الفصل الثالث
مصر والمنظمات الإقليمية
أولاـ جامعة الدول العربية
تأسست الجامعة فى ظروف فرضت عليها أن تحمل فى جنباتها مؤثرات ثلاثة هى: الفكر القومى ، وواقع الدولة الوطنية ذات السيادة، والمؤثرات الدولية، وهو ما انعكس على أداء الجامعة على مدى أكثر من نصف قرن.
1 ـ نشأة الجامعة وأهدافها:
بعد صدور إعلان الحكومة البريطانية في 24 فبراير1943 بأنها تنظر بعين العطف إلى كل حركة تنشأ بين العرب بغرض دعم وحدتهم السياسية والاقتصادية والثقافية برزت بعض المحاولات الساعية لعقد مؤتمر عربي تحضره الدول العربية للتشاور في موضوع إقامة نوع من الاتحاد أو الجامعة فيما بينها. وبالفعل قامت الحكومة المصرية بالدعوة إلى عقد لجنة تحضيرية للمؤتمر العربي العام واجتمعت هذه اللجنة بالإسكندرية فى الفترة من 20 سبتمبر إلى 7 أكتوبر عام 1944 واشتركت في هذه اللجنة ست دول مستقلة فى ذلك الوقت هي مصر وسوريا ولبنان والعراق وشرق الأردن والمملكة العربية السعودية وأرسلت اليمن مندوبا عنها للاستماع فقط ، وكان من ثمار هذه اللجنة أنها وضعت المبادئ العامة التي تقوم عليها الجامعة المراد إنشاؤها.
وفى 22 مارس 1945 انعقد المؤتمر العربي العام في حضور كل من سوريا ولبنان وشرق الأردن والعراق والسعودية ومصر واليمن حيث تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية. ومن الملاحظ ان متطلبات الواقع العربى قد أبرزت العديد من الاحتياجات التى لم يتضمنها ميثاق الجامعة او تلك التى اكتفى بالإشارة اليها . ولذا فقد استدعت الحاجة ضرورة توقيع العديد من الاتفاقيات بين الدول العربية وخاصة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادى والاجتماعى والعسكرى. ومن ابرز وأهم هذه الاتفاقيات معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى التى تم إقرارها عام 1951 ، وإن كان من الملاحظ ان معظم الاتفاقيات لم تدخل طور التنفيذ الحقيقى.
وقامت الجامعة على اساس العمل على تحقيق عدة أهداف أساسية هي:
أ ـ المحافظة على استقلال الدول الأعضاء :
يمثل هذا الهدف أحد أبرز الأهداف التي لقيت قبولا لدى الدول الموقعة على الميثاق، حيث أنه لا يتضمن فقط التأكيد على عدم المساس باستقلال الدول من جانب الدول الأعضاء، بل إنه يستدعى أيضا الالتزام بالمحافظة على هذا الاستقلال. وقد برز هذا المبدأ فى عدة مواضع منها: ديباجة الميثاق التي قررت أن الميثاق يهدف إلى عدة أمور منها احترام استقلال كل الدول ونص المادة 2 التي تقرر أن الغرض من الجامعة تحقيق عدة اهداف منها صيانة استقلال الدول وسيادتها.
ب ـ حفظ السلم والأمن :
تضمنت المادتان الخامسة والسادسة من الميثاق النص على هذا المبدأ.فقد اقررت المادة 5 عدم جواز اللجوء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، وفى حالة ما إذا نشب بين دول الجامعة أو بعضها خلاف لا يتعلق بالاستقلال أو بالسيادة ولجأ المتنازعون إلى مجلس الجامعة لفض النزاع فإن قرار مجلس الجامعة في هذه الحالة يكون نافذا أي ملزما لهذه الدولة ، ولا يجوز اشتراك الدول المتنازعة في مداولات المجلس وقراراته بخصوص هذا النزاع ، وإذا كان هناك خلاف بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة فإنه يحق للمجلس أن يتوسط لحل هذا الخلاف متبعا في ذلك الطرق الدبلوماسية الخاصة بالتوفيق. ومن المعروف ان قرارات المجلس بالنسبة للتوسط وبالنسبة للتحكيم تصدر بأغلبية الآراء .
ج ـ التعاون السياسي :
تنص المادة 2 من الميثاق فى فقرتها الأولى على اهمية هذا الهدف، حيث تقرر أن الغرض من قيام الجامعة هو توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها وتنسيق خططها السياسية تحقيقا للتعاون فيما بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها. والواقع أن جوهر نشاط الجامعة يقوم على تحقيق التعاون السياسي بين دولها.
د ـ التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي :
تشير الفقرة الثانية من المادة 25 الى ان من أغراضها تعاون الدول المشتركة فيها تعاونا وثيقا بحسب نظم كل دولة منها وأحوالها في الشئون الاقتصادية والمالية، وشئون المواصلات والبرق والبريد، وشئون الثقافة، وشئون الجنسية والجوازات والتأشيرات، والشئون الاجتماعية والشئون الصحية.
هـ ـ النظر في مصالح الوطن العربي :
يمثل هذا الهدف العام محاولة من جانب الدول المؤسسة لتوفير مناخ يدعو للاطمئنان للدول الأعضاء ، من خلال التأكيد على مراعاة مصالح الدول الأعضاء جميعا ومراعاة التباينات القائمة. فقد تضمنت المادة 2 هذا الهدف بالنص على إن الغرض من الجامعة العربية توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ولصالحها.
وبالنظر للأهداف السابقة، تكون جامعة الدول العربية منظمة إقليمية ذات طابع قومى ، خاصة وأن العروبة شرط للعضوية بها، ولكنها ليست فوق الدول لأن ميثاقها أكد على السيادة الوطنية.
2ـ مبادئ جامعة الدول العربية :
يتضمن ميثاق الجامعة خمسة مبادئ أساسية تقوم عليها يمكن إيجازها على النحو التالي:
أ ـ عدم التدخل في الشئون الداخلية:
جوهر هذا المبدأ يستند الى انه لا يجوز لدولة من دول الجامعة أن تتدخل لتغيير نظام الحكم القائم فى إحدى الدول الأعضاء، وأن التعهد بالاحترام يقتضى تحريم إتيان أى فعل من شأنه الإخلال بهذا الاحترام حتى ولو لم يصل اثر الفعل إلى التأثير فى نظام الحكم . كذلك يستوى أن يكون الفعل مباشر أو غير مباشر طالما كان من شأنه الإخلال بهذا التعهد، وهو ماتوضحه المادة رقم 8 من الميثاق.
