصرى المتميز من قضية فلسطين والدور الخاص الذى لعبه رئيس الوزراء فى ذلك الوقت مصطفى النحاس ، بالاضافة لتنامى الفكر العروبى فى مصر ودفعه للمكانة المصرية العربية عاليا.
ـ استناد منهاج التحرك المصرى على تجميع الكيانات العربية على قاعدة الرضاء والتنازلات المتبادلة وليس على قاعدة فرض المواقف. ولذا لجأت الدبلوماسية المصرية الى عدد من الآليات المرنة لتجميع الأفكار والمشروعات العربية المختلفة الخاصة بالوحدة والتعاون الاقليمى. فقد استند التحرك المصرى الى منهاج توسيع نطاق التشاور، وتبادل الأفكار بحرية، وعدم الانحياز لطرف على حساب طرف آخر. ثم محاولة التوفيق بين كافة الأفكار والمشروعات السياسية التى طرحت. وأخيرا الخروج بصيغ توفيقية تحظى بالموافقة.
ـ تحسن العلاقات المصرية السعودية ، وقيام مصر بدور موازن بين الكيانات العربية ، فى الوقت الذى كانت هناك منافسات حادة بين الهاشميين والسعوديين.
ـ توافق المصالح بين المنطقة العربية عموما وبريطانيا حول تدعيم أسس التعاون الاقليمى فى المنطقة العربية تحسبا لمستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب.
ـ شيوع الافكار الدولية الداعمة لبناء تنظيمات اقليمية فى مناطق العالم المختلفة كسبيل لتقليل فرص قيام حروب عالمية اخرى .
وقد انطلقت الدبلوماسية المصرية في الفترة من 20/9/1944 الى 7/10/1944 بدعوة ممثلي ست دول عربية مستقلة هي سوريا والعراق والسعودية ولبنان وشرق الأردن واليمن لحضور اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، والذي تمخض عن توقيع هذه الدول على بروتوكول الإسكندرية فى 7 اكتوبر 1944 والذي كان بمثابة تصريح عن المبادئ التي تقوم عليها جامعة الدول العربية والخطوط العامة لنظام التعاون بين الدول الأعضاء في الحاضر والمستقبل.
وفي 4 فبراير سنة 1945 انعقدت في القاهرة لجنة سياسية فرعية من ممثلي الدول العربية سالفة الذكر لوضع نظام لجامعة الدول العربية على وجه يتفق مع روح ونص بروتوكول الإسكندرية. وقد انعقد المؤتمر العام في الفترة من 17 و22 مارس 1945 وتم التوقيع على ميثاق الجامعة والذي دخل حيز التنفيذ في 10/5/1945.
وهكذا خطت مصر والدول العربية الأخرى ـ رغم ما بينها من تباينات وخلافات ـ خطوة كبيرة على طريق الترابط المؤسسى، على الرغم من أهمية التباينات التى أظهرتها مباحثات تشكيل الجامعة العربية بين الدول العربية والصيغة التى انتهت اليها، والتى أسهمت فى تدعيم الدولة الوطنية على حساب المشروعات الوحدوية. ولكن كان لتردى الأوضاع فى فلسطين وفشل المحاولات العربية لإيقاف المد الصهيونى واليهودى بها، اثره الواضح فى تحويل القضية الفلسطينية وخاصة بعد حرب 1948 لتصبح قضية محورية لمصر.
ومع قيام ثورة يوليو 1952 دخل متغير جديد فى علاقات مصر بالبيئتين العربية والدولية معا، تمحور بالأساس حول قضية استقلال الإرادة الوطنية. ولذا فقد أعطت القيادة المصرية الجديدة أهمية كبرى لقضية تصفية الاستعمار الاوروبى التقليدى وبصفة خاصة فى الإطارين العربى والأفريقى.
ولذا برزت عدة توجهات نحو تفعيل العمل المشترك العربى في إطار جامعة الدول العربية كان في مقدمتها الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. كما كانت مصر من أوائل الدول التي وقعت على قرار مجلس الوحدة الاقتصادية التابع للجامعة بشأن اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957، وعلى قرار مجلس الوحدة الاقتصادية بإنشاء السوق العربية المشتركة. كذلك تعاظم دور مصر في إثراء نشاط جامعة الدول العربية وتدعيم دورها بدعوتها إلى عقد مؤتمر قمة عربي طارئ فى يناير 1964 ردا على محاولة إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن، وقد اتخذت عدة قرارات في هذا المؤتمر أهمها إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل القيادة العربية الموحدة .
ومع قيام الرئيس السادات بزيارة اسرائيل عام 1977 وتوقيع مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، اتخذت الدول العربية في مؤتمر القمة العربي ببغداد في نوفمبر 1978 قرارا بتجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقر الجامعة الى تونس بالرغم من ان الحكومة المصرية كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن الوحدة والتضامن العربي ركن أساسي في السياسة الخارجية المصرية، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري مستندا فى ذلك الى أحكام المادة السادسة من المعاهدة المصرية الإسرائيلية والتى توضح أن الالتزامات العربية المتعلقة بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون بين الدول العربية تكون لها الأولوية على الالتزامات المترتبة على المعاهدة المصرية الإسرائيلية، وذلك استنادا لإحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وانطلاقا من هذا الموقف فقد حرصت الحكومة المصرية في بيانها بتاريخ 3 أبريل 1979 على إعلان عدم اعتدادها بالقرارات التي صدرت في مؤتمرى بغداد في نوفمبر 1978 ومارس سنة 1979 وتمسكها بالمحافظة على جامعة الدول العربية في مقرها الشرعي بالقاهرة.
واستمرارا للنهج المصرى الرافض لقطع أواصر الصلة مع العالم العربى ، فإنه على الرغم من المقاطعة العربية لمصر، فقد ظلت مصر محافظة على مسئوليتها العربية والقومية وخاصة مع تولى الرئيس مبارك للحكم. فقد شكلت التطورات التى شهدتها القضية الفلسطينية سواء فيما يتعلق بالممارسات اليهودية داخل الأراضى المحتلة او فيما يتعلق بغزو لبنان وخروج القيادة الفلسطينية منها( حيث أمنت مصر هذا الخروج ) من جانب، وقيام الحرب العراقية الايرانية ومساندة مصر للعراق حتى انتهت الحرب من جانب ثان، مدخلا لإعلاء السمات القومية للسياسة الخارجية المصرية من ناحية، وسبيلا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع غالبية الأطراف العربية وفقا لمقرارات قمة الاردن 1987 من ناحية أخرى. فتشير جملة التفاعلات المصرية العربية التى تمت خلال فترة المقاطعة وخاصة فى الفترة ما بين 1983ـ 1987 الى ان غياب الشق الدبلوماسى لم يمنع وجود تفاعلات حقيقية ونشطة بين مصر والعديد من الدول العربية.
ومنذ صدور قرار عودة مقر الجامعة الى القاهرة فى 21/5/1989، ومصر تحرص على إيجاد وسيلة منتظمة لعقد مؤتمرات القمة العربية، باعتبارها اعلى مستوى لاجتماعات الجامعة، وهو ماتحقق بالفعل فى قمة القاهرة 2000 باتفاق مصر وباقى الدول العربية الاعضاء فى الجامعة على دورية انعقاد القمة بحيث تكوين سنوية ـ كماسبقت الاشارة ـ وقد انعقدت بالفعل القمة الدورية الاولى فى الاردن فى مارس 2001. ومن جملة القرارات التى اتخذتها هذه القمة قرار تعيين السيد عمر موسى ( وزير الخارجية المصرى) أمين عام للجامعة العربية اعتبارا من مايو 2001، وذلك خلفا للسيد عصمت عبد المجيد التى تولى منصبه منذ عام 1990. ومن المعروف أن عبد الرحمن عزام بك كان اول أمينا عاما للجامعة وقد استمر فى منصبه منذ عام 1945 وحتى تولى السيد عبد الخالق حسونة منصبة كأمين عام فى عام 1952. وقد خلف السيد حسونة السيد محمود رياض الذى تولى منصب امين الجامعة منذ عام 1971 وحتى تم نقل مقر الجامعة الى تونس وتعيين السيد الشاذلى القليبى فى عام 1979 الذى استمر فى منصبه حتى عودة مقر الجامعة للقاهرة عام 1990 وتعيين السيد عصمت عبد المجيد.
والحقيقة أن تعطل دورية إنعقاد القمة العربية لم يقف عائقا امام حرص مصر على تبنى هذه الوسيلة وخاصة فى مواجهة التحديات الكبرى مثل الدعوة الى عقد مؤتمر قمة عربي طارئ بالقاهرة في أغسطس 1990 لمناقشة غزو العراق للكويت، والدعوة لقمة القاهرة في يونيو 1996 لمناقشة عملية السلام ومطالبة إسرائيل بمواصلتها. كما استضافت مصر في أكتوبر 2000 مؤتمر قمة عربي طارئ آخر لبحث القضية الفلسطينية ردا على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين والمواجهات الدموية بين الجانبين بعد فشل قمة كامب ديفيد في سبتمبر 2000.
وهكذا يتضح الحرص المصرى على العمل العربى من خلال قنوات ومؤسسات جامعة الدول العربية مع تنوع هذا العمل بحيث يصب فى جوانب التعاون المختلفة وخاصة الاقتصادية. فقد كانت مصر فى مقدمة الدول الداعية لاقامة تجمع اقتصادى عربى موحد، وفى مقدمة الدول التى وقعت عام 1998على الاتفاقية الخاصة بإقامة منطقة تجارة حرة فيما بين الدول العربية جميعا.