ب ـ سيادة الدول الأعضاء:
ينطلق هذا المبدأ من كون الجامعة العربية منظمة تقوم على أساس التعاون الاختياري بين الدول الأعضاء، وبالتالى فإنه لا يجوز المساس بسيادة الدول بأي شكل من الأشكال. ولذا أقر ميثاق الجامعة فى مادته 7 عدم جواز إلزام دولة بقرار أو قرارات لم توافق عليها.
ج ـ المساواة بين الدول الأعضاء:
يستند هذا المبدأ الى النصوص المختلفة التي تضمنها الميثاق، ويستند الى ديباجة الميثاق.
د ـ حل المنازعات بالطرق السلمية:
يمثل هذا المبدأ أحد المبادئ العامة التي تتضمنها مواثيق المنظمات الدولية والإقليمية حيث يتعين عدم اللجوء للقوة فى حل المنازعات التي تثور بين الأعضاء. والجدير بالذكر ان ميثاق الجامعة نص على إن إجراءات حل الصراعات هى الوساطة والتحكيم فقط، وان كان من الملاحظ انه لا يوجد أي إلزام بعرض النزاعات العربية على الجامعة أولا، رغم أهميته بالنسبة لأى منظمة حيث يعطيها أولوية التعامل مع النزاعات الإقليمية بين أعضائها.
3ـ أحكام العضوية:
تشمل أحكام العضوية بجامعة الدول العربية والضوابط الخاصة باكتساب العضوية وتلك الخاصة بفقدها كما تشمل الإجراءات التي يتعين اتباعها لتقرير الانضمام للجامعة.
فتقتصر العضوية على الدول العربية المستقلة التي وقعت على الميثاق (22 دولة)، وهي: مصر والمملكة المغربية والسعودية واليمن والجزائر والمغرب والأردن وسوريا ولبنان والعراق وعمان وقطر والكويت وليبيا والسودان وتونس والبحرين والإمارات وموريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر وفلسطين التي تقرر قبولها كعضو كامل العضوية.
ولكل دولة عربية مستقلة الحق في أن تنضم إلى الجامعة وتأسيسا على ذلك تكون عضوية الجامعة خاضعة لثلاثة شروط هي:
أ - أن يكون طالب العضوية دولة عربية.
ب - أن يكون طالب العضوية دولة مستقلة.
جـ - أن يوافق مجلس الجامعة على قبول الانضمام.
ويقتضى الانضمام الى الجامعة تقديم طلب إلى الأمين العام على ان يكون متضمنا الموافقة على ميثاق الجامعة دون قيد او شرط.
ولقبول طلب الانضمام يتعين الحصول على الإجماع إعمالا للقاعدة الخاصة بأحكام القبول بالجامعة.
ويلاحظ فى هذا السياق ان الميثاق لم يتضمن نصا صريحا لأسباب رفض طلب العضوية، بحيث يكون للدولة الطالبة للعضوية الحق فى تقديم طلب جديد عند زوال السبب.
أما بالنسبة لمسألة فقد العضوية فهى ترتبط بانتفاء شرط من الشروط الواجب توافرها للتمتع بالعضوية من جانب، والانسحاب بسبب تعديل الميثاق من جانب ثان، ورغبة الدولة العضو فى الانسحاب من جانب ثالث، والفصل من العضوية من جانب رابع.
4 ـ الهيكل التنظيمي للجامعة:
تتكون الجامعة من عدة أجهزة هى:
أ ـ مجلس الجامعة:
يتكون من مندوبين عن جميع الدول المشتركة في الجامعة، ويجوز ان يتعدد مندوبو الدولة الواحدة، لكن لا يكون لهم في هذه الحالة إلا صوت واحد. ويضاف إلى ذلك ممثل لفلسطين طبقا للملحق الأول للميثاق. وهو ما توضحه المادة 3/1 التي تقرر يكون للجامعة مجلس يتألف من مختلف الدول المشتركة في الجامعة ويكون لكل منها صوت واحد مهما كثر عدد ممثليها.
ومن الملاحظ ان الميثاق لم ينص على مستوى الممثلين للدول وإن كانت العادة قد جرت على أن يمثل الدول في هذه الاجتماعات وزراء الخارجية ،إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن يقوم بهذا التمثيل من هم دون ذلك من سفراء أو من يتولون مناصب رئاسية مثل رؤساء الحكومات. وينعقد المجلس في دورتين عاديتين في شهرى مارس وأكتوبر من كل عام، على أن يقوم الأمين العام بتحديد اليوم الذي تبدأ فيه الدورة العادية إعمالا لنص المادة رقم 5 من النظام الداخلي للمجلس. ومع ذلك يجوز دعوة المجلس للانعقاد في دورات غير عادية بشرط أن تكون هناك حاجة ملحة إلى ذلك، أو أن يتم بناء على طلب دولتين أو أكثر من دول الجامعة، ويكون انعقاد الاجتماعات بمقر الجامعة بالقاهرة. ويمارس مجلس الجامعة اختصاصات عديدة تشمل جميع الشئون التي نشأت الجامعة من اجلها.
اما من ناحية التصويت فإن القاعدة العامة بالنسبة للتصويت هي أن القرار الذى يصدر عن المجلس لا يكون ملزما إلا للدول التي وافقت عليه. وقد تضمنت هذه القاعدة العامة المادة 7 من الميثاق. والإجماع المقصود في المادة هو إجماع الأعضاء وليس فقط المشتركين في التصويت، ومع ذلك يتعين مراعاة أن الميثاق اكتفى بقاعدة الأغلبية في حالات أخرى مثل تعديل الميثاق وتعيين الأمين العام للجامعة ( يتطلب أغلبية الثلثين) أما القرارات الخاصة بالمسائل الإجرائية مثل تعيين الموظفين فيكتفى بالأغلبية العادية لصحة القرارات.
وبعد 55 عاما من نشأة الجامعة تمت اضافة ملحق الى ميثاقها فى قمة القاهرة غير العادية فى أكتوبر 2000 ينص على انعقاد مجلس الجامعة بشكل سنوى من رؤساء الدول فى مارس من كل عام. ويعد هذا التطور اول تقنين للانعقاد الدورى للقمة العربية التى كانت تعقد خارج إطار الجامعة بناء على دعوة من إحدى الدول.
ب ـ الأمانة العامة:
تعنى بالمسائل الادارية الخاصة بالجامعة ويرأسها موظف دولي هو الأمين العام للجامعة ويعاونه في القيام بالمهام الموكلة اليه مجموعة من الموظفين. والجدير بالذكر ان المادة 12 من الميثاق قد أعطت الأمين العام للجامعة مكانة بارزة.
فهو أكبر موظف دولي بالجامعة ولا يمثل دولة من الدول الأعضاء ولا يتلقى تعليمات من أية دولة، فهو يمثل الجامعة التي يعمل لحسابها ويتصرف بإسمها وهذا ما أكدته المادة 3/2 من لائحة شئون موظفى الجامعة.
ويتم تعيين الأمين العام بقرار يصدره مجلس الجامعة بأغلبية ثلثى أعضاء الجامعة. ويتعين توافر عدة شروط في الأمين العام أهمها أن يكون شخصية عربية بارزة ذات كفاءة وثقافة ومعرفة بشؤون البلاد العربية ومدافع عن قضاياها وأن يكون قد سبق شغله لمناصب عالية بدولته كما يشترط فيه الحياد في القول والفعل.
وللأمين العام عدة اختصاصات أولها الاختصاصات الإدارية فهو يتولى تعيين الموظفين والإشراف عليهم ومحاسبتهم، ويسأل الأمين العام أمام مجلس الجامعة عن كل ما يتعلق بالأمانة العامة سواء كان خاصا بأعمالها أو بموظفيها. كذلك فله اختصاصات مالية تشمل إعداد الميزانية العامة وتقديمها إلى مجلس الجامعة، كما يقوم بتقديم تقرير للمجلس عن السنة المالية الماضية يعرف بإسم الحساب الختامي. أما الاختصاصات السياسية فتتمثل في أن الأمين العام يقوم ببعض الاختصاصات التنظيمية فهو الذي يدعو مجلس الجامعة للانعقاد ويقوم بإعداد جدول الأعمال ويدعو المجلس الاقتصادي للاجتماع.
كذلك هو ممثل الجامعة ومن ثم يتكلم بإسمها سواء أمام الدول الأعضاء أو الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية، وهو في هذا يعبر عن رأى الجامعة وسياستها.
وتضم الأمانة العامة عدة إدارات تكاد تغطى الاختصاصات المختلفة وهي إدارة الأمانة العامة أو إدارة السكرتارية والإدارة السياسية وإدارة الشؤون الاقتصادية والمواصلات والإدارة المالية وشؤون المستخدمين وإدارة الشؤون الاجتماعية والصحية والإدارة القانونية وإدارة الاستعلامات والنشر وإدارة الشؤون الثقافية وإدارة شؤون فلسطين، كما توجد عدة مكاتب مثل مكتب مقاطعة إسرائيل ومكتب مكافحة المخدرات ومعهد البحوث والدراسات العربية العليا .
ج ـ اللجان الدائمة:
يهدف عمل اللجان الفنية الدائمة الى تحقيق ترابط المصالح المختلفة للدول العربية بحيث تصبح متجانسة ومتناسقة ومتكاملة، وذلك من خلال وضع قواعد التعاون ومداه ، وصياغتها فى شكل مشروعات اتفاقات تعرض على المجلس للنظر فيها تمهيدا لعرضها على الدول الأعضاء .
وهذه اللجان هى: اللجنة السياسية، واللجنة الثقافية التي بدأت عملها منذ 10 أكتوبر 1945 للتنسيق بين الأمانة العامة والأجهزة الثقافية في الدول العربية، ولجنة المواصلات التي تهتم بكل شؤون المواصلات البحرية والبرية والجوية والأرصاد، واللجنة الاجتماعية التي بدأت منذ 1946 وتعقد دورتين كل عام وتهتم بكل ما يتصل بالشؤون الاجتماعية مثل رعاية الأسرة والطفولة، واللجنة الاقتصادية التي بدأت عام 1945 ولكن نشاطها جمد منذ عام 1953 حيث حل محلها المجلس الاقتصادي، واللجنة القانونية التي نشأت عام 1947 باسم لجنة الجنسية والجوازات، وتهتم بالإضافة إلى ذلك، بمسائل التأشيرات وتنفيذ الأحكام وتسليم المجرمين، واللجنة العسكرية التي نشأت وفقا لمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950، واللجنة الصحية، ولجنة الإعلام العربي، ولجنة خبراء البترول العرب، واللجنة العربية لحقوق الإنسان، وأخيرا لجنة الشؤون الإدارية والمالية التي نشأت بقرار مجلس الجامعة في 25 مارس 1971. وتتكون هذه اللجان من ممثلين عن الدول الأعضاء.
5 - مصر وجامعة الدول العربية:
بدأ دور مصر البارز فى الجامعة منذ إنشائها ، إذ كان على مصر أن تصوغ مشروع البيان من جملة الصيغ المتعددة التى طرحت. وبطبيعة الحال لم يكون تحرك مصر نحو بناء تجمع إقليمي عربى وليد الصدفة او اللحظة التاريخية التى شهدت ميلاد الجامعة العربية. فقد عاشت مصر عبر تاريخها الطويل واعية لعروبتها التي تأصلت بها منذ الفتح الإسلامي لديارها وغدت وجهها المشرق على امتداد 14 قرنا منذ ذلك الفتح الإسلامي حتى اليوم.
وهذا ما عبرت عنه كلمة الحكومة أمام مجلس الشيوخ المصري في 30 مارس سنة 1943 بتأكيدها على رؤيتها العربية واستقلال تحركها عن الدفع البريطانى لايجاد تجمع عربى. فقد ورد فيها أن اندفاع مصر نحو حركة الاتحاد العربي ليس مرتبط أو مترتبا على تصريح لأنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا أمام مجلس العموم البريطاني في 26 مايو سنة 1941 والذي أيده في بيان آخر في 24 فبراير 1943 تضمن أن بريطانيا تعمل على تقوية الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية.