ثانيا - منظمة الوحدة الافريقية

فى الخامس والعشرين من شهر مايو عام 1963 ، وقعت اثنتان وثلاثون دولة على ميثاق منظمة الوحدة الافريقية. وكان لهذا التاريخ موقعه فى وجدان الدول الافريقية الموقعة على الميثاق ، فمن ناحية جسد هذا التاريخ شهادة ميلاد لأول منظمة اقليمية تضم كافة الدول الافريقية المستقلة، ومن ناحية ثانية بدت المنظمة كمحاولة جادة للتغلب عما فشلت فيه باقى التجمعات الافريقية القائمة فى ذلك الوقت بين دول القارة مثل مجموعة الدار البيضاء ومجموعة برازفيل ومجموعة مونروفيا وخاصة فيما يتعلق بالخلاف على الحدود القائمة بين هذه الدول. فمن المعروف أن سياسات الاستعمار الخاطئة فى رسم الحدود وعدم مراعاته للفروق الاثنية والعرقية للشعوب الأفريقية، أدى إلى نشوب العديد من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة.
لذا فقد اعتبرت منظمة الوحدة الأفريقية منبرا افريقيا لتسوية الخلافات بالطرق السلمية بين دول القارة من ناحية، وقناة اتصال لتدعيم الحوار والتعاون بين دول نامية حصل معظمها حديثا على الاستقلال من ناحية ثانية. بالإضافة لتواكبها كتكتل افريقى مع التطورات الدولية فى تلك الفترة. وفى هذا الاطار، تبنت منظمة الوحدة الأفريقية بعض الشروط الإجرائية البسيطة لاكتساب العضوية فيها، الأمر الذى أدى لاتساع عضويتها ليشمل كافة دول القارة الـ 53، وكان آخر المنضمين لعضويتها اريتريا بعد استقلالها عام 1993.
أما على صعيد التحرك المصرى ودوره فى المساهمة فى قيام منظمة الوحدة الافريقية، فمن الملاحظ انه اتسم بالديناميكية والرؤية القائمة على السعى نحو بناء شبكة علاقات دولية جديدة تعمل على تحقيق هدف التحرر الوطنى، وتجعل من مصر قاعدة انطلاق لحركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث. ولذا احتلت القارة الافريقية المجال الثانى ( بعد المجال العربى) فى ترتيب أولويات التحرك المصرى على المسرح الدولى، وحرصت مصر على التوافق مع حركة الوحدة الافريقية ( رغم تباين اتجاهاتها واختلاف أشكالها وغياب التوحد الايديولوجى)، والمشاركة الفاعلة فى بناء تجمع افريقى بدءا من مؤتمر أكرا عام 1958 والذى عقد بدعوة من الرئيس نكروما ، وضم ثماني دول افريقية هى : مصر، غانا، ليبيا، تونس، المغرب، السودان، اثيوبيا، ليبيريا. ويعد هذا المؤتمر اول مؤتمر يجمع رؤساء الدول الافريقية المستقلة ، وهو ما انعكس على مجمل قراراته وسيادة روح الفكر التحررى حيث أدان سياسية التفرقة العنصرية ، واعترف بحق الشعب الجزائرى فى الاستقلال و تقرير مصيره، وأكد على أهمية احترام السيادة السياسية والوحدة الإقليمية للدول الافريقية ، وضرورة تسوية المنازعات فى إطار افريقى بالوساطة والتوفيق.
1ـ قيام المنظمة:
عقد المؤتمر التأسيسى لمنظمة الوحدة الافريقية فى أديس ابابا عاصمة اثيوبيا فى الفترة مابين 15ـ 23 مايو 1963 بحضور وزراء خارجية ثلاثين دولة بهدف الإعداد لمشروع ميثاق للمنظمة الجديدة وترتيب مؤتمر قمة لرؤساء الدول في الفترة من 23ـ 28 مايو 1963 في أديس أبابا، وهو المؤتمر الذي أقر ميثاق اديس ابابا المنشئ للمنظمة. وقد حضر هذا المؤتمر رؤساء دول وحكومات 31 دولة افريقية، هي: الجزائر، وبوروندى، والكاميرون، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو( برازافيل)، والكونغو (اليوبولدفيل)، وداهومي (ناميبيا)، واثيوبيا، والجابون، وغانا، وغينيا، وساحل العاج، وليبيريا، وليبيا، ومدغشقر، ومالى، وموريتانيا، والنيجير، ونيجيريا، ورواندا، والسنغال، وسيراليون، والصومال، والسودان، وتنجانيقا (تنزانيا)، وتوجو، وتونس، وأوغندا، والجمهورية العربية المتحدة، وفولتا العليا.
وقد أبرز مؤتمر القمة الأول أربعة اتجاهات متباينة حول مفهوم الوحدة والمنظمة، يمكن رصدها فى التالى:
ـ الاتجاه الأول يرى العمل على إقامة تنظيم أفريقى يصدر عنه ميثاق يرتبط بالمجموعات الافريقية القائمة او أن يماثل ميثاق حلف الأطلنطى. وقد بدأ هذا الاتجاه غير واقعى نظرا لتماثل توجهات دول الحلف فى وقت لا تتوافر هذه السمة لدى الدول الافريقية.
ـ الاتجاه الثانى دعا لإعلان مبادئ عامة تحظى بموافقة الجميع وأن تكون المنظمة الجديدة اقرب لنموذج منظمة الدول الأمريكية.
ـ الاتجاه الثالث حرص على تغليب الطابع الاقتصادى كإطار لعلاقات التعاون بين دول المنظمة وخاصة فى مجالات النقل والمواصلات والخبرة الفنية.
ـ الاتجاه الرابع والأخير كان الأكثر طموحا فى الدعوة لتحقيق وحدة فيدرالية، ولكنه لاقى مخاوف عديدة من غالبية الدول .
ومابين الاتجاهات السابقة ، انتهت اعمال المؤتمر بقيام منظمة الوحدة الافريقية بموجب الميثاق الذى وقعته الدول المؤسسة. وقد جاء الميثاق بمواده الـ 23 ولغاته الأربع الرسمية (اللغة العربية والأمهرية والانجليزية والفرنسية) معبرا عن صيغة وسيطة بين انصار الوحدة وبين الرافضين لها، ولذا فهو يستند الى مجموعة من الأحكام غير الملزمة او المقيدة للدول الاعضاء وينطلق من كون المنظمة أداة للتنسيق والتعاون بين الدول الافريقية. وبالتالى فهو يدعم فكرة التعاون الافريقى ولكنه لا يصل بها الى حد تطبيق فكرة الحكومة الافريقية.
وإلى جانب الدول المؤسسة أخذت باقى الدول الافريقية فى الانضمام الى المنظمة كل بعد استقلاله، ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى المغرب وتوجو اللتين انضمتا للمنظمة فى عام 1964، فقد رفضت المغرب المشاركة فى المؤتمر الأول احتجاجا على مشاركة موريتانيا حيث اعتبرتها جزءا من الأرض المغربية، فى حين كان تحفظ الكثير من الدول الأعضاء على النظام الحاكم فى توجو سببا فى عدم حضورها. وفى هذا السياق، ترك الميثاق باب العضوية مفتوحا كحق تمارسه كل دولة أفريقية ذات سيادة.
وقد دارت عجلة التعاون سريعا من خلال الاتفاق على آليات عمل موحدة. فعلى المستوى السياسى نجد ان قضية التحرر الوطنى التى مثلت الشغل الشاغل لكافة دول القارة قد استحوذت على الاهتمام الاكبر من جهود العمل المشترك. فقد تم الاتفاق فى نفس العام (عام 1963) على إنشاء لجنة التنسيق لتحرير أفريقيا كإحدى لجان المنظمة، وهى لجنة ذات صبغة عسكرية اهتمت بدعم وتنشيط حركات التحرير الافريقية ضد الاستعمار. كما يلاحظ ان المنظمة سعت دائما للوساطة فى اى نزاع ينشب بين أعضائها. ورغم عدم نجاح هذه الجهود فى الكثير من الأحوال، الا أنها سعت دائما الى ترسيخ قاعدة الحوار واللجوء الى الطرق السلمية وقدسية الحدود القائمة، كمنهاج حاكم لكافة تحركاتها.
أما على مستوى قضايا التنمية، فقد احتلت مسألة الديون الافريقية حيزا كبيرا من جملة الاجتماعات واللقاءات المشتركة التى جمعت الدول الاعضاء فى المنظمة، وخاصة فى أواخر السبعينات، حيث دعا مجلس وزراء المنظمة في الدورة العامة الثلاثين في طرابلس من 20 الى 28 فبراير 1978 حكومات البلدان المتقدمة الى قبول مقترحات الدول النامية بشأن إجراءات تخفيض الديون المتراكمة.
وفي 28 - 29 أبريل 1980 أقر أول مؤتمر قمة اقتصادي تابع لمنظمة الوحدة الافريقية الخطة المعروفة بـ خطة لاجوس والتي تركزت على عدة نقاط أهمها التعاون في مجالات الغذاء والزراعة وتنمية الموارد البشرية والتجارة. وفي 3 يونيو 1991 وقع رؤساء الدول الأفريقية على المعاهدة المؤسسة للجماعة الاقتصادية الأفريقية في ابوجا والتي تنص على التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء من خلال التضامن على ان يتم ذلك بصفة تدريجية خلال فترة انتقالية أقصاها أربعة وثلاثين عاما مقسمة إلى مراحل .
2 ـ أهداف ومبادئ المنظمة:
حددت المادة الثانية من الميثاق أهداف المنظمة فيما يلى:
أ - تقوية وحدة الدول الأفريقية وتضامنها.
ب - أن تعمل المنظمة على تحقيق التنسيق والتعاون لتحقيق حياة أفضل لشعوب أفريقيا.
ج - الدفاع عن سيادة وسلامة الاراضي واستقلال الدول الأعضاء.
د - تشجيع التعاون الدولي، مع الأخذ فى الاعتبار ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد حددت المادة الثانية ايضا وسائل تحقيق التعاون بين الدول الأعضاء بالنص على أن ينسق أعضاء المنظمة سياستهم العامة ويعملون على التوفيق بينها خاصة في الميادين التالية:
- التعاون السياسي والدبلوماسي.
- التعاون الاقتصادي بما في ذلك النقل والمواصلات.
- التعاون التربوي والثقافي.
- التعاون الصحي والرعاية الصحية والتغذية.
- التعاون في الدفاع والأمن.
اما المبادئ الاساسية للمنظمة فهى:
أ - المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء: تضمنت ديباجة الميثاق النص على أن الحرية والمساواة والعدالة والكرامة هي أهداف لا غنى عنها. كذلك نصت المادة الخامسة على تمتع جميع الدول الأعضاء بحقوق وواجبات متساوية. وانطلاقا من هذا نصت المادة 3/1 من ميثاق المنظمة على احترام مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء ويترتب على هذا المبدأ تقرير المساواة بين الدول في الحقوق والواجبات، لهذا فإن لكل دولة عضو صوتا واحداً كما تشترك بالتمثيل على قدم المساواة في جميع الأجهزة العاملة بالمنظمة.
ب - عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء : فبمقتضى مبدأ المساواة في السيادة يكون من حق كل دولة اختيار نظامها السياسى والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ج - احترام سيادة الدول الأعضاء وسلامة أراضيها وحقها الثابت في كيانها المستقل: وجاء هذا المبدأ في ديباجة الميثاق التي تضمنت نحن رؤساء دول وحكومات أفريقيا المجتمعين بمدينة أديس أبابا نعلن تصميمنا على المحافظة على سيادة دولنا وسلامة أراضينا.
د - حل المنازعات بالطرق السلمية: وهو مبدأ عام في القانون الدولي، ولكنه اكتسب أهميته الخاصة لأفريقيا فى ذلك الوقت نظرا لحداثة تكوين دولها وتداخل القبائل والسكان وعدم رسوخ فكرة الحدود بين الدول.
هـ - الاستنكار المطلق لأعمال التصفية السياسية فى كل صورها، حيث أن كل أعمال الاغتيال السياسي والتصفية المادية وكل أنواع النشاط الهدام تعتبر أعمالا منافية لمبادئ المنظمة.
و - التزام الدول الأفريقية بتكريس الجهود من أجل تحقيق الاستقلال الكامل لكل الأراضي الأفريقية: وهو الهدف الأساسي للمنظمة ومع ذلك تقرر إدراجه ضمن المبادئ لحث الدول على الالتزام التام به.
ز - تأكيد سياسة عدم الانحياز تجاه جميع الكتل الدولية.
أما بالنسبة للعضوية فقد اشترط أن توافق الدول المنضمة الى المنظمة على هذه الأهداف والمبادئ عندما تقدم طلب الانضمام. ويقوم الأمين العام بإرساله الى جميع الدول الأعضاء ويكون قرار قبولها بالأغلبية العادية وترسل كل دولة قرارها إلى الأمين العام الذى يقوم عند تحقيق العدد المطلوب من الأصوات بإبلاغ الدول طالبة الانضمام بالقرار الذي اتخذته الدول الأعضاء . وحتى الآن انضمت 53 دولة إلى منظمة الوحدة الأفريقية هي الجزائر، وأنجولا، وبنين، وبتسوانا، وبوركينا فاسو، وبوروندى، والكاميرون، والرأس الاخضر، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، وجيبوتى، جزر القمر، والكونغو الديمقراطية، وجمهورية الكونغو، وكوت ديفوار، ومصر، وإثيوبيا، والجابون، وجاميبا، وغانا، وغينيا، وغينيا بيساو، وكينيا، وليسوتو، وليبيريا، وليبيا، ومدغشقر، وملاوي، ومالي، وموريتانيا، ومورشيوس، وموزمبيق، وناميبيا، والنيجر، ونيجيريا، ورواندا، وساوتومي وبرنسيب، والسنغال، وسيشل ،وسيراليون، والصومال، وجنوب أفريقيا، والسودان، وسوازيلاند، وتنزانيا، وتوجو، وتونس، وأوغندا، وزامبيا، وزيمبابوي، والجمهورية العربية الصحراوية، وغينيا الاستوائية، وإريتريا. والجدير بالذكر أن المغرب منسحبة منذ عام 1984 احتجاجا على قبول انضمام الجمهورية الصحراوية.

3 ـ الهيكل التنظيمي:
تسعى المنظمة الى تحقيق الأهداف التى حددها الميثاق فى المادة السابعة، بواسطة الأجهزة التالية:
أ - مؤتمر رؤساء الدول والحكومات:
يمثل الهيئة العليا للمنظمة، ويتكون من جميع رؤساء الدول والحكومات الأعضاء أو من يمثلهم ويجتمع مرة على الأقل كل عام ويجوز انعقاده في دورات انعقاد غير عادية بناء على طلب أي عضو من الأعضاء وبموافقة أغلبية الأعضاء (مادة 9). وهو يختص بمباشرة كل الاختصاصات التي نص عليها الميثاق وكل الأمور ذات الأهمية المشتركة لأفريقيا والعمل على تنظيم وتنسيق السياسة العامة للمنظمة (المادة 8/1 من الميثاق)، وهو يختص أيضا بإعادة النظر في تكوين جميع أجهزة المنظمة وأوجه نشاطها ويشرف على أعمال المنظمات المتخصصة التي يتم إنشاؤها وفقا للميثاق (مادة 8/2) وللمؤتمر سلطة تحديد الإجراءات الداخلية وتنظيمها.
وتقوم الأمانة العام بإعداد جدول الأعمال المؤقت وتقديمه إلى مؤتمر الرؤساء، ويعرض هذا الجدول على مجلس الوزراء. وللمؤتمر إقرار مشروع جدول الأعمال الذي يعرضه مجلس الوزراء.ويجتمع المؤتمر مرة كل عام فى دورة عادية ( شهر يونيو)، ويمكن أن يجتمع فى دورة غير عادية بناء على طلب أى دولة بشرط موافقة ثلثى الدول الاعضاء.
أما نظام التصويت في مجلس الرؤساء فإنه يقوم على أساس مبدأ المساواة حيث لكل دولة صوت واحد وتصدر القرارات بشكل عام بأغلبية ثلث الأعضاء (المادة 10/1) ومع ذلك فإن القرارات الخاصة بإجراءات العمل في المنظمة تكون بالأغلبية العادية.
ب ـ مجلس وزراء الخارجية:
يتكون من وزراء خارجية الدول الأعضاء أو من يمثلهم. ويجتمع هذا المجلس مرتين على الأقل في العام، ومع ذلك يجوز دعوة المجلس إلى انعقاد غير عادي بناء على طلب عضو من الأعضاء بشرط ان يوافق ثلثى الدول الأعضاء (المادة 12). وحيث انه قد توجد حالات يكون فيها من المصلحة ضرورة دعوة المجلس للانعقاد، لذلك وافقت الدول على جواز قيام الأمين العام بدعوة المجلس للانعقاد إذا ما استدعى الأمر ذلك.
ويختص مجلس الوزراء بكل ما يتعلق بالإعداد لمؤتمرات القمة الأفريقية، كما يختص بكل ما يحيله رؤساء الدول والحكومات إليه من مهام وهو الذي يشرف على تنفيذ قرارات مجلس الرؤساء وعلى تنسيق التعاون الأفريقي إعمالا للمادة الثانية من الميثاق (المادة 3) وهو ايضا الذي يصدق على الميزانية (المادة 23).
أما نظام التصويت في مجلس الوزراء فتصدر قرارات مجلس الوزراء بالأغلبية العادية ويكون لكل عضو صوت واحد (المادة 4/1) واجتماعات المجلس تكون صحيحة قانونا إذا حضر ثلث الأعضاء (المادة 14/3 ) .
ج ـ الأمانة العامة:
يعين مؤتمر رؤساء الدول والحكومات أمانة عامة إدارية تقوم بإدارة أنشطة المنظمة. وتتكون الأمانة العامة من عدد من الموظفين يرأسهم أمين عام ويساعده أربعة أمناء مساعدين. وقد حددت أنشطتهم وشروط توظيفهم فى الميثاق (المادتين 16 و17) واللوائح الداخلية المصدق عليها من جانب مؤتمر رؤساء الدول والحكومات .
ويختص الأمين العام بأمور متعددة مثل إعداد ميزانية المنظمة وعرضها على مجلس الوزراء (مادة 23)، وتمثيل المنظمة لدى الدول والمنظمات الدولية، والاشراف على الجهاز الإداري للمنظمة بمقرها في أديس أبابا، ويختص بالتحضير لاجتماعات أجهزة المنظمة وإعداد التقرير السنوى عن المنظمة.
وقد فرضت المادة 18 من الميثاق عدة أحكام لضمان حيدة الأمين العام ومساعديه فقررت انه على الأمين العام الإداري وهيئة الأمانة العامة ألا يطلبوا أو يتلقوا عند قيامهم بواجباتهم تعليمات من أية حكومة أو من أية سلطة خارجة عن المنظمة، وعليهم الامتناع عن القيام بأي عمل قد يمس مراكزهم باعتبارهم موظفين دوليين مسؤولين فقط أمام المنظمة وحدها.
كذلك يلزم الميثاق كل عضو في المنظمة باحترام الصفة المطلقة لمسئوليات الأمين العام والإداري وهيئة الموظفين، وأن يمتنع عن التأثير عليهم عند قيامهم بمسئولياتهم. وضمانا لحسن سير العمل بالمنظمة تقررت للأمين العام ومساعديه الأربعة وموظفي الأمانة العامة مزايا وحصانات محددة تضمنتها اتفاقيتان، الأولى أقرها مؤتمر رؤساء الدول والحكومات في دورته الأولى بالقاهرة في يوليو 1964 بشأن مزايا وحصانات منظمة الوحدة الأفريقية، أما الاتفاقية الثانية فهي الاتفاقية التي عقدتها المنظمة مع حكومة إثيوبيا باعتبارها دولة المقر.