ولقد كان من الطبيعي أن تقوم مصر بدور رئيسي للعمل على تحقيق الربط العضوى العربى، ليس فقط بحكم مايتوافر لها من امكانيات وثقل سياسى على المستويين العربى والدولى ، ولكن ايضا لتوافر عدد من العوامل الموضوعية التى كانت وراء ترجيح الدور المصرى وقبوله من جانب كافة الاطراف العربية والدولية ، نذكر منها:
ـ الموقف المصرى المتميز من قضية فلسطين والدور الخاص الذى لعبه رئيس الوزراء فى ذلك الوقت مصطفى النحاس ، بالاضافة لتنامى الفكر العروبى فى مصر ودفعه للمكانة المصرية العربية عاليا.
ـ استناد منهاج التحرك المصرى على تجميع الكيانات العربية على قاعدة الرضاء والتنازلات المتبادلة وليس على قاعدة فرض المواقف. ولذا لجأت الدبلوماسية المصرية الى عدد من الآليات المرنة لتجميع الأفكار والمشروعات العربية المختلفة الخاصة بالوحدة والتعاون الاقليمى. فقد استند التحرك المصرى الى منهاج توسيع نطاق التشاور، وتبادل الأفكار بحرية، وعدم الانحياز لطرف على حساب طرف آخر. ثم محاولة التوفيق بين كافة الأفكار والمشروعات السياسية التى طرحت. وأخيرا الخروج بصيغ توفيقية تحظى بالموافقة.
ـ تحسن العلاقات المصرية السعودية ، وقيام مصر بدور موازن بين الكيانات العربية ، فى الوقت الذى كانت هناك منافسات حادة بين الهاشميين والسعوديين.
ـ توافق المصالح بين المنطقة العربية عموما وبريطانيا حول تدعيم أسس التعاون الاقليمى فى المنطقة العربية تحسبا لمستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب.
ـ شيوع الافكار الدولية الداعمة لبناء تنظيمات اقليمية فى مناطق العالم المختلفة كسبيل لتقليل فرص قيام حروب عالمية اخرى .
وقد انطلقت الدبلوماسية المصرية في الفترة من 20/9/1944 الى 7/10/1944 بدعوة ممثلي ست دول عربية مستقلة هي سوريا والعراق والسعودية ولبنان وشرق الأردن واليمن لحضور اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، والذي تمخض عن توقيع هذه الدول على بروتوكول الإسكندرية فى 7 اكتوبر 1944 والذي كان بمثابة تصريح عن المبادئ التي تقوم عليها جامعة الدول العربية والخطوط العامة لنظام التعاون بين الدول الأعضاء في الحاضر والمستقبل.
وفي 4 فبراير سنة 1945 انعقدت في القاهرة لجنة سياسية فرعية من ممثلي الدول العربية سالفة الذكر لوضع نظام لجامعة الدول العربية على وجه يتفق مع روح ونص بروتوكول الإسكندرية. وقد انعقد المؤتمر العام في الفترة من 17 و22 مارس 1945 وتم التوقيع على ميثاق الجامعة والذي دخل حيز التنفيذ في 10/5/1945.
وهكذا خطت مصر والدول العربية الأخرى ـ رغم ما بينها من تباينات وخلافات ـ خطوة كبيرة على طريق الترابط المؤسسى، على الرغم من أهمية التباينات التى أظهرتها مباحثات تشكيل الجامعة العربية بين الدول العربية والصيغة التى انتهت اليها، والتى أسهمت فى تدعيم الدولة الوطنية على حساب المشروعات الوحدوية. ولكن كان لتردى الأوضاع فى فلسطين وفشل المحاولات العربية لإيقاف المد الصهيونى واليهودى بها، اثره الواضح فى تحويل القضية الفلسطينية وخاصة بعد حرب 1948 لتصبح قضية محورية لمصر.
ومع قيام ثورة يوليو 1952 دخل متغير جديد فى علاقات مصر بالبيئتين العربية والدولية معا، تمحور بالأساس حول قضية استقلال الإرادة الوطنية. ولذا فقد أعطت القيادة المصرية الجديدة أهمية كبرى لقضية تصفية الاستعمار الاوروبى التقليدى وبصفة خاصة فى الإطارين العربى والأفريقى.
ولذا برزت عدة توجهات نحو تفعيل العمل المشترك العربى في إطار جامعة الدول العربية كان في مقدمتها الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. كما كانت مصر من أوائل الدول التي وقعت على قرار مجلس الوحدة الاقتصادية التابع للجامعة بشأن اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957، وعلى قرار مجلس الوحدة الاقتصادية بإنشاء السوق العربية المشتركة. كذلك تعاظم دور مصر في إثراء نشاط جامعة الدول العربية وتدعيم دورها بدعوتها إلى عقد مؤتمر قمة عربي طارئ فى يناير 1964 ردا على محاولة إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن، وقد اتخذت عدة قرارات في هذا المؤتمر أهمها إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل القيادة العربية الموحدة .
ومع قيام الرئيس السادات بزيارة اسرائيل عام 1977 وتوقيع مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، اتخذت الدول العربية في مؤتمر القمة العربي ببغداد في نوفمبر 1978 قرارا بتجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقر الجامعة الى تونس بالرغم من ان الحكومة المصرية كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن الوحدة والتضامن العربي ركن أساسي في السياسة الخارجية المصرية، وهو ما أكده وزير الخارجية المصري مستندا فى ذلك الى أحكام المادة السادسة من المعاهدة المصرية الإسرائيلية والتى توضح أن الالتزامات العربية المتعلقة بمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون بين الدول العربية تكون لها الأولوية على الالتزامات المترتبة على المعاهدة المصرية الإسرائيلية، وذلك استنادا لإحكام ميثاق الأمم المتحدة.
وانطلاقا من هذا الموقف فقد حرصت الحكومة المصرية في بيانها بتاريخ 3 أبريل 1979 على إعلان عدم اعتدادها بالقرارات التي صدرت في مؤتمرى بغداد في نوفمبر 1978 ومارس سنة 1979 وتمسكها بالمحافظة على جامعة الدول العربية في مقرها الشرعي بالقاهرة.
واستمرارا للنهج المصرى الرافض لقطع أواصر الصلة مع العالم العربى ، فإنه على الرغم من المقاطعة العربية لمصر، فقد ظلت مصر محافظة على مسئوليتها العربية والقومية وخاصة مع تولى الرئيس مبارك للحكم. فقد شكلت التطورات التى شهدتها القضية الفلسطينية سواء فيما يتعلق بالممارسات اليهودية داخل الأراضى المحتلة او فيما يتعلق بغزو لبنان وخروج القيادة الفلسطينية منها( حيث أمنت مصر هذا الخروج ) من جانب، وقيام الحرب العراقية الايرانية ومساندة مصر للعراق حتى انتهت الحرب من جانب ثان، مدخلا لإعلاء السمات القومية للسياسة الخارجية المصرية من ناحية، وسبيلا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع غالبية الأطراف العربية وفقا لمقرارات قمة الاردن 1987 من ناحية أخرى. فتشير جملة التفاعلات المصرية العربية التى تمت خلال فترة المقاطعة وخاصة فى الفترة ما بين 1983ـ 1987 الى ان غياب الشق الدبلوماسى لم يمنع وجود تفاعلات حقيقية ونشطة بين مصر والعديد من الدول العربية.
ومنذ صدور قرار عودة مقر الجامعة الى القاهرة فى 21/5/1989، ومصر تحرص على إيجاد وسيلة منتظمة لعقد مؤتمرات القمة العربية، باعتبارها اعلى مستوى لاجتماعات الجامعة، وهو ماتحقق بالفعل فى قمة القاهرة 2000 باتفاق مصر وباقى الدول العربية الاعضاء فى الجامعة على دورية انعقاد القمة بحيث تكوين سنوية ـ كماسبقت الاشارة ـ وقد انعقدت بالفعل القمة الدورية الاولى فى الاردن فى مارس 2001. ومن جملة القرارات التى اتخذتها هذه القمة قرار تعيين السيد عمر موسى ( وزير الخارجية المصرى) أمين عام للجامعة العربية اعتبارا من مايو 2001، وذلك خلفا للسيد عصمت عبد المجيد التى تولى منصبه منذ عام 1990. ومن المعروف أن عبد الرحمن عزام بك كان اول أمينا عاما للجامعة وقد استمر فى منصبه منذ عام 1945 وحتى تولى السيد عبد الخالق حسونة منصبة كأمين عام فى عام 1952. وقد خلف السيد حسونة السيد محمود رياض الذى تولى منصب امين الجامعة منذ عام 1971 وحتى تم نقل مقر الجامعة الى تونس وتعيين السيد الشاذلى القليبى فى عام 1979 الذى استمر فى منصبه حتى عودة مقر الجامعة للقاهرة عام 1990 وتعيين السيد عصمت عبد المجيد.
والحقيقة أن تعطل دورية إنعقاد القمة العربية لم يقف عائقا امام حرص مصر على تبنى هذه الوسيلة وخاصة فى مواجهة التحديات الكبرى مثل الدعوة الى عقد مؤتمر قمة عربي طارئ بالقاهرة في أغسطس 1990 لمناقشة غزو العراق للكويت، والدعوة لقمة القاهرة في يونيو 1996 لمناقشة عملية السلام ومطالبة إسرائيل بمواصلتها. كما استضافت مصر في أكتوبر 2000 مؤتمر قمة عربي طارئ آخر لبحث القضية الفلسطينية ردا على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين والمواجهات الدموية بين الجانبين بعد فشل قمة كامب ديفيد في سبتمبر 2000.
وهكذا يتضح الحرص المصرى على العمل العربى من خلال قنوات ومؤسسات جامعة الدول العربية مع تنوع هذا العمل بحيث يصب فى جوانب التعاون المختلفة وخاصة الاقتصادية. فقد كانت مصر فى مقدمة الدول الداعية لاقامة تجمع اقتصادى عربى موحد، وفى مقدمة الدول التى وقعت عام 1998على الاتفاقية الخاصة بإقامة منطقة تجارة حرة فيما بين الدول العربية جميعا.
ثانيا - منظمة الوحدة الافريقية
فى الخامس والعشرين من شهر مايو عام 1963 ، وقعت اثنتان وثلاثون دولة على ميثاق منظمة الوحدة الافريقية. وكان لهذا التاريخ موقعه فى وجدان الدول الافريقية الموقعة على الميثاق ، فمن ناحية جسد هذا التاريخ شهادة ميلاد لأول منظمة اقليمية تضم كافة الدول الافريقية المستقلة، ومن ناحية ثانية بدت المنظمة كمحاولة جادة للتغلب عما فشلت فيه باقى التجمعات الافريقية القائمة فى ذلك الوقت بين دول القارة مثل مجموعة الدار البيضاء ومجموعة برازفيل ومجموعة مونروفيا وخاصة فيما يتعلق بالخلاف على الحدود القائمة بين هذه الدول. فمن المعروف أن سياسات الاستعمار الخاطئة فى رسم الحدود وعدم مراعاته للفروق الاثنية والعرقية للشعوب الأفريقية، أدى إلى نشوب العديد من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة.
لذا فقد اعتبرت منظمة الوحدة الأفريقية منبرا افريقيا لتسوية الخلافات بالطرق السلمية بين دول القارة من ناحية، وقناة اتصال لتدعيم الحوار والتعاون بين دول نامية حصل معظمها حديثا على الاستقلال من ناحية ثانية. بالإضافة لتواكبها كتكتل افريقى مع التطورات الدولية فى تلك الفترة. وفى هذا الاطار، تبنت منظمة الوحدة الأفريقية بعض الشروط الإجرائية البسيطة لاكتساب العضوية فيها، الأمر الذى أدى لاتساع عضويتها ليشمل كافة دول القارة الـ 53، وكان آخر المنضمين لعضويتها اريتريا بعد استقلالها عام 1993.