د ـ اللجان:
إعمالا لنص المادة 20 من الميثاق قرر مجلس رؤساء الدول إنشاء العديد من اللجان الفنية. وهذه اللجان تتكون من الوزراء المختصين أو غيرهم من الوزراء أو المفوضين الذين تقوم حكومات الدول بتعيينهم لهذا الغرض. ومن ابرز هذه اللجان:
(1) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق التعاون بين الدول الأفريقية وتنسيق هذا التعاون من أجل رفع مستوى المعيشة في الدول الأفريقية وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.
(2) لجنة الدفاع : وتعمل على تنفيذ ما قد يعهد إليها به من قبل مؤتمر رؤساء الدول والحكومات فى حالة العدوان او التهديد بالعدوان، كما تدرس ما يحيله اليها المؤتمر وإصدار ما تراه من توصيات لتأمين الدول الأعضاء.
(3) لجنة القانونيين الأفارقة: وهي وليدة ما تبلور من أفكار في مؤتمر القانونيين الأفروآسيويين في مدينة كونا كري في 15 أكتوبر

المزيد


المنظمات الاقليمية أ/ أيمن عبد الوهاب

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , القانون الدولي , فكر سياسي وتربوي, مصطلحات حقوق الإنسان, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الثانى

نماذج للمنظمات الإقليمية


 

يقدم هذا الفصل لمحة سريعة عن عدد من المنظمات الإقليمية المنتشرة فى مناطق العالم، مع التركيز على طبيعتها وأهدافها وعضويتها.

اولا ـ المنظمات الاقليمية الافريقية
على مستوى القارة الافريقية نجد أن أبرز هذه المنظمات اثنتين هما منظمة الوحدة الافريقية والكوميسا وسوف نتناولهما بالتفصيل فى الفصل الثالث الخاص بـ مصر والمنظمات الإقليمية فى حين، نقصر تناولنا هنا على عدد من المنظمات الإقليمية الفرعية التى يبدو أن العامل الجغرافى كان محددا لتصنيفها. فنجد تكتلات لدول غرب القارة وأخرى لشرقها، بالاضافة الى تكتلات تشمل دول الوسط. وبطبيعة الحال ، هذا التقسيم تتداخل فيه العديد من العوامل الى جانب عامل التجاور الجغرافى ( الذى يعد ابرز سمات المنظمات الاقليمية) مثل الميراث الاستعمارى ، وإن كان من الملاحظ ان غالبية هذه التكتلات يغلب عليها الطابع الاقتصادى نذكر منها:
1 - المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا:
يضم هذا التجمع دول غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية، وهو يمثل نموذجا للمنظمات النوعية الهادفة لتعزيز التعاون المالي والاقتصادي، حيث عرف بتجمع نطاق الفرنك. وقد تأسس في فترة الاستعمار. وكان لفشله في إيجاد كيان واحد يضم الدول الأعضاء من خلال توحيد العملة، أثره الواضح فى إعادة النظر فيه من قبل الدول الأعضاء بعد حصول جميع دولها على الاستقلال فيما عرف باتفاقية أبيدجان عام 1973. ويضم التجمع سبع دول هم: بوركينا فاسو، وكوت ديفوار، ومالى، وموريتانيا، والنيجر، والسنغال، وقد انضمت بنين الى التجمع لاحقا في عام 1984.والجدير بالذكر هنا ان هذه الدول أعضاء أيضا في تجمع الايكواس وكذلك الاتحاد المالي لغرب أفريقيا. وتسعى دوله لتطوير سياساتها التعاونية فى مجالات التبادل التجارى والجمارك من خلال تطبيق اتفاقية المعاملة التفضيلية حيث يتم إعفاء المنتجات الصناعية من الضرائب والرسوم الجمركية، كما انها تهدف الى تطوير سياساتها التعاونية فى مجالات الزراعة والنقل والمواصلات.
ويستند هذا التجمع الى هيكل تنظيمي مكون من:
ـ مجلس الوزراء: وهو الهيئة التنفيذية الفعلية للمجموعة ويعقد اجتماعاته مرتين في العام.
ـ الأمانة العامة: وهي المسئولة عن تطبيق قرارات رؤساء الدول في مؤتمرهم وفي مجلس الوزراء وعن إدارة صندوق تطوير المجموعة. ويتولى الأمين العام منصبه لمدة 4 سنوات. وتستند القاعدة التصويتية الى قاعدة الإجماع كشرط اساسي لاتخاذ القرارات.
2 ـ المجموعة الاقتصادية لدول افريقيا الغربية الأيكواس :
تأسس هذا التجمع عام 1975، وإن كانت محاولات إنشائه تعود إلى منتصف الستينات،عندما دعا الرئيس الغانى الراحل نكروما لتكوينه ضمن فكرته الوحدوية القائمة على مشروع الولايات المتحدة الافريقية. وقد ظلت الفكرة حبيسة العديد من القيود الاقليمية والدولية الى ان أحياها رئيسا دولتى نيجيريا وتوجو عام 1973 لتستمر المداولات نحو عامين الى أن تم توقيع الاتفاقية فى 28 مايو 1975 فى مدينة لومى بتوجو. وقد استهدف تجمع الايكواس زيادة الاستثمارات وفتح الأسواق بين الدول الأعضاء، وهو يضم الـ 16 دولة الواقعة في إقليم غرب أفريقيا وهي: نيجيريا، ومالي، وموريتانيا، والسنغال، وغينيا، وغينيا الاستوائية، وتشاد، وبروكينا فاسو، وساحل العاج، والنيجر، وبنين، وتوجو، وغانا، وليبريا، والجابون، والكاميرون.
وهو بذلك يعد احد أكبر التجمعات الإقليمية في القارة سواء من حيث عدد الوحدات السياسية أو عدد السكان (يقدر حجم سكان التجمع عام 1995 بنحو 227.4 مليون نسمة أى 30% من جملة سكان القارة). وقد تضمنت اتفاقية الايكواس أهمية إقامة سوق مشتركة بين الدول الأعضاء بدءا بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع المنقولة. ولكن في اجتماع داكار عام 1979 اتخذ التجمع خطوة اخرى نحو التعاون فيما بين أعضائه، حيث تم الاتفاق على حرية انتقال الأفراد بين الدول الأعضاء، وانتهاج سياسات تعزز سبل الدفاع المشترك، وتشجيع التكامل ورفع المستوى الاقتصادي للدول الأفريقية الفقيرة الأعضاء في التجمع من خلال إقامة مشروعات تنمية وتوفير الاعتمادات. وتتميز الدول الأعضاء في الايكواس بالتباين الشديد فيما بينها سواء فيما يتعلق باتساع المساحة الجغرافية اوالتنوع فى الموارد الطبيعية والبشرية، فمن الملاحظ أن هناك دولا ذات مساحات ضخمة مثل نيجيريا ومالي والنيجير ومورتيانيا ودولا أخرى صغيرة المساحة مثل توجو وغينيا الاستوائية وبنين. وبالتالى فقد ترتب على اختلاف المساحة والموقع الجغرافي والمناخ تنوع كبير في الموارد الزراعية والسكانية.
وتستند المجموعة الى هيكل تنظيمى مكون من ثلاث مؤسسات رئيسية هى :
ـ مؤتمر رؤساء الدول والحكومات ، وهو السلطة الأساسية العليا ويجتمع سنويا مرة واحدة ويتولى الإدارة والمراقبة.
ـ مجلس الوزراء ويتكون من ممثلين إثنين لكل دولة ويجتمع مرتين سنويا وهو هيئة استشارية للمراقبة .
ـ الأمانة التنفيذية، ومهمتها تنفيذ القرارات التى يتخذها رؤساء الدول الذين يعينون الأمين التنفيذى ولمدة أربع سنوات يمكن تجديدها مرة واحدة فقط، وينبثق عن الأمانة أربع لجان هى اللجنة التنفيذية واللجنة المالية واللجنة الفنية واللجنة الإعدادية التمهيدية.
والى جانب التجمعين السابقين يوجد عدد آخر من التجمعات الإقليمية الفرعية فى غرب القارة الافريقية مثل منظمة استغلال نهر جامبيا ومنظمة استثمار نهر السنغال، واتحاد نهر مانو الاقتصادى، ولجنة حوض بحيرة تشاد، واللجنة الدولية لمكافحة الجفاف فى منطقة الساحل، والمنظمة الأفريقية الملاجاشية المشتركة.
3 - الاتحاد الاقتصادي والجمركي لأفريقيا الوسطى:
تأسس عام 1964 باتفاق وقع فى برازافيل. ويضم الاتحاد فى عضويته ست دول هى: الكاميرون، وأفريقيا الوسطى، و تشاد، والكونغو الديمقراطية ، والجابون وانضمت إليهم غينيا الاستوائية عام 1985. ويهدف الاتحاد إلى تحقيق تكامل اقتصادى وإزالة القيود المعرقلة للتجارة بين الدول الأعضاء.
ويعد هذا الاتحاد ثاني اغني تجمع اقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء، وإن كان من الملاحظ ان الكاميرون تعد الدولة الأكثر تصنيعا حيث تشكل الصناعة نحو 14% من الناتج القومي بها، فى حين تعتمد كل من الكونغو الديمقراطية والجابون على صادرات البترول وإن كانت الدول الثلاث الأخرى أكثر دول الاتحاد ارتفاعا في مستوى المعيشة.
وعلى الجانب الآخر ، فإن كلا من تشاد وغينيا الاستوائية وأفريقيا الوسطى تعد دولا زراعية أساسا ومن أكثر دول التجمع انخفاضا في مستوى المعيشة. ورغم الأهمية والمكاسب التى يمكن تحقيقها من اقامة سوق اقليمية مشتركة كما هو مخطط ، إلا ان الخلافات على توزيع الايرادات الجمركية ، وتحديد النشاطات الصناعية الى جانب اختلال توازن الاقتصاد بين مختلف بلدان المنطقة، قد حال دون تحقيق هذا الهدف.
4 - المجموعة الاقتصادية لدول البحيرات الكبرى:
تضم هذه المجموعة كلا من زائير ورواندا وبروندى ، وهى الدول التي كانت ضمن المستعمرات البلجيكية. وقد شكل هذا الاتحاد في عام 1976 بتشجيع من الأمم المتحدة التي كانت تهدف إلى توفير الاستقرار فى كل من رواندا وبوروندي سياسيا.
ويهدف هذا التجمع إلى حرية التجارة بين الدول الأعضاء وحرية انتقال الأفراد وإقامة مشروعات اقتصادية مشتركة بتمويل من الأعضاء ، بالإضافة إلى الدول المانحة الأجنبية.ويمكن إرجاع سبب عدم نجاح هذه المنظمة فى تحقيق هدفها إلى التباين الشديد بين أعضائه، بالإضافة إلى انضمام كل من رواندا وبوروندى إلى اتحاد شرق أفريقيا والذي عن طريقه تحصل كل منهما على وارداتها وتقوم بنقل صادراتها.
ويستند الهيكل التنظيمى، للمنظمة التى يقع مقرها فى بوروندى ، الى جهاز أعلى يضم رؤساء الدول المشاركة ، فى حين يتولى الأعمال الإدارية والتنفيذية المجلس الوزارى للمنظمة وتنتقل رئاسة المجموعة بشكل دورى بين رؤساء الدول.
5 ـ الجماعة التنموية للجنوب الافريقى سادك:
هى منظمة إقليمية للتنمية والتعاون فى اقليم الجنوب الافريقى، تأسست عام 1980 بهدف تجميع دول المواجهة العشر ضد النظام العنصرى فى دولة جنوب افريقيا. ولكن مع انتهاء هذا النظام العنصرى اتفقت الدول المؤسسة للمنظمة على إعادة تأسيسها بإقرار اتفاقية وإعلان جديدين عام 1992، وقد انضمت لعضويتها دولة جنوب أفريقيا باعتبارها العضو الـ 11 وكذلك انضمت دولة موريشيوس ( العضو الـ 12) ثم انضمت بعد ذلك جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية سيشل ليكون عدد أعضائها أربعة عشر عضوا. وكان للتوسع فى قبول العضوية أثره الواضح فى تجاوز قاعدة الإقليمية للجنوب الافريقى ليشمل ثلاثة أقاليم هى الجنوب والشرق والوسط.
كذلك اتسعت أهداف هذه الجماعة للتعاون فى مجالات التعدين والثروات المعدنية والتعليم والتدريب وتدعيم الاستقرار والأمن فى منطقة البحيرات العظمى.

ثانيا ـ المنظمات الإقليمية الآسيوية
تتعدد أشكال المنظمات الإقليمية فى آسيا، ولكن سنركز تناولنا هنا على أربع منظمات إقليمية أبرزها رابطة جنوب شرق آسيا آسيان.