أما على صعيد التحرك المصرى ودوره فى المساهمة فى قيام منظمة الوحدة الافريقية، فمن الملاحظ انه اتسم بالديناميكية والرؤية القائمة على السعى نحو بناء شبكة علاقات دولية جديدة تعمل على تحقيق هدف التحرر الوطنى، وتجعل من مصر قاعدة انطلاق لحركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث. ولذا احتلت القارة الافريقية المجال الثانى ( بعد المجال العربى) فى ترتيب أولويات التحرك المصرى على المسرح الدولى، وحرصت مصر على التوافق مع حركة الوحدة الافريقية ( رغم تباين اتجاهاتها واختلاف أشكالها وغياب التوحد الايديولوجى)، والمشاركة الفاعلة فى بناء تجمع افريقى بدءا من مؤتمر أكرا عام 1958 والذى عقد بدعوة من الرئيس نكروما ، وضم ثماني دول افريقية هى : مصر، غانا، ليبيا، تونس، المغرب، السودان، اثيوبيا، ليبيريا. ويعد هذا المؤتمر اول مؤتمر يجمع رؤساء الدول الافريقية المستقلة ، وهو ما انعكس على مجمل قراراته وسيادة روح الفكر التحررى حيث أدان سياسية التفرقة العنصرية ، واعترف بحق الشعب الجزائرى فى الاستقلال و تقرير مصيره، وأكد على أهمية احترام السيادة السياسية والوحدة الإقليمية للدول الافريقية ، وضرورة تسوية المنازعات فى إطار افريقى بالوساطة والتوفيق.
1ـ قيام المنظمة:
عقد المؤتمر التأسيسى لمنظمة الوحدة الافريقية فى أديس ابابا عاصمة اثيوبيا فى الفترة مابين 15ـ 23 مايو 1963 بحضور وزراء خارجية ثلاثين دولة بهدف الإعداد لمشروع ميثاق للمنظمة الجديدة وترتيب مؤتمر قمة لرؤساء الدول في الفترة من 23ـ 28 مايو 1963 في أديس أبابا، وهو المؤتمر الذي أقر ميثاق اديس ابابا المنشئ للمنظمة. وقد حضر هذا المؤتمر رؤساء دول وحكومات 31 دولة افريقية، هي: الجزائر، وبوروندى، والكاميرون، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، والكونغو( برازافيل)، والكونغو (اليوبولدفيل)، وداهومي (ناميبيا)، واثيوبيا، والجابون، وغانا، وغينيا، وساحل العاج، وليبيريا، وليبيا، ومدغشقر، ومالى، وموريتانيا، والنيجير، ونيجيريا، ورواندا، والسنغال، وسيراليون، والصومال، والسودان، وتنجانيقا (تنزانيا)، وتوجو، وتونس، وأوغندا، والجمهورية العربية المتحدة، وفولتا العليا.
وقد أبرز مؤتمر القمة الأول أربعة اتجاهات متباينة حول مفهوم الوحدة والمنظمة، يمكن رصدها فى التالى:
ـ الاتجاه الأول يرى العمل على إقامة تنظيم أفريقى يصدر عنه ميثاق يرتبط بالمجموعات الافريقية القائمة او أن يماثل ميثاق حلف الأطلنطى. وقد بدأ هذا الاتجاه غير واقعى نظرا لتماثل توجهات دول الحلف فى وقت لا تتوافر هذه السمة لدى الدول الافريقية.
ـ الاتجاه الثانى دعا لإعلان مبادئ عامة تحظى بموافقة الجميع وأن تكون المنظمة الجديدة اقرب لنموذج منظمة الدول الأمريكية.
ـ الاتجاه الثالث حرص على تغليب الطابع الاقتصادى كإطار لعلاقات التعاون بين دول المنظمة وخاصة فى مجالات النقل والمواصلات والخبرة الفنية.
ـ الاتجاه الرابع والأخير كان الأكثر طموحا فى الدعوة لتحقيق وحدة فيدرالية، ولكنه لاقى مخاوف عديدة من غالبية الدول .
ومابين الاتجاهات السابقة ، انتهت اعمال المؤتمر بقيام منظمة الوحدة الافريقية بموجب الميثاق الذى وقعته الدول المؤسسة. وقد جاء الميثاق بمواده الـ 23 ولغاته الأربع الرسمية (اللغة العربية والأمهرية والانجليزية والفرنسية) معبرا عن صيغة وسيطة بين انصار الوحدة وبين الرافضين لها، ولذا فهو يستند الى مجموعة من الأحكام غير الملزمة او المقيدة للدول الاعضاء وينطلق من كون المنظمة أداة للتنسيق والتعاون بين الدول الافريقية. وبالتالى فهو يدعم فكرة التعاون الافريقى ولكنه لا يصل بها الى حد تطبيق فكرة الحكومة الافريقية.
وإلى جانب الدول المؤسسة أخذت باقى الدول الافريقية فى الانضمام الى المنظمة كل بعد استقلاله، ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى المغرب وتوجو اللتين انضمتا للمنظمة فى عام 1964، فقد رفضت المغرب المشاركة فى المؤتمر الأول احتجاجا على مشاركة موريتانيا حيث اعتبرتها جزءا من الأرض المغربية، فى حين كان تحفظ الكثير من الدول الأعضاء على النظام الحاكم فى توجو سببا فى عدم حضورها. وفى هذا السياق، ترك الميثاق باب العضوية مفتوحا كحق تمارسه كل دولة أفريقية ذات سيادة.
وقد دارت عجلة التعاون سريعا من خلال الاتفاق على آليات عمل موحدة. فعلى المستوى السياسى نجد ان قضية التحرر الوطنى التى مثلت الشغل الشاغل لكافة دول القارة قد استحوذت على الاهتمام الاكبر من جهود العمل المشترك. فقد تم الاتفاق فى نفس العام (عام 1963) على إنشاء لجنة التنسيق لتحرير أفريقيا كإحدى لجان المنظمة، وهى لجنة ذات صبغة عسكرية اهتمت بدعم وتنشيط حركات التحرير الافريقية ضد الاستعمار. كما يلاحظ ان المنظمة سعت دائما للوساطة فى اى نزاع ينشب بين أعضائها. ورغم عدم نجاح هذه الجهود فى الكثير من الأحوال، الا أنها سعت دائما الى ترسيخ قاعدة الحوار واللجوء الى الطرق السلمية وقدسية الحدود القائمة، كمنهاج حاكم لكافة تحركاتها.
أما على مستوى قضايا التنمية، فقد احتلت مسألة الديون الافريقية حيزا كبيرا من جملة الاجتماعات واللقاءات المشتركة التى جمعت الدول الاعضاء فى المنظمة، وخاصة فى أواخر السبعينات، حيث دعا مجلس وزراء المنظمة في الدورة العامة الثلاثين في طرابلس من 20 الى 28 فبراير 1978 حكومات البلدان المتقدمة الى قبول مقترحات الدول النامية بشأن إجراءات تخفيض الديون المتراكمة.