1 ـ رابطة جنوب شرقي آسيا (الآسيان):
ارتبطت نشأة رابطة الآسيان بمجموعة متغيرات إقليمية وعالمية شهدتها منطقة جنوب شرق آسيا في الستينات، كان أبرزها ظهور التكتلات الاقتصادية العملاقة وبداية ظهور دول جنوب شرق آسيا كقوة اقتصادية متنامية تسعى لإيجاد دور لها على الساحة العالمية ومنافسة التكتلات الاقتصادية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي.
وبالرغم من أن بداية الرابطة كانت اقتصادية بحتة إلا أن الجانب السياسي والأمني بدأ في الظهور بسبب التطورات السياسية التي عاصرتها هذه الدول مع بداية السبعينات مثل تنامي القوة العسكرية الفيتنامية بعد غزوها لكمبوديا ، إلى جانب ظهور قدر من التململ من الوجود العسكرى الأمريكي في تلك المنطقة الحساسة.
لذا جاءت أهداف ومبادئ الرابطة معبرة عن هذا الاندماج بين الجانب الاقتصادي والسياسي، فعلى مستوى الأهداف ركزت على أهمية التعاون الاقتصادي فيما بين دول الرابطة، أما على مستوى المبادئ فقد أبرزت أهمية انتشار السلام والاستقرار في هذه المنطقة وحل المنازعات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة العسكرية.
أ ـ نشأة الرابطة وتطورها:
جاءت البداية من خلال التوقيع على المعاهدة الخاصة بإنشاء رابطة أمم جنوب شرقي آسيا (الآسيان) في أغسطس 1967 ، كتجمع اقتصادي لمواجهة التهديد الشيوعى فى جنوب شرقى آسيا ( والذى مثلته بصفة رئيسية فيتنام فى ذلك الوقت). وضمت الدول المؤسسة فى ذلك الوقت كل من اندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وانضمت اليهم سلطنة بروناي (عام 1984) وفيتنام ( عام 1995) ولاوس وميانمار (عام 1997) وكمبوديا(1999). وقد ظلت الآسيان منظمة إقليمية محدودة الفعالية إلى أن أخذت طريقها الجدي نحو تحقيق مزيد من الفاعلية على المستويين الاقليمى والدولى ، وهو ما تحقق فى اجتماع بالى بإندونيسيا عام 1976 بحضور رؤساء دول وحكومات الدول الخمس المؤسسة ، وفي الاجتماع الثاني في كوالامبور عام 1977 حيث شكل هذان الاجتماعان نقطة تحول في تاريخ الرابطة . فقد فرضت القضايا السياسية والأمنية نفسها على هذين الاجتماعين ، خاصة بعد الهزيمة الأمريكية في فيتنام وظهور الشكوك في جدوى الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. كما أن الخطر الفيتنامي بدأ في الظهور بعد الغزو الفيتنامي لكمبوديا في ديسمبر 1978. وكذلك برزت ضرورة الاعتماد على الذات في مواجهة هذا الخطر.
من هنا أخذت دول الرابطة على عاتقها مسألة تجاوز ومواجهة ما بينها من تناقضات والاتفاق على عدة مبادئ أساسية تشكل التوجهات العامة للسياسة الخارجية لدول الرابطة. وفى هذا الإطار تمت إدانة الغزو الفيتنامي لكمبوديا ومواجهته بعيدا عن سيطرة الدول الكبرى، فتم إيقاف كافة الخطط الرامية إلى التعاون مع فيتنام وربط استئنافها بانسحاب القوات الفيتنامية من كمبوديا أولاً.
ومن الملاحظ أنه على مدار الثمانينات تبنت الرابطة دبلوماسية متماسكة إزاء القضية الكمبودية استندت إلى المطالبة بحضور مختلف أطراف الصراع أية مفاوضات للتسوية. وفى هذا السياق قامت الرابطة بتقديم مشروع للسلام في اجتماعها السنوى في بانكوك عام 1988 والذي نص على وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الفيتنامية على ثلاث مراحل مع نزع سلاح الفصائل على مرحلتين وتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات عامة. كما تم طرح عدة مبادرات للتعاون العسكرى بين دول الرابطة، وذلك بعد أن أعربت سنغافورة عن رغبتها في إدخال القضايا العسكرية على جدول أعمال الرابطة بعد قيام القوات الفيتنامية باختراق أراضى تايلاند عدة مرات في أوائل الثمانينات.
ومع بداية التسعينيات اتجهت الرابطة إلى إنشاء شبكة هائلة من المؤسسات فضلا عن تدعيم العلاقات الاقتصادية والثقافية على النحو الذي جعلها أكبر أقاليم العالم الثالث ازدهارا. ففي 28 يناير 1992 تم التوقيع على إعلان سنغافورة لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول الآسيان بهدف الوصول بالتعريفة الجمركية إلى صفر فى المائة. وحددت أهدافها بحيث تشمل تحرير التجارة في منطقة الآسيان وصولا إلى إسقاط الحواجز الجمركية وجذب الاستثمارات الأجنبية وتكييف الرابطة مع الأوضاع الاقتصادية والدولية. وقد كان الموعد المحدد للانتهاء من هذه الخطوات هو عام 2003، إلا أنه في اجتماع وزراء اقتصاد الدول الأعضاء في 28 إبريل 1995 تم الاتفاق على الإسراع بتخفيض الرسوم الجمركية بهدف إنشاء منطقة التجارة الحرة قبل عام 2003، وهو ماتحقق في 24 نوفمبر 2000 بتوقيع اتفاقية الجات. وبموجب هذه الاتفاقية ستعمل الرابطة على إزالة جميع الرسوم الجمركية على السلع التقنية وتطوير اتصالات الإنترنت السريعة للغاية، وفي زيادة التجارة الإلكترونية للدول الأعضاء.
وإلى جانب النقلة الاقتصادية شهد التعاون السياسى والأمنى تطورا كبيرا فى (27 يوليو 2000) عندما عقدت الرابطة أكبر منتدى أمنى في قارة آسيا في تايلاند وتم مناقشة عدة قضايا منها: صناعة الصواريخ وانتشار الأسلحة النووية والصراعات في المحيط الهندي. كما تمت مناقشة قضايا الصراع في المنطقة مثل الموقف في فيجي والاشتباكات العرقية في جزيرتي اتشيه وفالوكو بإندونيسيا، واتفقت الرابطة على ضرورة توسيع نطاق نظرتها للمخاوف الأمنية. وقد شاركت في هذا المنتدى، بالإضافة إلى دول الرابطة، دول أخرى لها اهتمامات أمنية مثل استراليا وكندا والصين والهند وكوريا الجنوبية.
ب ـ مبادئ الرابطة وعضويتها:
قامت رابطة الآسيان على أربعة مبادئ هي:
(1) حل المنازعات حلا سلميا وعدم اللجوء إلى استخدام القوة بين دول الرابطة.
(2) احترام استقلال كل دولة عضو وعدم التدخل في الشئون الداخلية لأية دولة.
(3) توفير الأمن الإقليمي للرابطة والذي يقوم على أساس ضرورة التعاون العسكري لحماية أية دولة تتعرض لتهديد خارجي.
(4) عدم الاستعانة بقوات عسكرية خارجية في حالة حدوث صراعات في المنطقة .
وقد تعددت أشكال العضوية في رابطة الآسيان بما يتفق ومصالح وطموحات دول الرابطة. فبجانب العضوية الكاملة والتي وصلت حتى الآن إلى عشر دول أعضاء، ظهرت أشكال جديدة للعضوية في الآسيان تتمثل في أعضاء بصفة مراقب وحضور دولى سواء من جانب الدول او ممثلين عن منظمات إقليمية ودولية للمشورة وللشراكة من جانب، وللحوار الكامل أو الحوار القطاعي من جانب آخر. وفى هذا الاطار، اقامت رابطة الآسيان منتدى الآسيان الإقليمي كمنتدى متعدد الأطراف للحوار والتشاور بهدف تطوير الدبلوماسية الوقائية وبناء الثقة في منطقة آسيا الباسيفيك .
ج ـ أهداف الرابطة:
(1) الإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والتنمية الثقافية في المنطقة من خلال الجهود المشتركة وعلى أساس المساواة من أجل تنمية وتقوية الرابطة لصالح الرفاهية والسلام في جنوب شرقي آسيا.ولقد وضعت المنظمة إستراتيجية اقتصادية لتمكينها من تحقيق التنمية الاقتصادية تستند الى:
- تحقيق مبدأ التخصص في الصناعة حتى تقضى على عملية التنافس بين الدول الأعضاء وفقا لإمكانات وقدرات كل دولة، فنجد أنه خصص للفلبين مشروع لانتاج الورق واستبدل فيما بعد بتصنيع النحاس، ولإندونيسيا مشروع لانتاج اليوريا، ولسنغافورة مشروع لإنتاج ماكينات الديزل واستبدل بمشروع لانتاج مصل الالتهاب الكبدي (B)، وتايلاند مشروع لإنتاج الصودا.
ـ اتفاقية الأفضلية التجارية: وبدأ تطبيق هذه الاتفاقية على 71 منتجا عام 1977 وأضيف إليها 50 منتجا آخر فى العام التالي ثم أعفيت الصادرات التي تبلغ قيمتها 10 ملايين دولار من الرسوم الجمركية.
ـ التكامل الصناعي: بالإضافة إلى المشروعات التخصصية التي حددت لدول الرابطة تم وضع خطة للتكامل الصناعي لتشمل عددا من المشروعات أهمها مشروعات صناعة السيارات ومعدات الاتصال والسماد.
ـ اشتراك القطاع الخاص حيث شكلت غرف تجارية. وقد تركزت بالأساس في صناعة السيارات التي غزت الأسواق العالمية.
(2) تدعيم السلام والاستقرار في إقليم جنوب شرقي آسيا من خلال مبدأ الاحترام الكامل لحكم القانون في العلاقات بين دول الإقليم والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
(3) تشجيع الأنشطة التعاونية والمساعدات المتبادلة في القضايا الخاصة بالمصالح المشتركة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية والعملية والإدارية.
(4) تبادل المساعدات في مجالات التدريب والبحوث التعليمية والمهنية والفنية والإدارية.
(5) تحقيق مشاركة أكثر فعالية في الاستخدام الأمثل للمواد الزراعية والمنتجات الصناعية وتوسيع نطاق التجارة البينية ودراسة مشكلات التجارة الدولية للسلع وتحسين سبل النقل ورفع مستوى المعيشة.
(6) تشجيع الدراسات الخاصة بإقليم جنوب شرقي آسيا.
(7) الحفاظ على درجة عالية من التعاون الإيجابي مع المنظمات الدولية والإقليمية القائمة.
د ـ الهيكل التنظيمي للرابطة:
تتعدد أجهزة الرابطة وتتنوع أشكالها بما يتواكب وأهدافها المعلنة ، وهو ما يمكن ملاحظته فى التالي:
(1) مؤتمرات القمة وهي السلطة العليا لرابطة الآسيان، وتضم رؤساء الدول والحكومات في الدول الأعضاء، وتعقد كل ثلاث سنوات .
(2) المؤتمرات الوزارية، حيث تضم وزراء الشئون الخارجية وتجتمع شهريا، كما يجتمع وزراء الاقتصاد والمالية كلما اقتضت الحاجة.
(3) اللجنة الدائمة وتجتمع بشكل دائم كل شهرين وتتكون من وزير الشئون الخارجية للدول المضيفة وسفراء الدول الأعضاء.
(4) الأمانة العامة وأنشئت في قمة جاكرتا عام 1976 ويختار أمينها العام بشكل دوري من الأعضاء حسب الترتيب الأبجدي كل ثلاث سنوات.
(5) اللجان: وهناك خمس لجان وهي لجنة الغذاء والزراعة والغابات ولجنة التمويل والبنوك ولجنة الصناعة ولجنة الطاقة ولجنة النقل.
وكان لتطور الأهداف والحاجة لمواكبة المتغيرات أثر واضح فى تطوير الإطار التنظيمي العام، فتم إنشاء أمانة عامة دائمة من أجل إقامة قنوات للتشاور وتنسيق المواقف بشكل مستمر.
وهكذا يتضح أن رابطة الآسيان اعتمدت على المدخل الاقتصادي كأساس لبناء التعاون الإقليمي وخلق المصالح المشتركة بين الدول الأعضاء على النحو الذي يدفع تجاه المزيد من التعاون في المجالات الأخرى الاجتماعية والثقافية وأخيرا السياسة الأمنية.
2ـ منظمة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي:
استندت المنظمة التى تأسست ( فى 8 ديسمبر 1985) الى فكرة تعظيم فرص التعاون المشترك بين دولها كسبيل لرفع معدلات النمو الاقتصادى وتحقيق التقدم الاجتماعى. وقد ضمت فى عضويتها سبع دول هى: بنجلاديش وبوتان والهند وباكستان والمالديف ونيبال وسريلانكا.
وترجع فكرة تأسيسها الى الرئيس البنغالي السابق ضياء الرحمن والذي ظل يدعو لتكوينها منذ عام 1977. ومن الملاحظ ان المنظمة لم تحقق أهدافها الاقتصادية نظرا لوجود العديد من العوائق يأتى فى مقدمتها الطبيعة الصراعية التى تطغى على علاقات بعض دولها وفى مقدمتها الهند وباكستان والتباين الواضح فى الموارد والإمكانيات.
3 ـ منظمة التعاون الاقتصادي:
قامت هذه المنظمة ( فى 27 يناير 1985 ) بين ايران وتركيا وباكستان على أنقاض منظمة التعاون الإقليمي للتنمية التي كانت قد أنشئت عام 1964. وتهدف هذه المنظمة الى تطوير التعاون بين الدول الثلاث في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ووضع سياسات من شأنها تطوير التبادل التجاري وإطلاق حرية التجارة بين هذه الدول وتخفيض الرسوم الجمركية.

وتستند المنظمة الى هيكل تنظيمي يتكون من :
ـ مؤتمرات القمة: تضم رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء وتعقد كلما دعت الحاجة الى ذلك.
ـ المجلس الوزاري: يتكون من مساعدى وزراء الخارجية وهو يجتمع سنويا.
ـ اللجان الوظيفية.
ـ الأمانة العامة.
ـ مجلس التخطيط.
والى جانب هذه الهياكل أضيفت أجهزه نوعية متخصصة مثل الاتحاد البريدي عام 1988، والغرفة التجارية عام 1999.
4 ـ منظمة تعاون بحر قزوين:
قامت هذه المنظمة على أساس الدعوة التى وجهتها إيران الى الدول المطلة على بحر قزوين في 30 أكتوبر 1992، وهى الدعوة التى هدفت إلى استثمار واستغلال الموارد الموجودة فى هذه الدول من خلال شكل تعاونى ، بالإضافة للحفاظ على سلامة واستقرار البحر.
وقد استندت المنظمة الى هيكل تنظيمي مكون من :
ـ مؤتمر القمة ويضم رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء ويعقد كلما اقتضت الحاجة الى ذلك.
ـ الاجتماع الوزاري ويعقد بصورة دورية.
ـ اللجان الوظيفية وتتولى إحداها الإعداد لإتفاق عام حول استغلال موارد البحر.

ثالثا ـ المنظمات الإقليمية الأوروبية
قامت المنظمات الإقليمية بأوروبا فى أعقاب الحرب العالمية الثانية كوسيلة لجمع الشمل وتجاوز رواسب الحروب. وقد عرفت أوروبا نوعين من التنظيمات، ففى الجزء الشرقى من القارة والذى عرف بأوروبا الشرقية أو الاشتراكية كانت هناك تنظيمات سياسية واقتصادية وأيضا عسكرية، وفى الجزء الغربى من القارة وجدت منظمات اخرى. ومع تفكك الاتحاد السوفيتى انهارت بالتبعية التنظيمات التى جمعت الجزء الشرقى من القارة الأوروبية. أما الجزء الغربى فما تزال هذه المنظمات قائمة بل أنها تسعى الى استيعاب دول أوروبا الشرقية داخلها. ومن اهم هذه المنظمات الاتحاد الأوروبي الذى كان نتاجا للعديد من مراحل التعاون المشترك بين دول أوروبا الغربية والذى جمع بين جوانبه العديد من الهياكل والتنظيمات الإقليمية الدولية.
ولذلك سنركز على الاتحاد الأوروبى مع الإشارة الى المحاولات السابقة عليه. فهذا الاتحاد لم يزل فى تطور مستمر لا يتوقف.
وقد خطا اجتماع رؤساء دوله وحكوماته الـ 15 في نيس في 7 ديسمبر 2000 خطوة ‎أخرى اتجاه توسيع قاعدة الاتحاد وزيادة عدد أعضائه. فقد وافقت الدول الأعضاء على استراتيجية لضم 12 دولة أوروبية أخرى إلى الاتحاد خلال العقد القادم. كما تقرر إحداث تغيير طفيف في مقاعد مجلس الوزراء الأوروبي كما سيرد ذكره.
ويعد هذا التطور حلقة أخرى اكثر تقدما فى سلسلة محاولات أوروبية لإقامة تكتلات اقتصادية إقليمية بين الدول الأوروبية ابتداء من سنة 1950 وحتى إنشاء الاتحاد الأوروبي بمقتضى معاهدة ماستريخت في عام 1993.
فقد بدأت هذه المحاولات بما يسمى اتحاد البينلوكس ثم اتفاقية بروكسل فالمجلس الأوروبي ثم المنظمة الأوروبية للتجارة الحرة واتحاد أوروبا الغربية. ثم دخلت هذه المحاولات الأوروبية مرحلة اخرى من مراحل التكامل فيما بينها، من خلال اندماج التجمعات الأوروبية الثلاثة: أولها الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، وثانيها الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وثالثها الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية. فقد تم توحيد أجهزة هذه الجماعات الثلاث اعتبارا من يوليو 1967، واستمر هذا الاتجاه التكاملي بين هذه الدول حتى وصلت إلى فكرة إقامة الجماعة الأوروبية بمقتضى اتفاقية روما عام 1957. كما تطورت في الجماعة الأوروبية بعض الأجهزة التنظيمية والتنفيذية التي تمكنها من الاضطلاع بمهامها والتي استمرت فى صيغة الاتحاد الأوروبي مثل مجلس الوزراء والبرلمان الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية والمفوضية الأوروبية .
1ـ نشأة الاتحاد الاوروبى:
تأسس الاتحاد الأوروبي، كما سبقت الإشارة، بمقتضى معاهدة ماستريخت التي جاءت بتعديل جوهري على معاهدة روما، حيث نصت على بدء مرحلة جديدة يتم فيها إقامة اتحاد أوثق بين الشعوب الأوروبية. ولذا وافق زعماء المجموعة الأوروبية في ماستريخت على معاهدة الاتحاد السياسي والنقدي لتحويل الجماعــة إلى اتحاد أوروبي. وتدعو معاهدة ماستريخت الــى: (أ) صياغة سياسية خارجية مشتركة. (ب) إقامة اتحاد فيدرالي. (ج) التحرير الكامل لحركة السلع والخدمات وإقامة الوحدة النقدية الكاملة على عدة مراحل تنتهى بإقامة بنك مركزي أوروبي.(د) التقدم الاقتصادي والاندماج المتواصل عن طريق إقامة منطقة تزول فيها الحدود وتعمل على تقوية الاندماج الاقتصادي والاجتماعي من خلال إقامة اتحاد اقتصادي ونقدي ذى عملة واحدة. (هـ) تأكيد هوية الاتحاد على الساحة الدولية من خلال تطبيق سياسة خارجية واقعية مشتركة تتضمن التوصل إلى سياسة دفاعية مشتركة.
وقد تضمنت معاهدة ماستريخت إعادة النظر فى معاهدة روما، وكان أهم هذه التعديلات في الجانب النقدي، حيث تحددت ثلاث مراحل للانتقال إلى الاتحاد النقدي أولها إزالة القيود على تدفقات رؤوس المال بين الدول الأعضاء وإجراء تنسيق أكبر بين السياسات المالية والنقدية للدول. أما المرحلة الثانية فبدأت في أول يناير 1994 ويجري فيها التأكد من إزالة كل العقبات أمام تدفق رؤوس الأموال وتحقيق مؤشرات التقارب، فى حين تتضمن المرحلة الثالثة عملية تحديد أسعار الصرف بشكل غير قابل للتعدد وإقامة اتحاد نقدي بعملة مشتركة.
2ـ الهيكل التنظيمى للاتحاد الاوروبى:
أ ـ مجلس الوزراء:
يتكون من وزراء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد وفقا لنوع الاجتماع المزمع عقده. فإذا كان موضوع الاجتماع يتعلق بالشئون الخارجية يجتمع وزراء الخارجية، وكذلك يجتمع وزراء المالية على سبيل المثال إذا كان موضوع الاجتماع متعلقا بالشئون المالية والنقدية. ويعمل المجلس على التنسيق بين الخطط الاقتصادية العامة للدول الأعضاء مع اتخاذ القرارات الضرورية للعمل بالمعاهدات والاتفاقيات المؤسسة للاتحاد. وتنعقد اجتماعات المجلس بناء على طلب الرئيس ويكون ذلك بمبادرة منه أو بطلب من اى عضو من الأعضاء. أما قاعدة التصويت فتتم وفقا للأغلبية ويتم استخدامها في عدد من المجالات المحددة وأهمها الميزانية والسياسة الزراعية. والجدير بالذكر هنا ان أصوات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي قبل قمة نيس، كانت كالتالى:
- بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا 10 أصوات لكل منها.
- أسبانيا 8 أصوات.
- بلجيكا، اليونان، هولندا، البرتغال 5 أصوات لكل منها.
- الدانمارك، ايرلندا 3 أصوات لكل منهما.
- النرويج، فنلندا 3 أصوات لكل منهما.
- لوكسمبورج صوتان.
- السويد، النمسا 4 أصوات لكل منهما.
ولقد جاءت قمة نيس بفرنسا لتشهد العديد من التغيرات سواء في عدد المقاعد أو في نمط اتخاذ القرارات .
فبالنسبة لنمط اتخاذ القرارات فقد صار مشروطا بثلاث قواعد هي الإجماع في بعض الحالات ، وغالبية 14 دولة في حالات ثانية، وغالبية دول تمثل 12 %من مجموع سكان أوروبا في حالة ثالثة. وذلك فى محاولة تتجنب الشكاوى العديدة من استخدام حق الفيتو وأثره ف

المزيد


المنظمات الاقليمية أ/ أيمن عبد الوهاب

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , القانون الدولي , فكر سياسي وتربوي, مجتمع دولي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الأول

مفهوم المنظمات الإقليمية وتطورها


 

أولا : مفهوم الاقليم والاقليمية:
فى البداية، ربما يكون من الضرورى التعرف على معنى الاقليم والاقليمية ، قبل محاولة تحديد ما هو المقصود بالمنظمات الإقليمية ، وخاصة أن المفاهيم النظرية تستند الى أكثر من معيار او محدد لتحديد مفهوم الإقليم.
بالنسبة لمفهوم الإقليم، نجد انه لغويا يعنى رقعة الارض التى يقطنها شعب الدولة، ولكن فى المقابل نلحظ انه قد جرى العرف على استعماله بمعنى اصطلاحى اوسع من مدلوله اللغوى.ولذا فقد تعددت معانى الإقليم وفقا لتطورها التاريخى من جانب، ووفقا لطرق استخدام الإقليم من جانب ثان. ففى الأصل لم يكن الإقليم سوى قطعة من اليابسة يستقر عليها شعب معين الى جانب كونه مصدرا للثروات وللقوة، كما أن أهمية الإقليم لم تقتصر على العنصرين السابقين ( قاعدة لاستقرار الشعب ومصدر للثروات) إذ إننا نلاحظ اليوم أن الأقاليم الصحراوية الجرداء تتمتع بأهمية كبرى على الرغم من أنها غير مأهولة بالسكان ، نظرا لتعدد أشكال الاستفادة منها وخاصة من الناحية الاستراتيجية.
كذلك فإن فكرة الإقليم مرتبطة بتنظيم وتوسيع السلطة السياسية . ويبدو ذلك بوضوح فى ظل النظام الاقطاعى حيث كانت علاقة الإنسان بالأرض هى التى تحدد توزيع السلطة داخل الدولة. وفى العصر الحديث نلاحظ أن ظاهرتى الاستعمار والاتحاد قد تسببتا فى ظهور نظريات جديدة فى طبيعة الإقليم، فنجد أن الدولة الاستعمارية تفرق فى المعاملة بين مواطنيها من جانب، وسكان مستعمراتها من جانب آخر، فقد اصبح إقليم الدولة الاستعمارية يتمتع بأهمية اكبر من أقاليم المستعمرات، فإقليم الدولة الاستعمارية يعتبر عنصرا أساسيا من عناصر كيان الدولة على حين أن أقاليم المستعمرات لا تقوم بهذه الوظيفة بصفة أساسية، ويظهر هذا الاختلاف على سبيل المثال فى مجال تنفيذ المعاهدات الدولية.
ويضاف الى ذلك، ما أفرزته ظاهرة الاتحاد بين الوحدات السياسية من تجديد فى تحديد الطبيعة القانونية للإقليم. ويستند هذا التجديد الى ضرورة تبرير ازدواجية السلطة فى الدولة الاتحادية، فكيف يمكن اعتبار رقعة معينة من الأرض جزءا من إقليم الدولة العضو فى الاتحاد، حيث تعتبر جزءا من إقليم الدولة الاتحادية ذاتها ـ كما اتضح فى الكتاب السابق فى هذه السلسلة عن الدولة. فإذا أخذنا بنظرية الملكية التقليدية والتى تقرر ملكية الدولة لإقليمها، فإنه يتعذر تفسير ظاهرة ازدواج السلطة فى الدولة الاتحادية. فالإقليم هنا يبدو وكأنه إطار جغرافى لممارسة اختصاصات يحددها القانون.اكثر من ذلك فإن ظاهرة الاتحاد لا تقتصر على تكوين دول اتحادية ولكنها تمتد لتشمل اتحادات اقتصادية ترتكز على قاعدة إقليمية، وإن كانت فى هذه الحالة يطلق عليها اصطلاح المناطق مثل المناطق النقدية والتجارية ، وبالتالى يكون مفهوم الإقليم هنا قاصرا على أنماط معينة من المبادلات والمعاملات النقدية والتجارية.
ولذا برز ما يسمى بالإقليمية الجديدة لتوصيف تلك الموجة التى بدأت منذ منتصف الثمانينيات من علاقات وتنظيمات التكامل الاقتصادى والتجارى الاقليمى ويستند هذا المفهوم الى نموذجين، الأول هو التكتل التجارى الإقليمى القائم على فرصة تيسير العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء وبدرجات تميزها عن العلاقات التجارية مع الدول غير الاعضاء. ولهذا النموذج مستويات متعددة أدناها هى المناطق التجارية الحرة وأعلاها الاتحاد الاقتصادى، مثال ذلك منظمة الكوميسا ، والسوق المشتركة لأمريكا الوسطى ومنطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وغيرها. أما النموذج الثانى فهو قائم على أساس التخصص وتقسيم العمل الصناعى فى مجموعة من الصناعات او صناعة واحدة بين مجموعة من الدول التى يجمعها هذا التخصص والتقسيم فى العمل ، مثال ذلك مثلث النمو الاقليمى الفرعى الذى ربط بين التكنولوجيا والقوة المالية السنغافورية والعمالة والموارد فى أرخبيل ريو بإندونيسيا.
بعبارة أخرى، ان عملية إعادة هيكلة النظام الاقتصادى العالمى بما يتوافق مع المتغيرات العالمية الجديدة هى ابرز سمات مفهوم الإقليمية الجديدة ، حيث انه يهدف الى جعل الكتل الاقتصادية الإقليمية حلقة ربط وسيطة بين الدول من ناحية، والنظام العالمى من ناحية اخرى. وبالتالى فإن الإقليمية الجديدة تختلف عن مفهوم الإقليمية الذى شاع فى الستينيات بغلبة الطابع الاقتصادى .
وقد اعترف ميثاق الأمم المتحدة بفكرة الإقليمية ونظر الى المنظمات التى تحمل هذه السمة باعتبارها إحدى وسائل تحقيق الأمن والسلم الدوليين ، ولذا أخذت فكرة الإقليمية فى التبلور فى شكل العديد من المنظمات الإقليمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام الأمم المتحدة عام 1945، مثال ذلك منظمة الدول الأمريكية وجامعة الدول العربية والاتحاد الاوروبى وغيرها، وهو الأمر الذى يعود الى عدد من الأسباب يأتى فى مقدمتها: (أ) أن الدولة لم تعد ـ كقاعدة عامة ـ قادرة بمفردها على الوفاء باحتياجات شعبها خاصة فيما يتعلق بمجالات الأمن. (ب) وجود تكتلات وتجمعات معينة فرض على الدول الأخرى ضرورة مواجهتها بذات المستوى الجماعى. فالتكتل يخلق التكتلات المضادة. (ج) تعاظم درجة الاعتماد الدولى المتبادل لتعزيز القوة التفاوضية لمجموعة من الدول فى مواجهة مجموعة او مجموعات دولية أخرى.
وفى هذا الإطار، برزت عدة تعريفات لمفهوم الاقليمية ارتبطت بتعدد المعايير المحددة له، فهناك اتجاه يربط الإقليمية بالمنظمة الإقليمية ، اى انه لا يفرق بينهما، حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه انهما مرادفان لنفس الشئ ، ويستند فى ذلك الى تعريف خاص للإقليمية مفاده أنه بجوار المنظمات الدولية العالمية يمكن إنشاء منظمات دولية إقليمية تضم فى عضويتها الدول التى ترتبط فيما بينها بروابط تاريخية وجغرافية وحضارية اكثر من غيرها وتهدف الى العمل على حل ماقد ينشا بينها من منازعات بالطرق السلمية وبالتالى تدعيم الأمن والسلم الدوليين على حد سواء.
واتساقا مع الربط السابق بين الإقليمية والمنظمات الإقليمية يبرز اتجاه ثان ينطلق فى تعريفه للمنظمات الإقليمية من كونها ترمز الى الحركات السياسية والاجتماعية التى تسعى الى اثارة الشعور بالشخصية المحلية او المطالبة بالحكم الذاتى او الانفصال عن الكيان الأكبر ويعود السبب فى ذلك الى عوامل مختلفة منها ماهو ثقافى أو اقتصادى أو سياسى.
فى المقابل يبرز اتجاه ثالث يحرص على تجريد مفهوم الإقليمية من اى محتوى معين ، وينظر اليها ككلمة غير كاملة المعنى يجب ان تضاف اليها خاصية او كلمة اخرى حتى نستطيع فهم معناها.ولذا يتحدث اصحاب هذا الاتجاه عن الإقليمية السياسية او المذهبية،والإقليمية الجغرافية، والإقليمية الحضارية، والإقليمية المطلقة. فبالنسبة للنوع الأول يفسرها هذا الاتجاه بكونها الإقليمية التى لا ترتبط بمكان بل برباط سياسى او مذهبى بهدف تحقيق أهداف معينة سواء كانت عسكرية او سياسية، مثال ذلك إقدام الدول الشيوعية على تكوين حلف وارسو حيث يقوم هذا الحلف على وحدة المذهب السياسى فى مفهومه العام، وكذلك الحال بالنسبة لـ حلف شمال الاطلنطى فهو غير قاصر على دول شمال الاطلنطى وإنما يضم دولاً اخرى مثل الولايات المتحدة الامريكية .
أما الإقليمية الجغرافية فهى تعنى التجاور الاقليمى فى رقعة جغرافية واحدة كتجاور مصر والسودان وهو ما تعبر عنه بوضوح منظمة الدول الأمريكية ومنظمة الوحدة الافريقية.
فى حين تتحدد الإقليمية الحضارية بحدود توافر روابط ذات طابع حضارى من شأنها أن تقوى اى رباط سياسى بين الدول وتعمق ذاتيته، فعلى سبيل المثال كان إنشاء جامعة الدول العربية نموذجا لتوافر مثل هذه الروابط (وحدة اللغة والثقافة والتاريخ والدين).
وأخيرا الإقليمية المطلقة ، وتعنى الاقليمية غير المتصفة بصفة عامة وتنطبق على كل منظمة دولية لا تتجه بطبيعتها نحو العالم، حيث تقصر أهدافها ونطاق عضويتها على عدد معين من الدول يجمعها رباط خاص بصرف النظر عن طبيعة هذا الرباط جغرافيا كان أو سياسيا أو غيره.
وبالنظر الى الأنواع والمسميات الإقليمية السابقة ، يمكن وضع تعريف محدد لها هو الهيئات الدائمة التى تضم فى منطقة جغرافية معينة عددا من الدول تجمع بينها روابط التجاور، والمصالح المشتركة، والتقارب الثقافى واللغوى والروحى، تتعاون جميعا على حل ما قد ينشأ فيها من منازعات حلا سلميا وحماية مصالحها وتنمية علاقاتها الاقتصادية والثقافية.