وفي 28 - 29 أبريل 1980 أقر أول مؤتمر قمة اقتصادي تابع لمنظمة الوحدة الافريقية الخطة المعروفة بـ خطة لاجوس والتي تركزت على عدة نقاط أهمها التعاون في مجالات الغذاء والزراعة وتنمية الموارد البشرية والتجارة. وفي 3 يونيو 1991 وقع رؤساء الدول الأفريقية على المعاهدة المؤسسة للجماعة الاقتصادية الأفريقية في ابوجا والتي تنص على التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء من خلال التضامن على ان يتم ذلك بصفة تدريجية خلال فترة انتقالية أقصاها أربعة وثلاثين عاما مقسمة إلى مراحل .
2 ـ أهداف ومبادئ المنظمة:
حددت المادة الثانية من الميثاق أهداف المنظمة فيما يلى:
أ - تقوية وحدة الدول الأفريقية وتضامنها.
ب - أن تعمل المنظمة على تحقيق التنسيق والتعاون لتحقيق حياة أفضل لشعوب أفريقيا.
ج - الدفاع عن سيادة وسلامة الاراضي واستقلال الدول الأعضاء.
د - تشجيع التعاون الدولي، مع الأخذ فى الاعتبار ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد حددت المادة الثانية ايضا وسائل تحقيق التعاون بين الدول الأعضاء بالنص على أن ينسق أعضاء المنظمة سياستهم العامة ويعملون على التوفيق بينها خاصة في الميادين التالية:
- التعاون السياسي والدبلوماسي.
- التعاون الاقتصادي بما في ذلك النقل والمواصلات.
- التعاون التربوي والثقافي.
- التعاون الصحي والرعاية الصحية والتغذية.
- التعاون في الدفاع والأمن.
اما المبادئ الاساسية للمنظمة فهى:
أ - المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء: تضمنت ديباجة الميثاق النص على أن الحرية والمساواة والعدالة والكرامة هي أهداف لا غنى عنها. كذلك نصت المادة الخامسة على تمتع جميع الدول الأعضاء بحقوق وواجبات متساوية. وانطلاقا من هذا نصت المادة 3/1 من ميثاق المنظمة على احترام مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء ويترتب على هذا المبدأ تقرير المساواة بين الدول في الحقوق والواجبات، لهذا فإن لكل دولة عضو صوتا واحداً كما تشترك بالتمثيل على قدم المساواة في جميع الأجهزة العاملة بالمنظمة.
ب - عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء : فبمقتضى مبدأ المساواة في السيادة يكون من حق كل دولة اختيار نظامها السياسى والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ج - احترام سيادة الدول الأعضاء وسلامة أراضيها وحقها الثابت في كيانها المستقل: وجاء هذا المبدأ في ديباجة الميثاق التي تضمنت نحن رؤساء دول وحكومات أفريقيا المجتمعين بمدينة أديس أبابا نعلن تصميمنا على المحافظة على سيادة دولنا وسلامة أراضينا.
د - حل المنازعات بالطرق السلمية: وهو مبدأ عام في القانون الدولي، ولكنه اكتسب أهميته الخاصة لأفريقيا فى ذلك الوقت نظرا لحداثة تكوين دولها وتداخل القبائل والسكان وعدم رسوخ فكرة الحدود بين الدول.
هـ - الاستنكار المطلق لأعمال التصفية السياسية فى كل صورها، حيث أن كل أعمال الاغتيال السياسي والتصفية المادية وكل أنواع النشاط الهدام تعتبر أعمالا منافية لمبادئ المنظمة.
و - التزام الدول الأفريقية بتكريس الجهود من أجل تحقيق الاستقلال الكامل لكل الأراضي الأفريقية: وهو الهدف الأساسي للمنظمة ومع ذلك تقرر إدراجه ضمن المبادئ لحث الدول على الالتزام التام به.
ز - تأكيد سياسة عدم الانحياز تجاه جميع الكتل الدولية.
أما بالنسبة للعضوية فقد اشترط أن توافق الدول المنضمة الى المنظمة على هذه الأهداف والمبادئ عندما تقدم طلب الانضمام. ويقوم الأمين العام بإرساله الى جميع الدول الأعضاء ويكون قرار قبولها بالأغلبية العادية وترسل كل دولة قرارها إلى الأمين العام الذى يقوم عند تحقيق العدد المطلوب من الأصوات بإبلاغ الدول طالبة الانضمام بالقرار الذي اتخذته الدول الأعضاء . وحتى الآن انضمت 53 دولة إلى منظمة الوحدة الأفريقية هي الجزائر، وأنجولا، وبنين، وبتسوانا، وبوركينا فاسو، وبوروندى، والكاميرون، والرأس الاخضر، وأفريقيا الوسطى، وتشاد، وجيبوتى، جزر القمر، والكونغو الديمقراطية، وجمهورية الكونغو، وكوت ديفوار، ومصر، وإثيوبيا، والجابون، وجاميبا، وغانا، وغينيا، وغينيا بيساو، وكينيا، وليسوتو، وليبيريا، وليبيا، ومدغشقر، وملاوي، ومالي، وموريتانيا، ومورشيوس، وموزمبيق، وناميبيا، والنيجر، ونيجيريا، ورواندا، وساوتومي وبرنسيب، والسنغال، وسيشل ،وسيراليون، والصومال، وجنوب أفريقيا، والسودان، وسوازيلاند، وتنزانيا، وتوجو، وتونس، وأوغندا، وزامبيا، وزيمبابوي، والجمهورية العربية الصحراوية، وغينيا الاستوائية، وإريتريا. والجدير بالذكر أن المغرب منسحبة منذ عام 1984 احتجاجا على قبول انضمام الجمهورية الصحراوية.