ثانيا : تعريف النظام الاقليمى:
رغم حداثة هذا المفهوم كمستوى للتحليل فى العلاقات الدولية إلا أنه يمكن إرجاع جذوره الى الفكر السياسى المتعلق بالشئون الدولية الى عقد الستينيات. فقد شكل مفهوم الإقليمية أحد الموضوعات الأساسية فى مجال التنظيم الدولى، وخاصة مع ما صاحبه من جدل ممتد حول ما يسمى بالعالمية فى مواجهة الإقليمية وأى المنهاجين ينبغى اتباعه لتنظيم المجتمع الدولى وحفظ السلم بين دوله، حيث انطلق أنصار العالمية الى التأكيد على أهمية إيجاد تنظيم عالمى يشمل كافة الدول ، بينما رأى أنصار الإقليمية ان الأفضل إيجاد تنظيمات إقليمية نظرا لسهولة إقامتها وكونها اكثر قدرة على الحركة والفاعلية بالمقارنة بالتنظيمات الدولية بالإضافة للتأكيد على أن الإقليمية ليست بديلا عن العالمية بل إنها خطوة لتحقيقها.
النقطة الثانية التى يثيرها هذا المفهوم ترتبط بموضوع التكامل الدولى والذى يعتبر التكامل الاقليمى أحد محاوره الأساسية ، وقد تناولت نظريات التكامل الاقليمى شروط العملية التكاملية والمتطلبات اللازمة لنجاحها، فى هذا الإطار يتم تناول عدة عوامل مثل وجود العدو الخارجى المشترك الذى يوحد البيئة الموضوعية للتكامل، ووجود الدولة القائد او الدولة النموذج التى تتصدى لقيادة العملية التكاملية، والإحساس بالتوزيع العادل للمكاسب وللأعباء، ووجود الثقافة السياسية المشتركة، ووجود نخب سياسية حاكمة ذات أهداف وسياسات متقاربة، ووجود المنظمات الإقليمية الحكومية وغير الحكومية القادرة على تنشيط التبادلات والتفاعلات.
ولذلك يتميز اى نظام اقليمى بنمط معين من التفاعل ( او العلاقات المتبادلة) بين أطرافه، ويحكم هذا النمط التفاعلى متغيران أساسيان أحدهما كمى والآخر كيفى. فبالنسبة للمتغير الكمى نجد انه يرتبط بمدى خضوع التفاعلات الحادثة فى الساحة الإقليمية لقواعد وقوانين منتظمة ومعروفة سلفا، فضلا عن درجة التزام الأطراف الإقليمية بهذه القوانين، أما المتغير النوعى فيتعلق بوصف طبيعة العلاقات السائدة بين هذه الأطراف، والتى يمكن التعرف عليها من خلال دراسة ثلاثة أبعاد أساسية، هى:
ـ تكافؤ العلاقات داخل النظام، فهناك أنظمة إقليمية تقوم على درجة كبيرة من المشاركة، اى حق كل طرف فى المبادرة باقتراح سياسات عامة للنظام كله وتملكه لفرصة عادلة فى مناقشة الاقتراح بجدية من قبل الأطراف الأخرى.
ـ حركة النظام التى ترتبط بدرجة ملاءمة الترتيبات الإقليمية لتحقيق تحسن مطرد فى مستوى إنجاز النظام ككل، الى جانب إبراز قدرته على التأقلم مع الظروف والمستجدات بما يتوافق والإنجاز التنموى.
ـ تكاملية النظام وتعنى بقدرة النظام على تدعيم اتجاه طويل المدى نحو زيادة القواعد والقوانين السائدة فى النظام وفى مقابل تقليص صفة السيادة التى تتمتع بها أطرافه، ومن ثم بروز ميل نحو تكوين ولاءات اجتماعية سياسية لسلطة واحدة داخل الإقليم ككل على حساب الولاءات المركزة حول السلطة داخل الدولة والأطراف الأخرى المكونة لهذا النظام. والحقيقة ان نمط التفاعلات داخل اى نظام إقليمى يتطور من خلال التداخل بين عاملين أساسيين هما درجة التنسيق فى مواقف الأطراف تجاه القضايا الجوهرية للنظام، وهيكل القوة السائد فيه وتحولاته ، فالنظام الاقليمى يتطور تبعا لدرجة نضوج عملية الإجماع داخله.
وإزاء هذه الخلفية، تتعدد الاتجاهات فى تعريف مفهوم النظام الاقليمى ولكن يمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسية تنطلق كل منها من معيار محدد:
الاتجاه الأول يركز على اعتبارات التقارب الجغرافى ويجعل من هذه الاعتبارات أساسا للتمييز بين النظم الإقليمية.
اما الاتجاه الثانى فينطلق من أهمية توافر عناصر التماثل بين الدول التى تدخل فى نطاق إقليم ما من الناحية الثقافية او الاجتماعية او الاقتصادية.
فى حين ينتقد الاتجاه الثالث الاتجاهين السابقين على أساس أن الدول المتجاورة او المتشابهة لا يشترط بالضرورة ان تكون على علاقات وثيقة فيما بينها وأن العامل الحيوى فى اى نظام اقليمى هو مدى وجود تفاعلات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية بين الدول وبعضها البعض.
واتساقا مع الاتجاهات الثلاثة السابقة، وتجنبا للدخول فى مزيد من الاختلافات الفرعية حول تعريف النظام الاقليمى ومكوناته، فإنه يمكن القول ان هناك اتفاقا عاما على عدد من العناصر الواجب توافرها فى النظام الإقليمى هى:
ـ أن يرتبط بمنطقة جغرافية معينة، وذلك على أساس ان حجم التفاعلات بين الدول المتقاربة جغرافيا عادة ما يكون أكبر وأكثر كثافة بين الدول غير المتجاورة، فالدول التى تقع فى قارات متباعدة عادة ما تكون التفاعلات بينه

المزيد


الدستور محمد سعد أبو عامود

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات قانونية, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الثانى

الدستور والمفاهيم المرتبطـــــة بــــه


أولاً : تعريف الدستور :
الدستور هو القانون الأساسى أو مجموعة القواعد القانونية الأساسية التى يتم بمقتضاها تنظيم الدولة وممارسة الحكم فيها، والتى توضح سلطات الحكومة، فضلا عن حقوق وواجبات المواطنين ويتخذ الدستور فى تنظيم البلدان شكل وثيقة مكتوبة ومحددة ، كما أنه يتألف من مجموعة من الأعراف والتقاليد المصحوبة بسلسلة من التشريعات كما يحدث فى بريطانيا.
ويشير د. مصطفى أبوزيد فهمى فى كتابه النظرية العامة للدولة الى ان هناك معيارين لتعريف الدستور، المعيار الشكلى وهو يعتمد بصفة أساسية على الشكل الخارجى للدستور أو الجهة التى أصدرته والمعيار الموضوعى الذى يعتمد على مضمون القاعدة أو موضوعها ، ومن ثم فإذا نظرنا إلى الدستور فى ظل المعيار الشكلى فهو مجموعة من القواعد القانونية التى لا يمكن ان توضع أو تعدل إلا بعد إتباع إجراءات خاصة تختلف عن إجراءات وضع وتعديل القانون العادى.
أما الدستور فى ظل المعيار الموضوعى فيقصد به مجموعة القواعد القانونية التى تنظم مزاولة السلطة السياسية فى الدولة فتنظم شكل الدولة الخارجى والسلطات المختلفة فيها ووظيفة كل منها والعلاقات فيما بينهما، كما أنها تبين ما يفترض ان تقوم به الحكومة وما لا ينبغى ان تقوم به من ناحية أخرى.
فالدستور إذاً هو مجموعة من القواعد القانونية الأساسية التى توضح مايلى:-
1- الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة .
2- من الذى يحكم ؟ وكيف يحكم ؟
3- مسئوليات الحكم ونطاق هذه المسئوليات وسلطاته وحدودها .
4- واجبات وحقوق المحكوم وكيفية أدائه لواجباته وضمانات حصوله على حقوقه.
وفيما يلى كلمة موجزة عن كل عنصر من هذه العناصر .

1 - الأسس التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة :
يقصد بالأسس التى يقوم عليها نظام الحكم فى الدولة المبادئ الأساسية التى يتعين على نظام الحكم ان يلتزم ويهتدى بها فى ممارسة نشاطه السياسى فى المجتمع كالعدالة والحرية والمساواة. وتختلف النظم من حيث درجة إلتزامها بهذه المبادئ، فثمة نظم تعلى من الحرية كمبدأ أساسى حاكم لنشاطها، ونظم أخرى تعطى الأولوية للعدالة، وثالثة تعطى الأولوية للمساواة ، ونظم رابعة تحاول ان تقيم توازنا بين هذه المبادئ. ولا يعنى إعطاء أولوية لمبدأ من هذه المبادئ إلغاء المبادئ الأخرى، وإنما يعنى ان المبادئ الأخرى تخضع فى التطبيق لمعيار أعلى، فالنظم التى تأخذ بأولوية مبدأ الحرية يتم تطبيق العدالة والمساواة بما لا يتعارض مع الحرية التى تمثل المبدأ الأساسى لمثل هذه النظم وهى تستند فى ذلك الى الدستور الذى يعلى فى هذه الحالة من قيمة مبدأ الحرية .
2 - من الذى يحكم ؟ وكيف يحكم ؟
هذا هو السؤال المحورى للعملية السياسية فى أى مجتمع من المجتمعات ، وهو السؤال الذى يجيب عليه الدستور ، إذ يحدد الشروط الأساسية التى يجب ان تتوافر فيمن يتولى مهمة الحكم والأسلوب الذى يجب إتباعه لتعيينه لتولى هذه المهمة .
فإن كان الذى يحكم هو الملك، فالدستور يحدد الشروط التى يجب ان تتوافر فى شخص ما حتى يكون ملكا وهو يتضمن فى هذه الحالة نظاما لولاية العهد أو الخلافة، وإذا كان الذى يحكم هو الرئيس، يحدد الدستور الشروط التى يجب ان تتوافر فى شخص ما لكى يتولى هذا المنصب وأسلوب ترشيحه وانتخابه .
ولا يقتصر الأمر على تحديد من الذى يحكم وأسلوب تعيينه، وإنما يمتد الى إيضاح وتحديد كيفية ممارسته لمهمة الحكم ، ولما كانت عملية الحكم فى الواقع المعاصر تتم من خلال عدة مؤسسات هى السلطة التنفيذية أى الحكومة، والسلطة التشريعية (البرلمان) ، والسلطة القضائية فإن الدستور يشتمل على مايلى فى هذا الصدد :
- تحديد أسلوب تشكيل كل مؤسسة من هذه المؤسسات وتحديد وظائف كل منها وأسس قيام كل منها بهذه الوظائف .
- تحديد العلاقة فيما بينهما بمعنى علاقة الحكومة بالبرلمان والبرلمان بالحكومة وعلاقة كل منهما بالسلطة القضائية، وذلك بما يكفل الضمانات لانتظام سير العمل.
- تحديد علاقة كل من هذه المؤسسات بالمواطنين .
3 - مسئوليات الحاكم ونطاق هذه المسئوليات وسلطاته وحدودها :
يحدد الدستور مسئوليات الهيئة الحاكمة بمعنى المهام الأساسية التى يتعين عليها القيام بها كالحفاظ على سلامة الوطن والمواطن ، عقد المعاهدات ، إعلان الحرب وغيرها موضحا القواعد التى يجب على الهيئة الحاكمة إتباعها للقيام بهذه المسئوليات، ويحدد كذلك السلطات التى يجب كفالتها لقيام هذه الهيئة بمسئولياتها ، إلا أنه يوضح فى ذات الوقت حدود هذه السلطات، بمعنى ما لا يجب ان تتعداه أو تتخطاه عند قيامها بوظائفها .
4 - واجبات المحكوم وكيفية أدائه لهذه الواجبات وحقوقه وضمانات حصوله عليها:
يشتمل الدستور على الواجبات التى يتعين على المحكوم القيام بها وكيفية قيامه بأداء هذه الواجبات كالتصويت فى الانتخابات ، أداء الضرائب ، التجنيد الإجبارى، وغيرها ، وفى ذات الوقت يتضمن حريات وحقوق المحكوم والضمانات اللازمة لممارسة هذه الحقوق والحريات كالحق فى الحياة والأمن والتملك، وحرية التعبير وإبداء الرأى وغيرها.
هذه هى العناصر الأساسية التى يشتمل عليها الدستور، ولكن السؤال المثار إلى أى حد يكون الالتزام بما جاء فى الدستور ؟ وهل وجود دستور بحد ذاته كفيل بقيام نظام حكم دستورى فى أى بلد من البلدان ؟
توضح الخبرة المعاصرة ان كل نظم الحكم فى العالم بما فيها نظم الحكم المطلق، أى النظم التى لا تفرض قيودا على الهيئة الحاكمة ، لها دساتير، إلا أن هذا لا يعنى ان كل دولة بها نظام حكم دستورى، ومن ثم وكما يقول د. مصطفى أبوزيد فهمى:
أننا يجب ان نفرق بين دولة لها دستور ودولة لها نظام دستورى، فكل دولة أيا كان نظام الحكم فيها يمكن ان يكون فيها دستور ، ولكن الدولة لا يكون فيها نظام دستورى إلا إذا وجدت بها حكومة مقيدة لا مطلقة تتقيد فيها السلطات كلها بنصوص الدستور الذى يكفل الحريات والحقوق العامة .

ثانيا : أساليب نشأة الدستور :
يذكر د. عبد الحميد متولى فى كتابه القانون الدستورى والأنظمة ان هناك خمسة أساليب لنشأة الدساتير وهى:-
1- المنحة .
2- العقد .
3- أن يصدر بواسطة جمعية نيابية تأسيسية.
4- أن يصدر الدستور مباشرة بواسطة الشعب عن طريق الاستفتاء الدستورى.
5- أن يصدر الدستور عن طريق المعاهدات الدولية .
وفيما يلى توضيحا لكل من هذه الأساليب :

1 - صدور الدستور كمنحة :
فى هذه الحالة يعد الدستور وليد إرادة الملك صاحب السلطان والسيادة، فهو باعتباره هذا يوافق على التضحية بجزء من تلك السيادة أو يوافق على تنظيم طريقة مزاولته لها، فى هذه الحالة يأتى الدستور من أعلى، أى ينزل على الشعب، مثال ذلك الدستور الذى أصدره الملك لويس الثامن عشر ملك فرنسا فى يونيو 1814 وأهم نقد يوجه الى هذا الأسلوب يتلخص فى أنه دليل على عدم تقدم الديمقراطية كما أنه يجرح كرامة المواطنين ، ومع تقدم التيار الديموقراطى فى العصر الحديث فقد تراجع الأخذ بهذا الأسلوب فى إصدار الدساتير .

2 - صدور الدستور فى صورة عقد :
وهى الطريقة الملكية الثانية من طرق وضع الدساتير، والعقد يكون بين الشعب والملك، ومن ثم فالشعب يدخل فى الأمر كطرف أصيل فى هذا العقد. ويترتب على إعتبار الدستور ذى صبغة تعاقدية أنه لا يمكن إلغاؤه إلا بناء على إتفاق الطرفين ، وهذه الطريقة تفترض حدوث نوع من أنواع التطور على طريق التقدم الديمقراطى.
وأهم نقد يقدم الى طريقة العقد يتلخص فى ان الملك يعد فى هذه الحالة مساويا للأمة مع أنه لا يقتسم معها حق السيادة ، وطالما ان السيادة للأمة ، فلا يكون له ان يشترك معها فى إبرام عقد يحدد اختصاصاته واختصاصات ممثلى الأمة .

3 - صدور الدستور بواسطة جمعية نيابية تأسيسية :
وهذه الطريقة تعد أكثر ديموقراطية من الطريقتين السابقتين، إذ ان الدستور يقوم بوضعه فى هذه الحالة جمعية منتخبة من الشعب ، وقد طبقت هذه الطريقة فى الولايات المتحدة فيما يتعلق بدساتير كل ولاية بعد استقلال الولايات المتحدة ، وكذلك وافقت كل ولاية من تلك الولايات على دستور جمهورية الولايات المتحدة بواسطة جمعية انتخبتها كل من هذه الولايات ، بعد ذلك وافق الكونجرس الأمريكى على ذلك الدستور، كما طبقت هذه الطريقة فى فرنسا فى دستور 1948 .

4 - طريقة الاستفتاء الدستورى :
فى هذه الحالة يصدر الدستور مباشرة من الشعب ، ومن أجل ان يكون إستفتاء دستورى يجب ان تكوّن أولا هيئة أو لجنة تقوم بتحضير مشروع الدستور وعرضه على الشعب لاستفتائه فيه ، لأخذ رأى الشعب فى مشروع الدستور ، ولكن هذا المشروع لا تصبح له قيمة قانونية إلا بعد عرضه على الشعب واستفتائه فيه وموافقته عليه.
كما كان الشأن بصدد دستور الجمهورية الفرنسية الرابعة (دستور أكتوبر 1946)، والدستور المصرى (لعام 1956 والدائم لعام 1971) .

5 - طريقة المعاهدات الدولية :
بعض الدساتير يمكن ان ترجع فى نشأتها الى معاهدات دولية مثل الدستور البولندى لعام 1815 والدستور الألمانى لعام 1871، حيث يكون الدستور مستمدا من معاهدة دولية .
ويمكن القول بأن أساليب نشأة الدساتير تختلف من دولة إلى دولة أخرى تبعا لدرجة التطور الديموقراطى فى كل دولة من هذه الدول، وتبعا لتقاليدها وخبراتها السياسية ، وهى تتطور بتطور أنظمة الحكم فى كل دولة من الدول ومن ثم فقد مرت عملية نشأة الدساتير بعدة مراحل: المرحلة الأولى كان الملوك ينفردون بالسلطة التأسيسية من الناحية القانونية وهو ما أطلقنا عليه أسلوب المنحة ، المرحلة الثانية وهى المرحلة التى تبرز فيها جهود الشعب عن طريق هيئات تعمل بإسمه لحمل الملوك على الاعتراف بحق الشعب فى المشاركة فى السلطة التأسيسية ، وهو ما يعرف بأسلوب التعاقد ، المرحلة الثالثة وهى مرحلة إنفراد الشعب بالسلطة التأسيسية وهو أسلوب الجمعية التأسيسية ، والذى قد أدى الى ظهور أسلوب الاستفتاء الدستورى، فى الحالات التى لا يباشر فيها الشعب بنفسه السلطة التأسيسية ويوكلها الى هيئة أو لجنة مختصة، تضع مشروع الدستور الذى لا يتحول الى دستور إلا بعد موافقة الشعب عليه فى الاستفتاء العام .

ثالثا : أنواع الدساتير :
1 - الدساتير المدونة والدساتير غير المدونة :
تنقسم الدساتير من حيث المصدر الى دساتير مدونة أى مكتوبة ودساتير غير مدونة أو غير مكتوبة ، والتدوين ليس مجرد تسجيل القاعدة فى وثيقة مكتوبة وإنما المقصود به هو تسجيلها فى وثيقة رسمية من سلطة مختصة بذلك ، ويرى د. سعد عصفور فى كتابه المبادئ الأساسية فى القانون الدستورى والنظم السياسية ان الدستور يعتبر مدونا إذا كان فى اغلبه صادر فى شكل وثيقة أو عدة وثائق رسمية من المشرع الدستورى، ويعتبر غير مدون إذا كان فى أغلبه مستمدا من غير طريق التشريع اى من العرف والقضاء ، ويطلق بعض الفقهاء على الدستور غير المدون إصطلاح الدستور العرفى، إلا اننا نفضل استخدام إصطلاح الدستور غير المدون لأنه أكثر دقة حيث يتسع ليشمل المصادر غير التشريعية سواء تمثلت فى العرف أو القضاء.
ويذكر د. مصطفى أبوزيد فهمى فى كتابه النظرية العامة للدولة أننا إذا رجعنا الى التاريخ الدستورى لوجدنا ان الدساتير العرفية أى غير المدونة كان اسبق فى الظهور من الدساتير المكتوبة، ومازالت إنجلترا حتى اليوم يحكمها دستور عرفى تكونت قواعده بالعادة والسوابق الدستورية المتكررة ، وإن كان بها عدد من الوثائق المكتوبة كالعهد الأعظم MAGNA CARTA الصادر سنة 1215 ووثيقة ملتمس الحقوق RETTION OF RIGHTS الصادرة سنة 1629 ، ووثيقة إعلان الحقوق BILL OF RIGHTS الصادرة سنة 1688 .
وأول الدساتير المكتوبة التى ظهرت فى القرن الثامن عشر كانت دساتير الولايات الأمريكية التى بدأت توضع إبتداءً من سنة 1776 بعد إستقلال هذه الولايات عن إنجلترا ، فلما كونت هذه الولايات فيما بينها تعاهدا صدر دستور الدول المتعاهدة عام 1781، وبازدياد الروابط بينها تحولت الى نظام الدولة الاتحادية، وظهر الدستور الاتحادى سنة 1787 وهو نفسه الذى يحكم الولايات المتحدة اليوم بعد ان ادخلوا عليه الكثير من التعديلات.
ولما قامت الثورة الفرنسية اعتنق رجالها فكرة الدساتير المكتوبة، وكان أول دستور لهم وهو دستور 1791 دستورا مكتوبا ومنذ ذلك الحين وفرنسا تأخذ بالدساتير المكتوبة، ومن فرنسا وأمريكا انتشرت فكرة الدساتير المكتوبة الى كل بلاد العالم، فكل الدساتير التى توضع فى أى بلد من بلاد العالم هى دساتير مكتوبة.
2 - الدساتير المرنة والدساتير الجامدة :
الدستور المرن هو الذى يمكن تعديله بنفس الإجراءات التى يعدل بها القانون العادى، أما الدستور الجامد فهو ذلك الذى يتطلب فى تعديله إجراءات أشد من الإجراءات التى يعدل بها القانون العادى، ويهدف واضعو أى دستور من جعله جامدا الى كفالة نوع من الثبات لأحكامه وذلك باشتراط تنظيم خاص

المزيد


الدستور محمد سعد أبو عامود

سبتمبر 12th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , دراسات قانونية, فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات

الفصل الأول

تطــور مفهــوم الدستور


كلمة الدستور هى الترجمة العربية المعاصرة لكلمة CONSTITUTION باللغة الانجليزية. وقد اشار قاموس وبستر الى عدة معانى لهذه الكلمة منها بناء القانون ، أو نموذج تنظيم الدولة والمجتمع، خاصة فيما يتعلق بتوزيع القوة والسيادة ، أو مجموعة المبادئ والقوانين الأساسية التى تحدد قوة وواجبات الحكومة ، وتضمن حقوقا معينة للمواطنين فيها. وأخيراً يقول قاموس وبستر بأنها تعنى الوثيقة المكتوبة والتى تتضمن قواعد التنظيم الاجتماعى والسياسى 0
وتشير قواميس اللغة العربية الى ان كلمة دستور تعنى الدفتر الذى تكتب فيه أسماء الجنود ومرتباتهم ، أو القاعدة التى يعمل بمقتضاها ، وهى فى القانون مجموعة القواعد الأساسية التى تبين شكل الدولة ، ونظام الحكم فيها ، ومدى سلطتها إزاء الأفراد 0
ويذكر برنار لويس فى كتابه لغة السياسة فى الإسلام ان كلمة دستور هى كلمة فارسية استخدمها العرب والفرس والترك وتظهر فى اللغات الثلاث بمعنى المستشار ، بل تظهر أحيانا كلقب من ألقاب التشريف للصدر الأعظم ( رئيس الوزراء ) فى الدولة العثمانية. وفى العربية تستخدم بمعانى عديدة ، تشمل النمط والصيغة الجارية ، وقائمة الضرائب والسجل ، والمعنى الأكثر شيوعا هو القاعدة والنظام، وبخاصة قائمة القواعد والسلوك فى النقابات. وفى لغة البيروقراطية ( الإدارة ) العثمانية ، ظهرت صيغة دستور العمل ، كدلالة فى الغالب على كتاب القواعد أو الكتيب الذى يحتوى على أسلوب ممارسة قسم من أقسام الإدارة ويرى أنه استخدم فى هذا المعنى عندما استدعت الحاجة مرادفاً للمصطلح الأوروبى CONSTITUTION 0
وأول من ترجم للدساتير فى اللغة العربية هو رفاعة رافع الطهطاوى، حيث ترجم الميثاق الـدستورى الفرنسى الصادر فى 4 يونيو سنه 1814 والذى أصدره الملك لويس الثامن عشر 0
وفى كتابه تخليص الابريز يقول الطهطاوى : والقانون الذى يمشى عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساسا لسياستهم هو القانون الذى ألفه لهم ملكهم المسمى بلويز الثامن عشر ولازال متبعا عندهم ومرضيا لهم ، والكتاب المذكور الذى فيه القانون يسمى الشرطة ، ومعناها فى اللغة اللاتينية ورقة ثم تسومح فيها وأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة 0
ويعلق على هذا د0 محمود فهمى حجازى فى كتابه أصول الفكر العربى الحديث عند الطهطاوى بقوله : الشرطة المصطلح الذى نقله رفاعة عن كلمة CHARTE الفرنسية استخدم عنده للتعبير عن CHARTE CONSTITUTIONNELLE وترجمتها الميثاق أو العهد أو الوثيقة الدستورية ، وعلى هذا فما يعنيه الطهطاوى فى كتابه بالشرطة ، يتناول ما جاء فى الدستور الفرنسى الصادر فى 4 يونيه عام 1814 ، ولاعلاقة بين كلمة الشرطة بفتح الشين ، أو الشرطة بضمها بالكلمة التى استخدمها الطهطاوى فالكلمة التى استخدمها الطهطاوى هى النقل المباشر للكلمة اليونانية المتأخرة CHORTE عن الكلمة الأقدم COHORS بنفس المعنى وهو العهد أو الميثاق0
أما كلمة الدستور وهى الكلمة المقابلة فى الاستخدام المعاصر لكلمة الشرطة عند الطهطاوى ، فقد كانت معروفة آنذاك بمعنى لائحة قانونية مثل دستور الأعمال الاقرباذينية لحكماء الديار المصرية .
والواقع انه يمكن القول بأن كلمة الدستور من المصطلحات السياسية التى يقترب فيها المدلول اللغوى من المدلول السياسى والقانونى الى حد كبير وهو ما سيتأكد فى موضع آخر من هذا الكتاب، إلا ان السؤال الذى نطرحه الآن يرتبط بالجانب التاريخى لمصطلح الدستور من حيث الاستخدام السياسى، ومن حيث ارتباطه بتطور النظم السياسية، وسنعرض لذلك أولا فى أوروبا ثم فى العالم الإسلامى والعربى 0