3 ـ الهيكل التنظيمي:
تسعى المنظمة الى تحقيق الأهداف التى حددها الميثاق فى المادة السابعة، بواسطة الأجهزة التالية:
أ - مؤتمر رؤساء الدول والحكومات:
يمثل الهيئة العليا للمنظمة، ويتكون من جميع رؤساء الدول والحكومات الأعضاء أو من يمثلهم ويجتمع مرة على الأقل كل عام ويجوز انعقاده في دورات انعقاد غير عادية بناء على طلب أي عضو من الأعضاء وبموافقة أغلبية الأعضاء (مادة 9). وهو يختص بمباشرة كل الاختصاصات التي نص عليها الميثاق وكل الأمور ذات الأهمية المشتركة لأفريقيا والعمل على تنظيم وتنسيق السياسة العامة للمنظمة (المادة 8/1 من الميثاق)، وهو يختص أيضا بإعادة النظر في تكوين جميع أجهزة المنظمة وأوجه نشاطها ويشرف على أعمال المنظمات المتخصصة التي يتم إنشاؤها وفقا للميثاق (مادة 8/2) وللمؤتمر سلطة تحديد الإجراءات الداخلية وتنظيمها.
وتقوم الأمانة العام بإعداد جدول الأعمال المؤقت وتقديمه إلى مؤتمر الرؤساء، ويعرض هذا الجدول على مجلس الوزراء. وللمؤتمر إقرار مشروع جدول الأعمال الذي يعرضه مجلس الوزراء.ويجتمع المؤتمر مرة كل عام فى دورة عادية ( شهر يونيو)، ويمكن أن يجتمع فى دورة غير عادية بناء على طلب أى دولة بشرط موافقة ثلثى الدول الاعضاء.
أما نظام التصويت في مجلس الرؤساء فإنه يقوم على أساس مبدأ المساواة حيث لكل دولة صوت واحد وتصدر القرارات بشكل عام بأغلبية ثلث الأعضاء (المادة 10/1) ومع ذلك فإن القرارات الخاصة بإجراءات العمل في المنظمة تكون بالأغلبية العادية.
ب ـ مجلس وزراء الخارجية:
يتكون من وزراء خارجية الدول الأعضاء أو من يمثلهم. ويجتمع هذا المجلس مرتين على الأقل في العام، ومع ذلك يجوز دعوة المجلس إلى انعقاد غير عادي بناء على طلب عضو من الأعضاء بشرط ان يوافق ثلثى الدول الأعضاء (المادة 12). وحيث انه قد توجد حالات يكون فيها من المصلحة ضرورة دعوة المجلس للانعقاد، لذلك وافقت الدول على جواز قيام الأمين العام بدعوة المجلس للانعقاد إذا ما استدعى الأمر ذلك.
ويختص مجلس الوزراء بكل ما يتعلق بالإعداد لمؤتمرات القمة الأفريقية، كما يختص بكل ما يحيله رؤساء الدول والحكومات إليه من مهام وهو الذي يشرف على تنفيذ قرارات مجلس الرؤساء وعلى تنسيق التعاون الأفريقي إعمالا للمادة الثانية من الميثاق (المادة 3) وهو ايضا الذي يصدق على الميزانية (المادة 23).
أما نظام التصويت في مجلس الوزراء فتصدر قرارات مجلس الوزراء بالأغلبية العادية ويكون لكل عضو صوت واحد (المادة 4/1) واجتماعات المجلس تكون صحيحة قانونا إذا حضر ثلث الأعضاء (المادة 14/3 ) .
ج ـ الأمانة العامة:
يعين مؤتمر رؤساء الدول والحكومات أمانة عامة إدارية تقوم بإدارة أنشطة المنظمة. وتتكون الأمانة العامة من عدد من الموظفين يرأسهم أمين عام ويساعده أربعة أمناء مساعدين. وقد حددت أنشطتهم وشروط توظيفهم فى الميثاق (المادتين 16 و17) واللوائح الداخلية المصدق عليها من جانب مؤتمر رؤساء الدول والحكومات .
ويختص الأمين العام بأمور متعددة مثل إعداد ميزانية المنظمة وعرضها على مجلس الوزراء (مادة 23)، وتمثيل المنظمة لدى الدول والمنظمات الدولية، والاشراف على الجهاز الإداري للمنظمة بمقرها في أديس أبابا، ويختص بالتحضير لاجتماعات أجهزة المنظمة وإعداد التقرير السنوى عن المنظمة.
وقد فرضت المادة 18 من الميثاق عدة أحكام لضمان حيدة الأمين العام ومساعديه فقررت انه على الأمين العام الإداري وهيئة الأمانة العامة ألا يطلبوا أو يتلقوا عند قيامهم بواجباتهم تعليمات من أية حكومة أو من أية سلطة خارجة عن المنظمة، وعليهم الامتناع عن القيام بأي عمل قد يمس مراكزهم باعتبارهم موظفين دوليين مسؤولين فقط أمام المنظمة وحدها.
كذلك يلزم الميثاق كل عضو في المنظمة باحترام الصفة المطلقة لمسئوليات الأمين العام والإداري وهيئة الموظفين، وأن يمتنع عن التأثير عليهم عند قيامهم بمسئولياتهم. وضمانا لحسن سير العمل بالمنظمة تقررت للأمين العام ومساعديه الأربعة وموظفي الأمانة العامة مزايا وحصانات محددة تضمنتها اتفاقيتان، الأولى أقرها مؤتمر رؤساء الدول والحكومات في دورته الأولى بالقاهرة في يوليو 1964 بشأن مزايا وحصانات منظمة الوحدة الأفريقية، أما الاتفاقية الثانية فهي الاتفاقية التي عقدتها المنظمة مع حكومة إثيوبيا باعتبارها دولة المقر.
د ـ اللجان:
إعمالا لنص المادة 20 من الميثاق قرر مجلس رؤساء الدول إنشاء العديد من اللجان الفنية. وهذه اللجان تتكون من الوزراء المختصين أو غيرهم من الوزراء أو المفوضين الذين تقوم حكومات الدول بتعيينهم لهذا الغرض. ومن ابرز هذه اللجان:
(1) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية، وتهدف إلى تحقيق التعاون بين الدول الأفريقية وتنسيق هذا التعاون من أجل رفع مستوى المعيشة في الدول الأفريقية وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.
(2) لجنة الدفاع : وتعمل على تنفيذ ما قد يعهد إليها به من قبل مؤتمر رؤساء الدول والحكومات فى حالة العدوان او التهديد بالعدوان، كما تدرس ما يحيله اليها المؤتمر وإصدار ما تراه من توصيات لتأمين الدول الأعضاء.
(3) لجنة القانونيين الأفارقة: وهي وليدة ما تبلور من أفكار في مؤتمر القانونيين الأفروآسيويين في مدينة كونا كري في 15 أكتوبر

