أولا : تطور المفهوم السياسى لمصطلح الدستور فى العالم الغربى :
كان فلاسفة اليونان أول من تناول مصطلح الدستور بالمدلول السياسى ، وإن كان أبرزهم فى تأصيل الدستور كمفهوم من المفاهيم السياسية الهأمة هو أرسطو الذى أفرد فى كتابه السياسة شرحا مطولا للدساتير التى ظهرت فى دول المدينة اليونانية القديمة ،حيث يتناول كل دستور من هذه الدساتير بالشرح والتحليل مبينا مزايا وعيوب كل منها ومصنفا الدول تبعا لهذا التحليل. وقد قام ارسطو بدراسة حوالى 150 دستورا من دساتير المدن اليونانية ليصل فى النهاية الى نتائج هأمة تدور حول ما يمكن تطبيقه من قواعد وردت بهذه الدساتير وكأنه يقول للكافة انه ليس المهم ما تشتمل عليه الدساتير من مبادئ وقيم وقواعد للتنظيم السياسى فى المجتمع، وانما الأهم هو القدرة على التطبيق ، أو تطبيقها بالكفاءة المطلوبة لتحقيق الأهداف التى وضعت من اجل تحقيقها 0
وإذا كانت بداية استخدام مصطلح الدستور كمفهوم سياسى قد بدأت فى اليونان القديمة، الا ان الاستخدام الحديث والمعاصر لهذا المصطلح قد ارتبط بنظريات العقد الاجتماعى والتطور الديموقراطى الذى بدأ فى أوروبا. فلقد شهدت أوروبا منذ أوائل القرن الحادى عشر نضالا حاميا مثلث الأطراف بين البابوية والملكية والاقطاع ، ولم يكن الشعب طرفا فى هذا الصراع ولكنه كان أداته ، ولذلك استشعر قوته اذا جاءت الغلبة للفريق الذى ناصره ، وانتهى به الأمر الى فرض سيادته على السلطة السياسية تستمد منها شرعيتها بدلاً من المصدر الالهى للشرعية ، والشرعية تعنى بإيجاز الرضا والقبول من جانب المحكومين تجاه الحاكمين 0
ويذكر د0 ضاهر غندور الباحث السياسى اللبنانى، فى دراسة له بعنوان جذور الديموقراطية الحديثة نشرها عام 1993، ان تباين التحالفات ادى الى نشوء سبيلين متباعدين قبل الوصول الى هذه النتيجة النهائية ، وهما : النهج النظرى الفرنسى الذى انبثق من احتضان الشعب للملكية واحتدام الجدل حول السيادة والنهج التجريبى الانجليزى الناتج عن تحالف الشعب مع النبلاء وتوسيع المشاركة فى الحكم بالتدرج فتكون البرلمان وترسخت سلطته حتى اكتمل النظام البرلمانى ، وعبر هذا الصراع الطويل صدر العديد من المواثيق والقوانين التى مثلت الاسس فى تحقيق التطور الدستورى وصولا الى النظم الديموقراطية الدستورية 0
ويقودنا هذا الى التساؤل عن خصائص الدستور فى النظم الديموقراطية، حيث انه اذا كان اى دستور بعيدا عن هذه الخصائص فأنه تبعا لذلك يكون اقرب الى نقيض الديموقراطية وهى الديكتاتورية 0
يحدد الباحث القطرى العربى د0 على خليفة الكوارى المبادىء والخصائص العأمة المشتركة للدساتير الديموقراطية على النحو التالى :

1 - لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب :
هذا المبدأ يمثل اعادة صياغة لما يعرف بمبدأ سيادة الأمة وهو أكثر تعبيرا عن حقيقة الديموقراطية الدستورية ، وسلطة المشرع فيها ، فقديما كانت السيادة تعنى الحق المطلق فى الأمر دون قيد أو منازع. ومفهوم السيادة هذا نشأ فى ظروف خاصة فى أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص ، ألا انه فى الممارسات الدستورية الديموقراطية المعاصرة ليس هناك حق مطلق غير منازع وغير مقيد يعطى لصاحبه الحق فى اصدار الأوامر ، حتى الشعب لا يملك هذا الحق المطلق غير المقيد ، وإنما يمارس الشعب سلطاته بموجب أحكام الدستور وكل دستور ديموقراطى معاصر مقيد بحقوق وحريات عأمة لا يجوز مسها وشرائع وعقائد يجب مراعاتها 0
ويترتب على ذلك ان وضع هذا المبدأ موضع التطبيق يتطلب ضرورة انتخاب المسئولين عن السلطة التنفيذية المناط بهم دستوريا السيطرة على قرارات الحكومة وسياساتها، كما يتطلب ضرورة انتخاب المسئولين عن السلطة التشريعية ( البرلمان ) ، المناط بهم مهمة التشريع فى ظل قيود الدستور ، بمعنى ألا تخالف التشريعات التى يضعونها أحكام الدستور ، والقيام بمساءلة السلطة التنفيذية عن أداء مهامها وفقا لاختصاصاتها الدستورية 0

2 - سيطرة أحكام القانون :
ويذكر د0 عبد الحميد متولى فى كتابه القانون الدستورى والأنظمة السياسية ان تطبيق هذا المبدأ على ارض الواقع هو ما تتميز به الحكومة الدستورية الديموقراطية ويشير الى أن لهذا المبدأ ثلاثة مدلولات هى :
أ - أن أية سلطة أو هيئة لا تستطيع ان تصدر قرارا فرديا الا فى الحدود التى بيّنها الدستور 0
ب - أن كل قرار عام يجب ان يكون موضع احترام من السلطة التى اصدرته 0
جـ- ان القيود التى تفرضها الدولة على حريات الأفراد ونشاطهم لا يمكن تقريرها إلا بواسطة قانون يوافق عليه ممثلو الأمة فى البرلمان 0
ويتطلب وضع مبدأ سيطرة أحكام القانون موضع التطبيق وجود ضمانات احترامه ، وتتمثل هذه الضمانات فى وجود جزاء على مخالفة أحكام هذا المبدأ وأفضل اداة لتحقيق ذلك هى وجود هيئة قضائية تتوافر فيها ضمانات الاستقلال والنزاهة والكفاية وتكون مهمتها الغاء القرارات الادارية المخالفة للقانون 0
وأبرز مظاهر مبدأ سيطرة أحكام القانون مبدأ علو الدستور ، بمعنى انه لا يوجد اى نص أو قاعدة أأعلى منه أو تساويه فى المرتبة ، ومن ثم لا يجوز مخالفة أحكامه ويترتب على هذا المبدأ الذى هو أساس الديموقراطية الدستورية ، نتيجتين هامتين :
أ - تدعيم مبدأ المشروعية القانونية ، من خلال ايجاد مرجعية دستورية تنبثق عنها القوانين وتقيد سلطة المشرع فى اصدار ال

المزيد


البرلمان د/ علي الصاوي

سبتمبر 11th, 2009 كتبها بدرالدين القمودي نشر في , فكر سياسي وتربوي, مفاهيم ومصطلحات


الفصل الثالث

هـــيـــكل الـبـرلــمـــان


 

يعمل البرلمان وفق مجموعة من القواعد، بعضها قانونى، والآخر يتمثل فى الثقافة السياسية السائدة.
فمن ناحية أولى، يحدد الدستور صلاحيات البرلمان واختصاصاته بوجه عام، مثل التأكيد على سلطته التشريعية وأنه الجهة التى تضع القوانين فى الدولة وتراقب أعمال الحكومة. ثم يوجد قانون يفسر تلك الاختصاصات بالتفصيل ويحدد مراحل عملية التشريع ذاتها أو مجالات رقابة البرلمان على أعمال الحكومة. تكون هناك لائحة داخلية لتنظيم عمل البرلمان، حيث تتضمن مجموعة من القواعد التى تنظم قيام الأعضاء بممارسة مهامهم البرلمانية، الرقابية والتشريعية، وكذلك التى تتعلق بهيكل عمل المجلس، وأجهزته الرئيسية، وتحديد حقوق وواجبات الأعضاء.
أما الثقافة السائدة فهى التى تؤثر فى مدى التزام الأعضاء بتلك المهام التشريعية والرقابية، ونوعية العلاقة بينهم وبين الحكومة، ودرجة احترامهم لواجباتهم البرلمانية.
وكلٌ من القواعد القانونية والثقافة السائدة يكمل بعضه البعض، ويحددان معا قوة البرلمان ونظرة المجتمع إليه.
ومن الناحية المؤسسية، فقد يتكون البرلمان من مجلس واحد أو من مجلسين، وذلك وفقا لعدد من العوامل التى يعرفها تاريخ الحياة البرلمانية، بعضها سياسى، مثل طبيعة نظام الحكم فى الدولة، والعملية التشريعية، والعلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية، والآخر اجتماعى، مثل حجم السكان، ودرجة التلاصق الإقليمى، ومدى التفاوت الاقتصادى والاجتماعى والثقافى بين أقاليم الدولة.
ولا توجد قاعدة محددة اليوم فى الأخذ بهذا الأسلوب أو ذاك، سوى إرادة المجتمع، وما يقرره إطاره الدستورى والقانونى من قواعد لعملية التشريع.
فمن الملاحظ أن كلا من الأسلوبين يوجد فى دول العالم المعاصر على اختلافها، سواء كانت ملكية أو جمهورية ، وسواء كانت مركبة أو بسيطة، متقدمة أم نامية، كبيرة أو صغيرة المساحة والسكان، وسواء كان نظام الحكومة رئاسيا أو برلمانيا.
فعلى سبيل المثال، يوجد البرلمان ذو المجلسين فى دول ملكية (بريطانيا) وجمهورية (إيطاليا)، كما يوجد فى دول اتحادية مركبة (كالولايات المتحدة وألمانيا) وأخرى بسيطة موحدة (فرنسا)، وكذلك الحال بالنسبة لنظام البرلمان ذى المجلس الواحد.
إلا أن نظام المجلس الواحد قد انتشر فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وذلك فى دول مثل فنلندا، ودول البلطيق (لتوانيا، واستونيا، ولاتفيا)، ويوغسلافيا، واليونان، وكوستاريكا، والسلفادور، وبنما، وغيرها.. كما طبقته عدة دول حديثة النشأة بعد الحرب العالمية الثانية مثل غانا، وتنزانيا، والنيجر، ونيوزيلندة .
ولقد تعرّض هذا النظام الى انتقادات شديدة أهمها احتمال التسرع فى إصدار القوانين وكذلك التصادم المتكرر مع السلطة التنفيذية، فضلا عن غياب تمثيل متوازن لبعض الفئات والقطاعات الاجتماعية فى البرلمان، لاسيما تلك التى ترفض الدخول فى معترك الانتخابات وما يرتبط بها من مساوئ لأساليب الدعاية الانتخابية التى تؤثر على اتجاهات الناخبين بشكل قد لا يكون فى صالح وصول العناصر الأكفأ الى البرلمان، الأمر الذى دفع معظم دول العالم المعاصر الى الأخذ بنظام المجلسين.
وقد نبتت فكرة المجلسين فى انجلترا وسط ملابسات تاريخية طريفة، حيث شهد البرلمان فى مراحله الأولى انقساما بين ممثلى العامة وخصوصا المناطق الريفية وممثلى الطبقة الغنية والصناعية الجديدة من المدن، وتكررت المناوشات بين الفريقين مما أدى الى ارتباك العمل البرلمانى كثيرا، فاتجه ممثلو عامة الشعب الى الاجتماع فى قاعة مستقلة، أصبحت بداية لانفصال المجلسين فيما بعد.
وفى أغلب البرلمانات التى تضم مجلسين، عادةً ما يتشكل المجلس الأول بالانتخاب المباشر، ولهذا يكون أكثر تعبيرا عن الطابع الجماهيرى، ولهذا يسمى المجلس الأدنى، نسبة الى قربه من الجماهير، أما المجلس الآخر فربما يتشكل بالتعيين، كله أو بعضه، ولهذا يسمى المجلس الأعلى، نسبة الى علاقته بالسلطة العليا فى الدولة.
وهناك عدة عوامل تفسر انتشار نظام المجلسين فى العالم المعاصر، أهمها:
1- الحاجة الى ضمان قدر أكبر من التروى والمراجعة فى قرارات المجلس النيابى المنتخب مباشرة من بين كافة الفئات الجماهيرية، والذى قد تنتشر به عناصر محدودة الثقافة والخبرة الفنية، أو ربما يغلب عليها الانفعال العاطفى فى أمور التشريع، ومن هنا تأتى أهمية وجود مجلس ثان مواز للمجلس النيابى، يضم عناصر فنية ومتخصصة ويوازن المجلس النيابى الأدنى، بما يوفر قدرا أكبر من الجماهيرية والعقلانية معا فى تكوين البرلمان.
2- احتمال التفاوت وعدم التجانس بين الفئات الاجتماعية، العرقية أو الثقافية أو المهنية..، الأمر الذى يستدعى تمثيل تلك الفئات بدرجة مناسبة فى مجلس ثان، بالإضاف

المزيد


التالي